الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - وَهُمُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - أَهْلُ أَمَانَةٍ يُؤَدُّونَهَا وَلَا يَخُونُونَهَا ، وَمِنْهُمُ الْخَائِنُ أَمَانَتَهُ ، الْفَاجِرُ فِي يَمِينِهِ الْمُسْتَحِلُّ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ إِخْبَارِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِذَلِكَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ : مِنْهُمُ الْمُؤَدِّي أَمَانَتَهُ وَالْخَائِنُهَا ؟ قِيلَ : إِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ وَعَزَّ بِإِخْبَارِهِ الْمُؤْمِنِينَ خَبَرَهُمْ - عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ - تَحْذِيرَهُمْ أَنْ يَأْتَمِنُوهُمْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ، وَتَخْوِيفَهُمُ الِاغْتِرَارَ بِهِمْ ، لِاسْتِحْلَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَمْوَالَ الْمُؤْمِنِينَ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي إِنْ تَأْمَنْهُ ، يَا مُحَمَّدُ ، عَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ كَثِيرٍ ، يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَلَا يَخُنْكَ فِيهِ ، وَمِنْهُمُ الَّذِي إِنْ تَأْمَنْهُ عَلَى دِينَارٍ يَخُنْكَ فِيهِ فَلَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ، إِلَّا أَنْ تُلِحَّ عَلَيْهِ بِالتَّقَاضِي وَالْمُطَالَبَةِ .
وَ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : بِدِينَارٍ وَ عَلَى يَتَعَاقَبَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، كَمَا يُقَالُ : مَرَرْتُ بِهِ ، وَمَرَرْتُ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِلَّا مَا دُمْتَ لَهُ مُتَقَاضِيًا .
7264 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا مَا دُمْتَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7265 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا يَقُولُ : يَعْتَرِفُ بِأَمَانَتِهِ مَا دُمْتَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ ، فَإِذَا قُمْتَ ثُمَّ جِئْتَ تَطْلُبُهُ كَافَرَكَ الَّذِي يُؤَدِّي ، وَالَّذِي يَجْحَدُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا بِالْمُطَالَبَةِ وَالِاقْتِضَاءِ . مِنْ قَوْلِهِمْ : قَامَ فُلَانٌ بِحَقِّي عَلَى فُلَانٍ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ لِي أَيْ عَمِلَ فِي تَخْلِيصِهِ ، وَسَعَى فِي اسْتِخْرَاجِهِ مِنْهُ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ . لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِاسْتِحْلَالِهِمْ أَمْوَالَ الْأُمِّيِّينَ ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْضِي مَا عَلَيْهِ إِلَّا بِالِاقْتِضَاءِ الشَّدِيدِ وَالْمُطَالِبَةِ .
وَلَيْسَ الْقِيَامُ عَلَى رَأْسِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، بِمُوجِبٍ لَهُ النَّقْلَةَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِحْلَالِ مَا هُوَ لَهُ مُسْتَحِلٌّ ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ - مَعَ اسْتِحْلَالِهِ الذَّهَابَ بِمَا عَلَيْهِ لِرَبِّ الْحَقِّ - إِلَى اسْتِخْرَاجِهِ السَّبِيلَ بِالِاقْتِضَاءِ وَالْمُحَاكَمَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ . فَذَلِكَ الِاقْتِضَاءُ ، هُوَ قِيَامُ رَبِّ الْمَالِ بِاسْتِخْرَاجِ حَقِّهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ الْخِيَانَةَ مِنَ الْيَهُودِ ، وَجُحُودَ حُقُوقِ الْعَرَبِيِّ الَّتِي هِيَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُؤَدِّ مَا ائْتَمَنَهُ الْعَرَبِيُّ عَلَيْهِ إِلَّا مَا دَامَ لَهُ مُتَقَاضِيًا مُطَالَبًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَقُولُ : لَا حَرَجَ عَلَيْنَا فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَالِ الْعَرَبِ وَلَا إِثْمَ ، لِأَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ ، وَأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ قَوْلِنَا فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7266 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ الْآيَةَ ، قَالَتِ الْيَهُودُ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَالِ الْعَرَبِ سَبِيلٌ . 7267 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ قَالَ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْمُشْرِكِينَ سَبِيلٌ يَعْنُونَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ الْقَائِلِينَ مِنْهُمْ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي أَمْوَالِ الْأُمِّيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ حَرَجٌ أَنْ نَخْتَانَهُمْ إِيَّاهُ يَقُولُونَ بِقِيلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لَنَا ذَلِكَ ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْنَا فِي خِيَانَتِهِمْ إِيَّاهُ ، وَتَرْكِ قَضَائِهِمُ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ عَامِدِينَ الْإِثْمَ بِقِيلِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ، إِنَّهُ أَحَلَّ ذَلِكَ لَهُمْ . وَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَمَا : - 7275 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَيَقُولُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يَعْلَمُ يَعْنِي الَّذِي يَقُولُ مِنْهُمْ - إِذَا قِيلَ لَهُ : مَا لَكَ لَا تُؤَدِّي أَمَانَتَكَ ؟ - : لَيْسَ عَلَيْنَا حَرَجٌ فِي أَمْوَالِ الْعَرَبِ ، قَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ لَنَا ! 7276 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يَعْنِي : ادِّعَاءَهُمْ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي كِتَابِهِمْ قَوْلَهُمْ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ .