الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - تَقَبَّلَ مَرْيَمَ مِنْ أُمِّهَا حَنَّةَ ، وَتَحْرِيرَهَا إِيَّاهَا لِلْكَنِيسَةِ وَخِدْمَتَهَا وَخِدْمَةَ رَبِّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ . وَالْقَبُولُ مَصْدَرٌ مِنْ : قَبِلَهَا رَبُّهَا فَأَخْرَجَ الْمَصْدَرَ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ . وَلَوْ كَانَ عَلَى لَفْظِهِ لَكَانَ : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا تَقَبُّلًا حَسَنًا .
وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ كَثِيرًا : أَنْ يَأْتُوا بِالْمَصَادِرِ عَلَى أُصُولِ الْأَفْعَالِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا فِي الْأَفْعَالِ بِالزِّيَادَةِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : تَكَلَّمَ فُلَانٌ كَلَامًا وَلَوْ أَخْرَجَ الْمَصْدَرَ عَلَى الْفِعْلِ لَقِيلَ : تَكَلَّمَ فُلَانٌ تَكَلُّمًا . وَمِنْهُ قَوْلُهُ : وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَلَمْ يُقُلْ : إِنْبَاتًا حَسَنًا . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ نَسْمَعِ الْعَرَبَ تَضُمُّ الْقَافَ فِي قَبُولِ وَكَانَ الْقِيَاسُ الضَّمُّ ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ : الدُّخُولِ ، وَالْخُرُوجِ .
قَالَ : وَلَمْ أَسْمَعْ بِحَرْفٍ آخَرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُشْبِهُهُ . 6900 - حُدِّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْيَزِيدِيُّ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَأَنْبَتَهَا رَبُّهَا فِي غِذَائِهِ وَرِزْقِهِ نَبَاتًا حَسَنًا ، حَتَّى تَمَّتْ فَكَمُلَتِ امْرَأَةً بَالِغَةً تَامَّةً ، كَمَا : - 6901 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ قَالَ : تَقَبَّلَ مِنْ أُمِّهَا مَا أَرَادَتْ بِهَا لِلْكَنِيسَةِ ، وَأَجَرَهَا فِيهَا وَأَنْبَتَهَا قَالَ : نَبَتَتْ فِي غِذَاءِ اللَّهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَكَفَّلَهَا فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ : وَكَفَلَهَا مُخَفَّفَةَ الْفَاءِ ، بِمَعْنَى : ضَمَّهَا زَكَرِيَّا إِلَيْهِ ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 44 ] . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ . وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ، بِمَعْنَى : وَكَفَلَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( وَكَفَّلَهَا ) مُشَدَّدَةَ الْفَاءِ بِمَعْنَى : وَكَفَّلَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا ، بِمَعْنَى : وَضَمَّهَا اللَّهُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ زَكَرِيَّا أَيْضًا ضَمَّهَا إِلَيْهِ بِإِيجَابِ اللَّهِ لَهُ ضَمَّهَا إِلَيْهِ بِالْقُرْعَةِ الَّتِي أَخْرَجَهَا اللَّهُ لَهُ ، وَالْآيَةُ الَّتِي أَظْهَرَهَا لِخُصُومِهِ فِيهَا ، فَجَعَلَهُ بِهَا أُولَى مِنْهُمْ ، إِذْ قَرَعَ فِيهَا مَنْ شَاحَّهُ فِيهَا . وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ زَكَرِيَّا وَخُصُومَهُ فِي مَرْيَمَ إِذَا تَنَازَعُوا فِيهَا أَيُّهُمْ تَكُونُ عِنْدَهُ ، تَسَاهَمُوا بِقِدَاحِهِمْ ، فَرَمَوْا بِهَا فِي نَهْرِ الْأُرْدُنِّ . فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : ارْتَزَّ قَدَحُ زَكَرِيَّا ، فَقَامَ وَلَمْ يَجْرِ بِهِ الْمَاءُ ، وَجَرَى بِقِدَاحِ الْآخَرِينَ الْمَاءُ .
فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِزَكَرِيَّا عَلَمًا أَنَّهُ أَحَقُّ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا بِهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ اصَّاعَدَ قَدْحُ زَكَرِيَّا فِي النَّهْرِ ، وَانْحَدَرَتْ قِدَاحُ الْآخَرِينَ مَعَ جَرْيَةِ الْمَاءِ وَذَهَبَتْ ، فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَمًا مِنَ اللَّهِ فِي أَنَّهُ أَوْلَى الْقَوْمِ بِهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَضَاءً مِنَ اللَّهِ بِهَا لِزَكَرِيَّا عَلَى خُصُومِهِ بِأَنَّهُ أَوْلَاهُمْ بِهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّمَا ضَمَّهَا زَكَرِيَّا إِلَى نَفْسِهِ بِضَمِّ اللَّهِ إِيَّاهَا إِلَيْهِ بِقَضَائِهِ لَهُ بِهَا عَلَى خُصُومِهِ عِنْدَ تَشَاحِّهِمْ فِيهَا ، وَاخْتِصَامِهِمْ فِي أَوْلَاهُمْ بِهَا .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; كَانَ بَيِّنًا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ مَا اخْتَرْنَا مِنْ تَشْدِيدِ كَفَّلَهَا . وَأَمَّا مَا اعْتَلَّ بِهِ الْقَارِئُونَ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ صِحَّةَ اخْتِيَارِهِمُ التَّخْفِيفَ فِي قَوْلِهِ : وَكَفَلَهَا فَحُجَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى ضَعْفِ احْتِيَالِ الْمُحْتَجِّ بِهَا . ذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ذُو عَقْلٍ مِنْ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : كَفَّلَ فُلَانٌ فُلَانًا فَكَفَلَهُ فُلَانٌ .
فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ : أَلْقَى الْقَوْمُ أَقْلَامَهُمْ : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، بِتَكْفِيلِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِقَضَائِهِ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهُمْ فِيهَا عِنْدَ إِلْقَائِهِمُ الْأَقْلَامَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ زَكَرِيَّا . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ بِالْمَدِّ .
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ بِالْقَصْرِ . وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، وَقِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بِإِحْدَاهُمَا خِلَافٌ لِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ . غَيْرَ أَنَّ الصَّوَابَ عِنْدَنَا - إِذَا مُدَّ زَكَرِيَّا أَنْ يُنْصَبَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَجَمِ لَا يُجْرَى ، وَلِأَنَّ قِرَاءَتَنَا فِي كَفَّلَهَا بِالتَّشْدِيدِ ، وَتَثْقِيلِ الْفَاءِ .
فَ زَكَرِيَّاءُ مَنْصُوبٌ بِالْفِعْلِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ . وَفِي زَكَرِيَّا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا ؛ لِخِلَافِهَا مَصَاحِفَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ زَكَرِيٌّ بِحَذْفِ الْمَدَّةِ وَ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ ، تُشَبِّهُهُ الْعَرَبُ بِالْمَنْسُوبِ مِنَ الْأَسْمَاءِ ، فَتُنَوِّنُهُ وَتُجْرِيهِ فِي أَنْوَاعِ الْإِعْرَابِ مَجَارِيَ يَاءِ النِّسْبَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَضَمَّهَا اللَّهُ إِلَى زَكَرِيَّا ، مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ : فَهُوَ لِضُلَّالِ الْهَوَامِ كَافِلٌ يُرَادُ بِهِ : لِمَا ضَلَّ مِنْ مُتَفَرِّقِ النَّعَمِ وَمُنْتَشِرِهِ ضَامٌّ إِلَى نَفْسِهِ وَجَامِعٌ .
وَقَدْ رُوِيَ : فَهُوَ لِضُلَّالِ الْهَوَافِي كَافِلُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لِمَا نَدَّ فَهَرَبَ مِنَ النَّعَمِ ضَامٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ : هَفَا الظَّلِيمُ إِذَا أَسْرَعَ الطَّيَرَانَ . يُقَالُ مِنْهُ لِلرَّجُلِ : مَا لَكَ تَكْفُلُ كُلَّ ضَالَّةٍ ؟ يَعْنِي بِهِ : تَضُمُّهَا إِلَيْكَ وَتَأْخُذُهَا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6902 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الطُّفَاوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ قَالَ : أَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فَجَرَتْ بِهَا الْجِرْيَةُ ، إِلَّا قَلَمُ زَكَرِيَّا اصَّاعَدَ ، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا . 6903 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا قَالَ : ضَمَّهَا إِلَيْهِ . قَالَ : أَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ - يَقُولُ : عِصِيَّهُمْ - قَالَ : فَأَلْقَوْهَا تِلْقَاءَ جِرْيَةِ الْمَاءِ ، فَاسْتَقْبَلَتْ عَصَا زَكَرِيَّا جِرْيَةَ الْمَاءِ ، فَقَرَعَهُمْ .
6904 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا فَانْطَلَقَتْ بِهَا أُمُّهَا فِي خِرَقِهَا - يَعْنِي أُمَّ مَرْيَمَ بِمَرْيَمَ - حِينَ وَلَدَتْهَا إِلَى الْمِحْرَابِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : انْطَلَقَتْ حِينَ بَلَغَتْ إِلَى الْمِحْرَابِ وَكَانَ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ التَّوْرَاةَ إِذَا جَاءُوا إِلَيْهِمْ بِإِنْسَانٍ يُجَرِّبُونَهُ ، اقْتَرَعُوا عَلَيْهِ أَيُّهُمْ يَأْخُذُهُ فَيُعَلِّمَهُ . وَكَانَ زَكَرِيَّا أَفْضَلَهُمْ يَوْمَئِذٍ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ ، وَكَانَتْ خَالَةُ مَرْيَمَ تَحْتَهُ . فَلَمَّا أَتَوْا بِهَا اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا ، وَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا : أَنَا أَحَقُّكُمْ بِهَا ، تَحْتِي أُخْتُهَا .
فَأَبَوْا ، فَخَرَجُوا إِلَى نَهْرِ الْأُرْدُنِّ ، فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا : أَيَهُمُّ يَقُومُ قَلَمُهُ فَيَكْفُلُهَا . فَجَرَتِ الْأَقْلَامُ ، وَقَامَ قَلَمُ زَكَرِيَّا عَلَى قُرْنَتِهِ كَأَنَّهُ فِي طِينٍ ، فَأَخَذَ الْجَارِيَةَ . وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا فَجَعَلَهَا زَكَرِيَّا مَعَهُ فِي بَيْتِهِ ، وَهُوَ الْمِحْرَابُ .
6908 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كَانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ سَيِّدِهِمْ وَإِمَامِهِمْ . قَالَ : فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا أَحْبَارُهُمْ ، فَاقْتَرَعُوا فِيهَا بِسِهَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا . قَالَ قَتَادَةُ : وَكَانَ زَكَرِيَّا زَوْجُ أُخْتِهَا ، فَكَفَلَهَا ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ وَحَضَنَهَا .
6909 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : ثُمَّ خَرَجَتْ بِهَا يَعْنِي : أُمَّ مَرْيَمَ بِمَرْيَمَ فِي خِرَقِهَا تَحْمِلُهَا إِلَى بَنِي الْكَاهِنِ بْنِ هَارُونَ ، أَخِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ . قَالَ : وَهُمْ يَوْمئِذٍ يَلُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي الْحَجَبَةُ مِنَ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَتْ لَهُمْ : دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةُ ، فَإِنِّي حَرَّرْتُهَا ، وَهِيَ ابْنَتِي ، وَلَا يَدْخُلُ الْكَنِيسَةَ حَائِضٌ ، وَأَنَا لَا أَرُدُّهَا إِلَى بَيْتِي . فَقَالُوا : هَذِهِ ابْنَةُ إِمَامِنَا - وَكَانَ عِمْرَانُ يَؤُمُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ - وَصَاحِبُ قُرْبَانِنَا .
فَقَالَ زَكَرِيَّا : ادْفَعُوهَا إِلَيَّ ، فَإِنَّ خَالَتَهَا عِنْدِي . قَالُوا : لَا تَطِيبُ أَنْفُسَنَا ، هِيَ ابْنَةُ إِمَامِنَا . فَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَعُوا ، فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ عَلَيْهَا - بِالْأَقْلَامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ - فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا ، فَكَفَلَهَا .
6913 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا قَالَ : جَعَلَهَا زَكَرِيَّا مَعَهُ فِي مِحْرَابِهِ . 6914 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَتَقَارَعَهَا الْقَوْمُ ، فَقَرَعَ زَكَرِيَّا ، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ زَكَرِيَّا بَعْدَ وِلَادَةِ حَنَّةَ ابْنَتَهَا مَرْيَمَ ، كَفَلَهَا بِغَيْرِ اقْتِرَاعٍ وَلَا اسْتِهَامٍ عَلَيْهَا ، وَلَا مُنَازَعَةِ أَحَدٍ إِيَّاهُ فِيهَا .
وَإِنَّمَا كَفَلَهَا ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا وَهِيَ طِفْلَةٌ ، وَعِنْدَ زَكَرِيَّا خَالَتُهَا أَلَاشِبَاعُ ابْنَةُ فَاقُوذَ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اسْمَ أُمِّ يَحْيَى خَالَةِ عِيسَى : إِشْبَعُ . 6915 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَأِيِّ : أَنَّ اسْمَ أُمِّ يَحْيَى أَشْبَعُ . فَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى ، فَكَانَتْ إِلَيْهِمْ وَمَعَهُمْ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ أَدْخَلُوهَا الْكَنِيسَةَ لِنَذْرِ أُمِّهَا الَّتِي نَذَرَتْ فِيهَا .
قَالُوا : وَالِاقْتِرَاعُ فِيهَا بِالْأَقْلَامِ ، إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ لِشِدَّةٍ أَصَابَتْهُمْ ، ضَعُفَ زَكَرِيَّا عَنْ حَمْلِ مَئُونَتِهَا ، فَتَدَافَعُوا حَمْلَ مَئُونَتِهَا ، لَا رَغْبَةً مِنْهُمْ ، وَلَا تَنَافُسًا عَلَيْهَا وَعَلَى احْتِمَالِ مَئُونَتِهَا . وَسَنَذْكُرُ قِصَّتَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، إِذَا بَلَغْنَا إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 6916 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَصِحُّ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ لَوْ صَحَّ التَّأْوِيلُ . غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ مُتَظَاهِرٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ : أَنَّ اسْتِهَامَ الْقَوْمِ فِيهَا كَانَ قَبْلَ كَفَالَةِ زَكَرِيَّا إِيَّاهَا ، وَأَنَّ زَكَرِيَّا إِنَّمَا كَفَلَهَا بِإِخْرَاجِ سَهْمِهِ مِنْهَا فَالِجًا عَلَى سِهَامِ خُصُومِهِ فِيهَا . فَلِذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ بِالتَّشْدِيدِ عِنْدَنَا أَوْلَى مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالتَّخْفِيفِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا الْمِحْرَابَ ، بَعْدَ إِدْخَالِهِ إِيَّاهَا الْمِحْرَابَ ، وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا مِنَ اللَّهِ لِغِذَائِهَا . فَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ زَكَرِيَّا عِنْدَهَا ، فَاكِهَةُ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةُ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6917 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ : وَجَدَ عِنْدَهَا عِنَبًا فِي مِكْتَلٍ فِي غَيْرِ حِينِهِ .
وَقَالُوا : لَوْ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مِنْ عِنْدِهِ ، لَمْ يَسْأَلْهَا عَنْهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ إِذَا دَخَلَ إِلَيْهَا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا مِنَ الرِّزْقِ فَضْلًا عَمَّا كَانَ يَأْتِيهَا بِهِ ، الَّذِي كَانَ يَمُونُهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6936 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : كَفَلَهَا بَعْدَ هَلَاكِ أُمِّهَا فَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ أَدْخَلُوهَا الْكَنِيسَةَ لِنَذْرِ أُمِّهَا الَّذِي نَذَرَتْ فِيهَا ، فَجَعَلَتْ تَنْبُتُ وَتَزِيدُ .
قَالَ : ثُمَّ أَصَابَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا ، حَتَّى ضَعُفَ زَكَرِيَّا عَنْ حَمْلِهَا ، فَخَرَجَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَتَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ ضَعُفْتُ عَنْ حَمْلِ ابْنَةَ عِمْرَانَ . فَقَالُوا : وَنَحْنُ لَقَدْ جَهِدْنَا وَأَصَابَنَا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَا أَصَابَكُمْ . فَتَدَافَعُوهَا بَيْنَهُمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَ لَهُمْ مِنْ حَمْلِهَا بُدًّا ، حَتَّى تَقَارَعَوْا بِالْأَقْلَامِ ، فَخَرَجَ السَّهْمُ بِحَمْلِهَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَجَّارٍ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ ، قَالَ : فَعَرَفَتْ مَرْيَمُ فِي وَجْهِهِ شِدَّةَ مُؤْنَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ تَقُولُ لَهُ : يَا جُرَيْجُ ، أَحْسِنْ بِاللَّهِ الظَّنَّ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُنَا .
فَجَعَلَ جُرَيْجٌ يُرْزَقُ بِمَكَانِهَا ، فَيَأْتِيهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ كَسْبِهِ بِمَا يُصْلِحُهَا ، فَإِذَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الْكَنِيسَةِ ، أَنْمَاهُ اللَّهُ وَكَثَّرَهُ ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا فَيَرَى عِنْدَهَا فَضْلًا مِنَ الرِّزْقِ ، وَلَيْسَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِيهَا بِهِ جُرَيْجٌ ، فَيَقُولُ : يَا مَرْيَمُ ، أَنَّى لَكِ هَذَا ؟ فَتَقُولُ : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا الْمِحْرَابُ فَهُوَ مُقَدَّمُ كُلِّ مَجْلِسٍ وَمُصَلًّى ، وَهُوَ سَيِّدُ الْمَجَالِسِ وَأَشْرَفُهَا وَأَكْرَمُهَا ، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الْمَسَاجِدِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ : كَدُمَى الْعَاجِ فِي الْمَحَارِيبِ أَوْ كَالْبَيْضِ فِي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ وَ الْمَحَارِيبُ جَمْعُ مِحْرَابٍ وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى مَحَارِبَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 37 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قَالَ زَكَرِيَّا : يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ؟ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ لَكِ هَذَا الَّذِي أَرَى عِنْدَكِ مِنَ الرِّزْقَ ؟ قَالَتْ مَرْيَمُ مُجِيبَةً لَهُ : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعْنِي : أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي رَزَقَهَا ذَلِكَ فَسَاقَهُ إِلَيْهَا وَأَعْطَاهَا .
وَإِنَّمَا كَانَ زَكَرِيَّا يَقُولُ ذَلِكَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا - يُغْلِقُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ ، وَيَخْرُجُ . ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ . فَكَانَ يَعْجَبُ مِمَّا يَرَى مِنْ ذَلِكَ ، وَيَقُولُ لَهَا تَعَجُّبًا مِمَّا يَرَى : أَنَّى لَكِ هَذَا ؟ فَتَقُولُ : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
لِأَنَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَا يَنْقُصُ سَوْقُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِ كَذَلِكَ خَزَائِنَهُ ، وَلَا يَزِيدُ إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهُ ، وَمُحَاسَبَتُهُ عَلَيْهِ فِي مُلْكِهِ ، وَفِيمَا لَدَيْهِ شَيْئًا ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَلَمُ مَا يَرْزُقُهُ ، وَإِنَّمَا يُحَاسِبُ مَنْ يُعْطِي مَا يُعْطِيهِ ، مَنْ يَخْشَى النُّقْصَانَ مِنْ مُلْكِهِ ، وَدُخُولَ النَّفَادِ عَلَيْهِ بِخُرُوجِ مَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ مَعْرُوفٍ ، وَمَنْ كَانَ جَاهِلًا بِمَا يُعْطَى عَلَى غَيْرِ حِسَابٍ .