الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - للْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا الْكُفَّارَ أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا وَظُهُورًا ، وَلِذَلِكَ كَسَرَ يَتَّخِذِ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالنَّهْيِ ، وَلَكِنَّهُ كَسَرَ الذَّالَ مِنْهُ ، لِلسَّاكِنِ الَّذِي لَقِيَهُ وَهِيَ سَاكِنَةٌ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَتَّخِذُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، الْكُفَّارَ ظَهْرًا وَأَنْصَارًا تُوَالُونَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ، وَتُظَاهِرُونَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَتَدُلُّونَهُمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ يَعْنِي بِذَلِكَ : فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ ، بِارْتِدَادِهِ عَنْ دِينِهِ وَدُخُولِهِ فِي الْكُفْرِ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً إِلَّا أَنْ تَكُونُوا فِي سُلْطَانِهِمْ فَتَخَافُوهُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، فَتُظْهِرُوا لَهُمُ الْوِلَايَةَ بِأَلْسِنَتِكُمْ ، وَتُضْمِرُوا لَهُمُ الْعَدَاوَةَ ، وَلَا تُشَايِعُوهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ ، وَلَا تُعِينُوهُمْ عَلَى مُسْلِمٍ بِفِعْلٍ ، كَمَا : - 6825 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ : نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلَاطِفُوا الْكُفَّارَ أَوْ يَتَّخِذُوهُمْ وَلِيجَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِينَ ، فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ اللُّطْفَ ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الدِّينِ . وَذَلِكَ قَوْلُهُ : إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً 6826 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، وَابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ ، وَقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ ، قَدْ بَطَنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، فَقَالَ رَفَاعَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ ، لِأُولَئِكَ النَّفَرِ : اجْتَنِبُوا هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ ، وَاحْذَرُوا لُزُومَهُمْ وَمُبَاطَنَتِهِمْ لَا يَفْتِنُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ ! فَأَبَى أُولَئِكَ النَّفَرُ إِلَّا مُبَاطَنَتَهُمْ وَلُزُومَهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
6833 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً قَالَ : قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ وَلَيْسَ بِالْعَمَلِ . 6834 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً قَالَ : التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ . مَنْ حُمِلَ عَلَى أَمْرٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَهُوَ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ ، فَتَكَلَّمَ مَخَافَةً عَلَى نَفْسِهِ ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ .
6835 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً فَالتَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ . مَنْ حُمِلَ عَلَى أَمْرٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ ، فَيَتَكَلَّمُ بِهِ مَخَافَةَ النَّاسِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ . إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى : إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6836 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِيَّةً نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُوَادُّوا الْكُفَّارَ أَوْ يَتَوَلَّوْهُمْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ اللَّهُ : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِيَّةً الرَّحِمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَلَّوْهُمْ فِي دِينِهِمْ ، إِلَّا أَنْ يَصِلَ رَحِمًا لَهُ فِي الْمُشْرِكِينَ .
6837 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَتَّخِذَ كَافِرًا وَلِيًّا فِي دِينِهِ ، وَقَوْلُهُ : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً قَالَ : أَنْ يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ ، فَتَصِلُهُ لِذَلِكَ . 6838 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً قَالَ : صَاحِبُهُمْ فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ، الرَّحِمُ وَغَيْرُهُ . فَأَمَّا فِي الدِّينِ فَلَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ تَأْوِيلٌ لَهُ وَجْهٌ ، وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ : إِلَّا أَنَّ تَتَّقُوا مِنَ الْكَافِرِينَ تُقَاةً فَالْأَغْلَبُ مِنْ مَعَانِي هَذَا الْكَلَامِ : إِلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْهُمْ مَخَافَةً . فَالتَّقِيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ . إِنَّمَا هِيَ تَقِيَّةٌ مِنَ الْكُفَّارِ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ .
وَوَجَّهَهُ قَتَادَةُ إِلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا اللَّهَ مِنْ أَجْلِ الْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ تُقَاةً ، فَتَصِلُونَ رَحِمَهَا . وَلَيْسَ ذَلِكَ الْغَالِبُ عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ . وَالتَّأْوِيلُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْأَغْلَبِ الظَّاهِرِ مِنْ مَعْرُوفِ كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِمْ .
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ : إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ، عَلَى تَقْدِيرِ فُعَلَةٍ مِثْلُ : تُخَمَةٍ ، وَتُؤَدَةٍ وَتُكَأَةٍ مِنَ اتَّقَيْتُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِيَّةً ، عَلَى مِثَالِ فَعَيْلَةٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهَا : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً لِثُبُوتِ حُجَّةِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ ، بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْخَطَأُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ ، وَيُخَوِّفُكُمُ اللَّهُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ تَرْكَبُوا مَعَاصِيهِ ، أَوْ تُوَالُوا أَعْدَاءَهُ ، فَإِنَّ لِلَّهِ مَرْجِعَكُمْ وَمَصِيرَكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ ، وَيَوْمَ حَشْرِكُمْ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ يَعْنِي بِذَلِكَ : مَتَى صِرْتُمْ إِلَيْهِ وَقَدْ خَالَفْتُمْ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، وَأَتَيْتُمْ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنَ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، نَالَكُمْ مِنْ عِقَابِ رَبِّكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ ، يَقُولُ : فَاتَّقُوهُ وَاحْذَرُوهُ أَنْ يَنَالَكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ .