الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلِ اللَّهُمَّ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا تَأْوِيلُ : قُلِ اللَّهُمَّ فَإِنَّهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ : يَا اللَّهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي نَصْبِ مِيمِ اللَّهُمَّ وَهُوَ مُنَادًى ، وَحُكْمُ الْمُنَادَى الْمُفْرَدُ غَيْرُ الْمُضَافِ الرَّفْعُ وَفِي دُخُولِ الْمِيمِ فِيهِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اللَّهُ بِغَيْرِ مِيمٍ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا زِيدَتْ فِيهِ الْمِيمَانِ لِأَنَّهُ لَا يُنَادَى بِ يَا كَمَا يُنَادَى الْأَسْمَاءُ الَّتِي لَا أَلِفَ فِيهَا وَلَا لَامَ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي لَا أَلِفَ وَلَا لَامَ فِيهَا تُنَادَى بِ يَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ : يَا زَيْدُ ، وَيَا عَمْرُو . قَالَ : فَجُعِلَتِ الْمِيمُ فِيهِ خَلَفًا مِنْ يَا كَمَا قَالُوا : فَمْ ، وَابْنُمْ ، وَهُمْ ، وَزُرْقُمْ ، وَسُتْهُمْ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالنُّعُوتِ الَّتِي يُحْذَفُ مِنْهَا الْحَرْفُ ، ثُمَّ يُبْدَلُ مَكَانَهُ مِيمٌ . قَالَ : فَكَذَلِكَ حُذِفَتْ مِنِ اللَّهُمَّ يَا الَّتِي يُنَادَى بِهَا الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَجُعِلَتِ الْمِيمُ خَلَفًا مِنْهَا فِي آخِرِ الِاسْمِ .
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ آخَرُونَ ، وَقَالُوا : قَدْ سَمِعْنَا الْعَرَبَ تُنَادِي : اللَّهُمَّ بِ يَا كَمَا تُنَادِيهِ وَلَا مِيمَ فِيهِ . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مُصِيبًا فِي دَعْوَاهُ ، لَمْ تُدْخِلِ الْعَرَبُ يَا وَقَدْ جَاءُوا بِالْخَلْفِ مِنْهَا . وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ : وَمَا عَلَيْكِ أَنْ تَقُولِي كُلَّمَا صَلَّيْتِ أَوْ كَبَّرْتِ يَا أَللَّهُمَا ارْدُدْ عَلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّمَا وَيُرْوَى : سَبَّحَتْ أَوْ كَبَّرَتْ .
قَالُوا : وَلَمْ نَرَ الْعَرَبَ زَادَتْ مِثْلَ هَذِهِ الْمِيمِ إِلَّا مُخَفَّفَةً فِي نَوَاقِصِ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ : الْفَمْ ، وَابْنُمْ ، وَهُمْ قَالُوا : وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهَا كَلِمَةٌ ضُمَّ إِلَيْهَا أَمَّ بِمَعْنَى : يَا أَللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ فَكَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ فَاخْتَلَطَتْ بِهِ . قَالُوا : فَالضَّمَّةُ الَّتِي فِي الْهَاءِ مِنْ هَمْزَةِ أَمَّ لَمَّا تُرِكَتِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَا قَبْلَهَا . قَالُوا : وَنَرَى أَنَّ قَوْلَ الْعَرَبِ : هَلُمَّ إِلَيْنَا مِثْلُهَا .
إِنَّمَا كَانَ هَلُمَّ هَلْ ضُمَّ إِلَيْهَا أُمَّ فَتُرِكَتْ عَلَى نَصْبِهَا . قَالُوا : مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ إِذَا طَرَحَ الْمِيمَ : يَا اللَّهُ اغْفِرْ لِي وَ يَا أَللَّهُ اغْفِرْ لِي بِهَمْزِ الْأَلِفِ مِنَ اللَّهِ مَرَّةً ، وَوَصْلِهَا أُخْرَى ، فَمَنْ حَذَفَهَا أَجْرَاهَا عَلَى أَصْلِهَا ، لِأَنَّهَا أَلِفٌ وَلَامٌ مِثْلُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ اللَّتَيْنِ يَدْخُلَانِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمَعَارِفِ زَائِدَتَيْنِ . وَمَنْ هَمَزَهَا تَوَهَّمَ أَنَّهَا مِنَ الْحَرْفِ ، إِذْ كَانَتْ لَا تَسْقُطُ مِنْهُ ، وَأَنْشَدُوا فِي هَمْزِ الْأَلِفِ مِنْهَا : مُبَارَكٌ هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ عَلَى اسْمِكَ اللُّهُمَّ يَا أَللَّهُ قَالُوا : وَقَدْ كَثُرَتِ اللَّهُمَّ فِي الْكَلَامِ ، حَتَّى خُفِّفَتْ مِيمُهَا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ ، وَأَنْشَدُوا : كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ يَسْمَعُهَا اللَّهُمُ الْكُبَارُ وَالرُّوَاةُ تُنْشِدُ ذَلِكَ : يَسْمَعُهَا لَاهُهُ الْكُبَارُ وَقَدْ أَنْشُدُهُ بَعْضُهُمْ : يَسْمَعُهَا اللَّهُ وَاللَّهُ كُبَارُ الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : يَا مَالِكَ الْمُلْكِ ، يَا مِنْ لَهُ مُلْكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ خَالِصًا دُونَ وَغَيْرِهِ ، كَمَا : - 6789 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَوْلَهُ : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ أَيْ رَبَّ الْعِبَادِ الْمَلِكَ ، لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرُكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ فَإِنَّهُ يَعْنِي : تُعْطَى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، فَتَمْلِكُهُ وَتُسَلِّطُهُ عَلَى مَنْ تَشَاءُ . وَقَوْلُهُ : وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ يَعْنِي : وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ أَنْ تَنْزِعَهُ مِنْهُ ، فَتُرِكَ ذِكْرُ أَنْ تَنْزِعَهُ مِنْهُ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ عَلَيْهِ ، كَمَا يُقَالُ : خُذْ مَا شِئْتَ وَكُنْ فِيمَا شِئْتَ يُرَادُ : خُذْ مَا شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَهُ ، وَكُنْ فِيمَا شِئْتَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ; وَكَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ [ سُورَةُ الِانْفِطَارِ : 8 ] يَعْنِي : فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ أَنْ يُرَكِّبَكَ فِيهَا رَكَّبَكَ . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ لِأُمَّتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6790 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : وَذَكَرَ لَنَا : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ رَبَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ إِلَى إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . 6791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ رَبَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَعْنَى الْمُلْكِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : النُّبُوَّةُ .