الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَلَا يَأْمُرَكُمْ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ : وَلا يَأْمُرَكُمْ ، عَلَى وَجْهِ الِابْتِدَاءِ مِنَ اللَّهِ بِالْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَا يَأْمُرَكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا . وَاسْتَشْهَدَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ بِقِرَاءَةٍ ذَكَرُوهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا ، وَهِيَ : ( وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ ) ، فَاسْتَدَلُّوا بِدُخُولِ لَنْ عَلَى انْقِطَاعِ الْكَلَامِ عَمَّا قَبْلَهُ ، وَابْتِدَاءِ خَبَرٍ مُسْتَأْنَفٍ .
قَالُوا : فَلَمَّا صَيَّرَ مَكَانَ لَنْ فِي قِرَاءَتِنَا لَا وَجَبَتْ قِرَاءَتُهُ بِالرَّفْعِ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : وَلا يَأْمُرَكُمْ ، بِنَصْب الرَّاءِ ، عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ . وَكَانَ تَأْوِيلُهُ عِنْدَهُمْ : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ، وَلَا أَنْ يَأْمُرَكُمْ بِمَعْنَى : وَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ : وَلَا يَأْمُرَكُمْ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاتِّصَالِ بِالَّذِي قَبْلَهُ ، بِتَأْوِيلِ : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا أَنْ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا . لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ ؟ فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ ، وَلَا إِلَى اتِّخَاذِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا . وَلَكِنَّ الَّذِي لَهُ : أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى أَنْ يَكُونُوا رَبَّانِيِّينَ .
فَأَمَّا الَّذِي ادَّعَى مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا ، أَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ اسْتِشْهَادًا لِصِحَّةِ قِرَاءَتِهِ بِالرَّفْعِ ، فَذَلِكَ خَبَرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ سَنَدُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ رَوَاهُ حَجَّاجٌ ، عَنْ هَارُونَ الْأَعْوَرِ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا صَحِيحًا سَنَدُهُ ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِمُحْتَجٍّ حُجَّةٌ . لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى صِحَّتِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وِرَاثَةً عَنْ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِتَأْوِيلٍ عَلَى قِرَاءَةٍ أُضِيفَتْ إِلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، بِنَقْلِ مَنْ يَجُوزُ فِي نَقْلِهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إذًا : وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَأْمُرَكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، أَنْ يَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا يَعْنِي بِذَلِكَ آلِهَةً يُعْبَدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ : كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - نَافِيًا عَنْ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِذَلِكَ : أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ أَيُّهَا النَّاسُ ، نَبِيُّكُمْ ، بِجُحُودِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يَعْنِي : بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ لَهُ مُنْقَادُونَ بِالطَّاعَةِ ، مُتَذَلِّلُونَ لَهُ بِالْعُبُودَةِ أَيْ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ كَائِنٍ مِنْهُ أَبَدًا . وَقَدْ : - 7322 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : وَلَا يَأْمُرَكُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا .