الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : تُولِجُ تُدْخِلُ ، يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ وَلَجَ فُلَانٌ مَنْزِلَهُ إِذَا دَخَلَهُ ، فَهُوَ يَلِجُهُ وَلْجًا وَوُلُوجًا وَلِجَةً - وَ أَوْلَجْتُهُ أَنَا إِذَا أَدْخَلْتُهُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ تُدْخِّلُ مَا نَقَصْتَ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ فِي سَاعَاتِ النَّهَارِ ، فَتَزِيدُ مِنْ نُقْصَانِ هَذَا فِي زِيَادَةِ هَذَا وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتَدْخُلُ مَا نَقَصْتَ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ ، فَتَزِيدُ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ مَا نَقَصْتَ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ ، كَمَا : - 6795 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيُّ : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ حَتَّى يَكُونَ اللَّيْلُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً ، وَالنَّهَارُ تِسْعَ سَاعَاتٍ ، وَتُدْخِلُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً ، وَاللَّيْلُ تِسْعَ سَاعَاتٍ . 6796 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا نَقَصَ مِنَ النَّهَارِ يَجْعَلُهُ فِي اللَّيْلِ ، وَمَا نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ يَجْعَلُهُ فِي النَّهَارِ .
6800 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ قَالَ : هُوَ نُقْصَانُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ . 6801 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ قَالَ : يَأْخُذُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ ، وَيَأْخُذُ النَّهَارَ مِنَ اللَّيْلِ . يَقُولُ : نُقْصَانُ اللَّيْلِ فِي زِيَادَةِ النَّهَارِ ، وَنُقْصَانُ النَّهَارِ فِي زِيَادَةِ اللَّيْلِ .
6802 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ يَعْنِي أَنَّهُ يَأْخُذُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ ، فَيَكُونُ اللَّيْلُ أَحْيَانًا أَطْوَلَ مِنَ النَّهَارِ ، وَالنَّهَارُ أَحْيَانًا أَطْوَلَ مِنَ اللَّيْلِ . 6803 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ قَالَ : هَذَا طَوِيلٌ وَهَذَا قَصِيرٌ ، أَخَذَ مِنْ هَذَا فَأَوْلَجَهُ فِي هَذَا ، حَتَّى صَارَ هَذَا طَوِيلًا وَهَذَا قَصِيرًا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : أَنَّهُ يُخْرِجُ الشَّيْءَ الْحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ الْمَيِّتَةِ ، وَيَخْرُجُ النُّطْفَةَ الْمَيِّتَةَ مِنَ الشَّيْءِ الْحَيِّ . ذِكْرُ مِنْ قَالَ ذَلِكَ : 6804 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ : هِيَ النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مِنَ الرَّجُلِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ وَهُوَ حَيٌّ ، وَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْهَا حَيًّا وَهِيَ مَيِّتَةٌ . 6805 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ : النَّاسُ الْأَحْيَاءُ مِنَ النُّطَفِ وَالنُّطَفُ مَيِّتَةٌ ، وَيُخْرِجُهَا مِنَ النَّاسِ الْأَحْيَاءِ ، وَالْأَنْعَامِ .
6809 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَطَاءٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي قَوْلِهِ . وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ : تَخْرُجُ النُّطْفَةَ مِنَ الرَّجُلِ ، وَالرَّجُلَ مِنَ النُّطْفَةِ . 6810 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ : تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ هَذِهِ النُّطْفَةِ الْمَيِّتَةِ ، وَتُخْرِجُ هَذِهِ النُّطْفَةَ الْمَيِّتَةَ مِنَ الْحَيِّ .
6811 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ الْآيَةَ ، قَالَ : النَّاسُ الْأَحْيَاءُ مِنَ النُّطَفِ ، وَالنُّطَفُ الْمَيِّتَةٌ مِنَ النَّاسِ الْأَحْيَاءِ ، وَمِنَ الْأَنْعَامِ وَالنَّبْتِ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَسَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عُوَيْمِرٍ يُخْبِرُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : إِخْرَاجُهُ النُّطْفَةَ مِنَ الْإِنْسَانِ ، وَإِخْرَاجُهُ الْإِنْسَانَ مِنَ النُّطْفَةِ . 6812 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ : النُّطْفَةُ مَيِّتَةٌ ، فَتُخْرِجُ مِنْهَا أَحْيَاءً وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ تُخْرِجُ النُّطْفَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَحْيَاءِ ، وَالْحَبُّ مَيِّتٌ تُخْرِجُ مِنْهُ حَيًّا وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ تُخْرِجُ مِنْ هَذَا الْحَيِّ حَبًّا مَيِّتًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُ يُخْرِجُ النَّخْلَةَ مِنَ النَّوَاةِ ، وَالنَّوَاةَ مِنَ النَّخْلَةِ ، وَالسُّنْبُلَ مِنَ الْحَبِّ ، وَالْحَبَّ مِنَ السُّنْبُلِ ، وَالْبَيْضَ مِنَ الدَّجَاجِ ، وَالدَّجَاجَ مِنَ الْبَيْضِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 6813 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ قَالَ : هِيَ الْبَيْضَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْحَيِّ وَهِيَ مَيِّتَةٌ ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا الْحَيُّ . 6814 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ .
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ : النَّخْلَةُ مِنَ النَّوَاةِ وَالنَّوَاةَ مِنَ النَّخْلَةِ ، وَالْحَبَّةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ ، وَالسُّنْبُلَةَ مِنَ الْحَبَّةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُ يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ ، وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6815 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يَعْنِي الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ ، وَالْمُؤْمِنُ عَبْدٌ حَيُّ الْفُؤَادِ ، وَالْكَافِرُ عَبْدٌ مَيِّتُ الْفُؤَادِ .
6821 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ حَسَنَةِ النِّعْمَةِ ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ إِحْدَى خَالَاتِكَ ! قَالَ : إِنَّ خَالَاتِي بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ لِغَرَائِبُ ! وَأَيُّ خَالَاتِي هَذِهِ ؟ قَالَتْ : خَالِدَةُ ابْنَةُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ . قَالَ : سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ! وَكَانَتِ امْرَأَةً صَالِحَةً ، وَكَانَ أَبُوهَا كَافِرًا . 6822 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ : هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْكَافِرَ يَلِدُ مُؤْمِنًا ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَلِدُ كَافِرًا ؟ فَقَالَ : هُوَ كَذَلِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : يُخْرِجُ الْإِنْسَانَ الْحَيَّ وَالْأَنْعَامَ وَالْبَهَائِمَ الْأَحْيَاءَ مِنَ النُّطَفِ الْمَيِّتَةِ وَذَلِكَ إِخْرَاجُ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيَخْرِجُ النُّطْفَةَ الْمَيِّتَةَ مِنَ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ وَالْأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ الْأَحْيَاءِ وَذَلِكَ إِخْرَاجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ . وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَيٍّ فَارَقَهُ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِهِ ، فَذَلِكَ الَّذِي فَارَقَهُ مِنْهُ مَيِّتٌ . فَالنُّطْفَةُ مَيِّتَةٌ لِمُفَارَقَتِهَا جَسَدَ مَنْ خَرَجَتْ مِنْهُ ، ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ مِنْهَا إِنْسَانًا حَيًّا وَبَهَائِمَ وَأَنْعَامًا أَحْيَاءً .
وَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ شَيْءٍ حَيٍّ زَايَلَهُ شَيْءٌ مِنْهُ ، فَالَّذِي زَايَلَهُ مِنْهُ مَيِّتٌ . وَذَلِكَ هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 28 ] . وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى الْحَبَّةِ مِنَ السُّنْبُلَةِ ، وَالسُّنْبُلَةِ مِنَ الْحَبَّةِ ، وَالْبَيْضَةِ مِنَ الدَّجَاجَةِ ، وَالدَّجَاجَةِ مِنَ الْبَيْضَةِ ، وَالْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَافِرِ ، وَالْكَافِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مَفْهُومٌ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ الْأَغْلَبَ الظَّاهِرَ فِي اسْتِعْمَالِ النَّاسِ فِي الْكَلَامِ .
وَتَوْجِيهُ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلَى الظَّاهِرِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي النَّاسِ ، أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهَا إِلَى الْخَفِيِّ الْقَلِيلِ فِي الِاسْتِعْمَالِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ بِالتَّشْدِيدِ ، وَتَثْقِيلِ الْيَاءِ مِنَ الْمَيِّتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُخْرِجُ الشَّيْءَ الْحَيَّ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ مَاتَ ، وَمِمَّا لَمْ يَمُتْ .
وَقَرَأَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ مِنَ الْمَيْتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُخْرِجُ الشَّيْءَ الْحَيَّ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ مَاتَ ، دُونَ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ ، وَيُخْرِجُ الشَّيْءَ الْمَيِّتَ ، دُونَ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ ، مِنَ الشَّيْءِ الْحَيِّ . وَذَلِكَ أَنْ الْمَيِّتَ مُثَقَّلُ الْيَاءِ عِنْدَ الْعَرَبِ : مَا لَمْ يَمُتْ وَسَيَمُوتُ ، وَمَا قَدْ مَاتَ . وَأَمَّا الْمَيْتُ مُخَفَّفًا ، فَهُوَ الَّذِي قَدْ مَاتَ ، فَإِذَا أَرَادُوا النَّعْتَ قَالُوا : إِنَّكَ مَائِتٌ غَدًا ، وَإِنَّهُمْ مَائِتُونَ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ - عَلَى هَذَا الْمِثَالِ - الِاسْمُ مِنْهُ . يُقَالُ : هُوَ الْجَائِدُ بِنَفْسِهِ وَالطَّائِبَةُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ وَإِذَا أُرِيدَ مَعْنَى الِاسْمِ قِيلَ : هُوَ الْجَوَادُ بِنَفْسِهِ وَالطَّيِّبَةُ نَفْسُهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ ، قِرَاءَةُ مَنْ شَدَّدَ الْيَاءَ مِنَ الْمَيِّتِ .
لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ الَّتِي قَدْ فَارَقَتِ الرَّجُلَ فَصَارَتْ مَيِّتَةً ، وَسَيُخْرِجُهُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تُفَارِقَهُ وَهِيَ فِي صُلْبِ الرَّجُلِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ النُّطْفَةَ الَّتِي تَصِيرُ بِخُرُوجِهَا مِنَ الرَّجُلِ الْحَيِّ مَيِّتًا ، وَهِيَ قَبْلَ خُرُوجِهَا مِنْهُ حَيَّةٌ . فَالتَّشْدِيدُ أَبْلَغُ فِي الْمَدْحِ وَأَكْمَلُ فِي الثَّنَاءِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 27 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَنَّهُ يُعْطَى مَنْ يَشَاءُ مَنْ خَلْقِهِ فَيَجُودُ عَلَيْهِ ، بِغَيْرِ مُحَاسَبَةٍ مِنْهُ لِمَنْ أَعْطَاهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ دُخُولَ انْتِقَاصٍ فِي خَزَائِنِهِ ، وَلَا الْفِنَاءَ عَلَى مَا بِيَدِهِ ، كَمَا : - 6823 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ : يُخْرِجُ الرِّزْقَ مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، لَا يَخَافُ أَنْ يَنْقُصَ مَا عِنْدَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إذًا : اللَّهُمَّ يَا مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، دُونَ مَنِ ادَّعَى الْمُلْحِدُونَ أَنَّهُ لَهُمْ إِلَهٌ وَرَبٌّ وَعَبَدُوهُ دُونَكَ ، أَوِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا مَعَكَ ، أَوْ أَنَّهُ لَكَ وَلَدٌ وَبِيَدِكَ الْقُدْرَةُ الَّتِي تَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَتَقْدِرُ بِهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ، فَتَنْقُصُ مِنْ هَذَا وَتَزِيدُ فِي هَذَا ، وَتَنْقُصُ مِنْ هَذَا وَتَزِيدُ فِي هَذَا ، وَتُخْرِجُ مِنْ مَيِّتٍ حَيًّا وَمَنْ حَيٍّ مَيِّتًا ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ مِنْ خَلْقِكَ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاكَ ، وَلَا يَسْتَطِيعُهُ غَيْرُكَ ، كَمَا : - 6824 - حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ أَيْ : بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ يَعْنِي : بِالْقُدْرَةِ الَّتِي تُؤْتِي الْمُلْكَ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُهُ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُكَ ، وَلَا يَصْنَعُهُ إِلَّا أَنْتَ . أَيْ : فَإِنْ كُنْتُ سَلَّطْتُ عِيسَى عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي بِهَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِلَهٌ : مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ ، وَالْخَلْقِ لِلطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ ، وَالْخَبَرِ عَنِ الْغُيُوبِ ، لِتَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ، وَتَصْدِيقًا لَهُ فِي نُبُوَّتِهِ الَّتِي بَعَثْتُهُ بِهَا إِلَى قَوْمِهِ - فَإِنَّ مِنْ سُلْطَانِي وَقُدْرَتِي مَا لَمْ أُعْطِهِ : تَمْلِيكُ الْمُلُوكِ ، وَأَمْرُ النُّبُوَّةِ وَوَضْعُهَا حَيْثُ شِئْتُ ، وَإِيلَاجُ اللَّيْلِ فِي النَّهَارِ وَالنَّهَارِ فِي اللَّيْلِ ، وَإِخْرَاجُ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ، وَرِزْقُ مَنْ شِئْتُ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ بِغَيْرِ حِسَابٍ . فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ أُسَلِّطْ عِيسَى عَلَيْهِ ، وَلَمْ أَمَلِّكْهُ إِيَّاهُ ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ وَبَيِّنَةٌ : أَنْ لَوْ كَانَ إِلَهًا ، لَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ فِي عِلْمِهِمْ يَهْرُبُ مِنَ الْمُلُوكِ ، وَيَنْتَقِلُ مِنْهُمْ فِي الْبِلَادِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ! !