الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَهْدِهِ ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَ الْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ : مِنْهُمْ عَائِدَةٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ . وَقَوْلُهُ لَفَرِيقًا يَعْنِي : جَمَاعَةً يَلْوُونَ يَعْنِي : يُحَرِّفُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ يَعْنِي : لِتَظُنُّوا أَنَّ الَّذِي يُحَرِّفُونَهُ بِكَلَامِهِمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ .
يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَا ذَلِكَ الَّذِي لَوَوْا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ فَحَرَّفُوهُ وَأَحْدَثُوهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَا لَوَوْا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ فَأَلْحَقُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ : مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ : وَمَا ذَلِكَ الَّذِي لَوَوْا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ فَأَحْدَثُوهُ ، مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ . يَقُولُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ قِيلَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ، وَالشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالْبَاطِلِ ، وَالْإِلْحَاقَ بِكِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، طَلَبًا لِلرِّيَاسَةِ وَالْخَسِيسِ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ اللَّيِّ الْفَتْلُ وَالْقَلْبُ . مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : لَوَى فُلَانٌ يَدَ فُلَانٍ إِذَا فَتَلَهَا وَقَلَبَهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : لَوَى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هُوَ غَالِبُهْ يُقَالُ مِنْهُ : لَوَى يَدَهُ وَلِسَانَهُ يَلْوِي لَيًّا وَمَا لَوَى ظَهْرَ فُلَانٍ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَصْرَعْهُ أَحَدٌ ، وَلَمْ يَفْتِلْ ظَهْرَهُ إِنْسَانٌ وَإِنَّهُ لَأَلْوَى بَعِيدُ الْمُسْتَمِرِّ إِذَا كَانَ شَدِيدَ الْخُصُومَةِ ، صَابِرًا عَلَيْهَا ، لَا يُغْلَبُ فِيهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَوْ كَانَ فِي لَيْلَى شَدًا مِنْ خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أَعْنَاقَ الْخُصُومِ الْمَلَاوِيَا