حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ - خَبَرًا عَنْ قِيلِ مَلَائِكَتِهِ لِمَرْيَمَ : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ أَخْلِصِي الطَّاعَةَ لِرَبِّكِ وَحْدَهُ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْقُنُوتِ ، بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ هُنَالِكَ .

وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى اقْنُتِي أَطِيلِي الرُّكُودَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7038 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَالَ : أَطِيلِي الرُّكُودَ ، يَعْنِي الْقُنُوتَ .

7039
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَاشِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
7040
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِجُرَيْجٍ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَالَ قَالَ مُجَاهِدٌ : أَطِيلِي الرُّكُودَ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي الْقُنُوتَ .
7041
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ ،عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمَّا قِيلَ لَهَا : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَامَتْ حَتَّى وَرِمَ كَعْبَاهَا .
7042
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ ،عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمَّا قِيلَ لَهَا : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَامَتْ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهَا .
7043
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ : اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَالَ : أَطِيلِي الرُّكُودَ .
7044
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ،عَنِ الرَّبِيعِ : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَالَ : الْقُنُوتُ : الرُّكُودُ .

يَقُولُ : قُومِي لِرَبِّكِ فِي الصَّلَاةِ . يَقُولُ : ارْكُدِي لِرَبِّكِ : أَيِ انْتَصِبِي لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ . 7045 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَالَ : كَانَتْ تُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهَا .

7046 - حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَالَ : كَانَتْ تَقُومُ حَتَّى يَسِيلَ الْقَيْحُ مِنْ قَدَمَيْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَخْلِصِي لِرَبِّكِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7047 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَالَ : أَخْلِصِي لِرَبِّكِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَطِيعِي رَبَّكِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7048 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَالَ : أَطِيعِي رَبَّكِ . 7049 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : اقْنُتِي لِرَبِّكِ أَطِيعِي رَبَّكِ .

7050 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ حَرْفٍ يُذْكَرُ فِيهِ الْقُنُوتُ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَهُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ . 7051 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قَالَ يَقُولُ : اعْبُدِي رَبَّكِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ بَيَّنَّا أَيْضًا مَعْنَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْخُشُوعِ لِلَّهِ ، وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعُبُودَةِ .

فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ ، إذًا : يَا مَرْيَمُ أَخْلَصِي عِبَادَةَ رَبِّكِ لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَاخْشَعِي لِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ مَعَ مَنْ خَشَعَ لَهُ مَنْ خَلْقِهِ ، شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَكْرَمَكِ بِهِ مِنْ الِاصْطِفَاءِ وَالتَّطْهِيرِ مِنَ الْأَدْنَاسِ ، وَالتَّفْضِيلِ عَلَى نِسَاءِ عَالَمِ دَهْرِكِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ ذَلِكَ : الْأَخْبَارَ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عِبَادَهُ عَنِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ وَابْنَتِهَا مَرْيَمَ ، وَزَكَرِيَّا وَابْنِهِ يَحْيَى ، وَسَائِرِ مَا قَصَّ فِي الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا ثُمَّ جَمَعَ جَمِيعَ ذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : ذَلِكَ فَقَالَ : هَذِهِ الْأَنْبَاءُ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ أَيْ : مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ . وَيَعْنِي بِ الْغَيْبِ أَنَّهَا مِنْ خَفِيِّ أَخْبَارِ الْقَوْمِ الَّتِي لَمْ تَطَّلِعْ أَنْتَ ، يَا مُحَمَّدُ ، عَلَيْهَا وَلَا قَوْمُكَ ، وَلَمْ يَعْلَمْهَا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَرُهْبَانِهِمْ .

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَوْحَى ذَلِكَ إِلَيْهِ ، حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ ، وَتَحْقِيقًا لِصِدْقِهِ ، وَقَطْعًا مِنْهُ بِهِ عُذْرَ مُنْكِرِي رِسَالَتِهِ مِنْ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ، الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِ هَذِهِ الْأَنْبَاءِ مَعَ خَفَائِهَا ، وَلَمْ يُدْرِكْ مَعْرِفَتَهَا مَعَ خُمُولِهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ ذَلِكَ إِيَّاهُ . إِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِّيٌّ لَا يَكْتُبُ فَيَقْرَأُ الْكُتُبَ ، فَيَصِلُ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْكُتُبِ ، وَلَا صَاحَبَ أَهْلَ الْكُتُبِ فَيَأْخُذُ عِلْمَهُ مِنْ قِبَلِهِمْ . وَأَمَّا الْغَيْبُ فَمَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : غَابَ فُلَانٌ عَنْ كَذَا فَهُوَ يَغِيبُ عَنْهُ غَيْبًا وَغَيْبَةً .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : نُوحِيهِ إِلَيْكَ فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ : نُنَزِّلُهُ إِلَيْكَ . وَأَصْلُ الْإِيحَاءِ إِلْقَاءُ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ . وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِكِتَابٍ وَإِشَارَةٍ وَإِيمَاءٍ ، وَبِإِلْهَامٍ ، وَبِرِسَالَةٍ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ سُورَةُ النَّحْلِ : 68 ] ، بِمَعْنَى : أَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهَا فَأَلْهَمَهَا ، وَكَمَا قَالَ : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 111 ] ، بِمَعْنَى : أَلْقَيْتُ إِلَيْهِمْ عِلْمَ ذَلِكَ إِلْهَامًا ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : أَوْحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ بِمَعْنَى أَلْقَى إِلَيْهَا ذَلِكَ أَمْرًا ، وَكَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 11 ] ، بِمَعْنَى : فَأَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِيمَاءً .

وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا وَصَفْتُ ، مِنْ إِلْقَاءِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ . وَقَدْ يَكُونُ إِلْقَاؤُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِيمَاءً ، وَيَكُونُ بِكِتَابٍ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 121 ] ، يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ وَسْوَسَةً ، وَقَوْلُهُ : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 19 ] ، أَلْقَى إِلَيَّ بِمَجِيءِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ إِلَيَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .

وَأَمَّا الْوَحْيُ فَهُوَ الْوَاقِعُ مِنَ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ سَمَّتِ الْعَرَبُ الْخَطَّ وَالْكِتَابَ وَحْيًا لِأَنَّهُ وَاقِعٌ فِيمَا كُتِبَ ثَابِتٌ فِيهِ ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ : أَتَى الْعَجَمَ وَالْآفَاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ بَقَيْنَ بَقَاءَ الْوَحْيِ فِي الْحَجَرِ الْأَصَمِّ يَعْنِي بِهِ : الْكِتَابَ الثَّابِتَ فِي الْحَجَرِ . وَقَدْ يُقَالُ فِي الْكِتَابِ خَاصَّةً ، إِذَا كَتَبَهُ الْكَاتِبُ : وَحَى بِغَيْرِ أَلْفٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ : كَأَنَّهُ بَعْدَ رِيَاحٍ تَدْهَمُهْ وَمُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ تَثِمُهْ إِنْجِيلُ أَحْبَارٍ وَحَى مُنَمْنِمُهْ

موقع حَـدِيث