الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُنْزِلَتْ فِي قَوْمٍ قَالُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ لَهُمْ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَقُولُونَ ، فَاتَّبَعُونِي ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَامَةُ صِدْقِكُمْ فِيمَا قُلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6845 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : قَالَ قَوْمٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فَجَعَلَ اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَمًا لِحُبِّهِ ، وَعَذَابَ مَنْ خَالَفَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ لِوَفْدِ نَجْرَانَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّصَارَى : إِنْ كَانَ الَّذِي تَقُولُونَهُ فِي عِيسَى مِنْ عَظِيمِ الْقَوْلِ ، إِنَّمَا يَقُولُونَهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَحُبًّا لَهُ ، فَاتَّبَعُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6849 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ أَيْ : إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ قَوْلِكُمْ - يَعْنِي : فِي عِيسَى - حُبًّا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ ، فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أَيْ : مَا مَضَى مِنْ كُفْرِكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ .
لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِغَيْرِ وَفْدِ نَجْرَانَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَلَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ ، ذِكْرُ قَوْمٍ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ ، وَلَا أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهُ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ . إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبَعُونِي جَوَابًا لِقَوْلِهِمْ ، عَلَى مَا قَالَهُ الْحَسَنُ . وَأَمَّا مَا رَوَى الْحَسَنُ فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ ، فَلَا خَبَرَ بِهِ عِنْدَنَا يَصِحُّ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي السُّورَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ .
إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفْدَ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ نَظِيرَ اخْتِيَارِنَا فِيهِ . فَإِذْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَبَرٌ عَلَى مَا قُلْنَا ، وَلَا فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، فَأَوْلَى الْأُمُورِ بِنَا أَنْ نُلْحِقَ تَأْوِيلَهُ بِالَّذِي عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ مِنْ آيِ السُّورَةِ ، وَذَلِكَ هُوَ مَا وَصَفْنَا . لِأَنَّ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ مُبْتَدَأِ هَذِهِ السُّورَةِ وَمَا بَعْدَهَا ، خَبَرٌ عَنْهُمْ ، وَاحْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَدَلِيلٌ عَلَى بُطُولِ قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ .
فَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ هِيَ أَيْضًا مَصْرُوفَةَ الْمَعْنَى إِلَى نَحْوِ مَا قَبْلَهَا وَمَعْنَى مَا بَعْدَهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، لِلْوَفْدِ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ : إِنْ كُنْتُمْ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ، وَأَنَّكُمْ تُعَظِّمُونَ الْمَسِيحَ وَتَقُولُونَ فِيهِ مَا تَقُولُونَ ، حُبًّا مِنْكُمْ رَبَّكُمْ فَحَقِّقُوا قَوْلَكُمُ الَّذِي تَقُولُونَهُ ، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، بِاتِّبَاعِكُمْ إِيَّايَ ، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لِلَّهِ رَسُولٌ إِلَيْكُمْ ، كَمَا كَانَ عِيسَى رَسُولًا إِلَى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ إِنِ اتَّبَعْتُمُونِي وَصَدَّقْتُمُونِي عَلَى مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ، فَيَصْفَحُ لَكُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا ، وَيَعْفُو لَكُمْ عَمَّا مَضَى مِنْهَا ، فَإِنَّهُ غَفُورٌ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، رَحِيمٌ بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِهِ .