حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ . . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِبَعْضِ أَنْبِيَائِهِ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ وَحَشْرَجَتِهِ بِنَفَسِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7372 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ قَالَ : الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ .

7373 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ كَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ وَبِعِيسَى ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْفُرْقَانِ . 7374 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا قَالَ : ازْدَادُوا كُفْرًا حَتَّى حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ ، فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ حِينَ حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ . قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ .

7375 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ وَقَالَ : هُمُ الْيَهُودُ كَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا حِينَ بَعْثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَنْكَرُوهُ وَكَذَّبُوا بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا يَعْنِي : ذُنُوبًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ مُقِيمُونَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7376 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ رُفَيْعٍ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا ازْدَادُوا ذُنُوبًا وَهُمْ كُفَّارٌ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنْ تِلْكَ الذُّنُوبِ مَا كَانُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ .

7377
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ قَالَ : قُلْتُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ؟ قَالَ : إِنَّمَا هُمْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا ، فَهُمْ يَتُوبُونَ مِنْهَا فِي كُفْرِهِمْ .
7378
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ السُّكَّرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَقَالَ : سَأَلَتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنِ : الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْهُ .
7379
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ قَالَ : سَأَلَتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَهُمُ الضَّالُّونَ قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ ، أَصَابُوا ذُنُوبًا فِي كُفْرِهِمْ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتُوبُوا مِنْهَا ، وَلَنْ يَتُوبُوا مِنَ الْكُفْرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ؟
7380
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْأَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ قَالَ : تَابُوا مِنْ بَعْضٍ ، وَلَمْ يَتُوبُوا مِنَ الْأَصْلِ .

7381 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَوْلَهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يُصِيبُونَ الذُّنُوبَ فَيَقُولُونَ : نَتُوبُ وَهُمْ مُشْرِكُونَ . قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَنْ تُقْبَلَ التَّوْبَةُ فِي الضَّلَالَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا يَعْنِي : بِزِيَادَتِهِمُ الْكُفْرَ تَمَامُهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَهُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ لَنْ تَنْفَعَهُمْ تَوْبَتُهُمُ الْأُولَى وَإِيمَانُهُمْ ، لِكُفْرِهِمُ الْآخِرِ وَمَوْتِهِمْ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7382 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا قَالَ : تَمُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ يَقُولُ : إِيمَانُهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَنْ يَنْفَعَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا مَاتُوا كُفَّارًا ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ زِيَادَتُهُمْ مِنْ كُفْرِهِمْ . وَقَالُوا : مَعْنَى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7383 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ أَمَّا ازْدَادُوا كُفْرًا فَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ . وَأَمَّا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ فَعِنْدَ مَوْتِهِ إِذَا تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَا الْيَهُودَ وَأَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْيَهُودِ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ مَبْعَثِهِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمَا أَصَابُوا مِنَ الذُّنُوبِ فِي كُفْرِهِمْ وَمُقَامِهِمْ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَصَابُوهَا فِي كُفْرِهِمْ ، حَتَّى يَتُوبُوا مِنْ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُرَاجِعُوا التَّوْبَةَ مِنْهُ بِتَصْدِيقِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .

وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِيهِمْ نَزَلَتْ ، فَأَوْلَى أَنْ تَكُونَ هِيَ فِي مَعْنَى مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إِذْ كَانَتْ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : مَعْنَى ازْدِيَادِهِمُ الْكُفْرَ : مَا أَصَابُوا فِي كُفْرِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي ؛ لِأَنَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَالَ : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إِنَّمَا هُوَ مَعْنِيٌّ بِهِ : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِمَّا ازْدَادُوا مِنَ الْكُفْرِ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ، لَا مِنْ كُفْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَعَدَ أَنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ فَقَالَ : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [ سُورَةُ الشُّورَى : 25 ] فَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ - عَزَّ وَجَلَّ - : أَقْبَلُ وَ لَا أَقْبَلُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنَّهُ قَابِلٌ تَوْبَةَ كُلِّ تَائِبٍ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، وَكَانَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ أَحَدَ تِلْكَ الذُّنُوبِ الَّتِي وَعَدَ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ عُلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهُ غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهُ .

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْبَةَ هُوَ الِازْدِيَادُ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْكُفْرِ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَةَ صَاحِبِهِ مَا أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا مَا أَقَامَ عَلَى شِرْكِهِ وَضَلَالِهِ . فَأَمَّا إِنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ وَكُفْرِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ - كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ - غَفُورٌ رَحِيمٌ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ : فَلَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ مِنْ كُفْرِهِ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ وَتَوْبَتِهِ الْأُولَى ؟ قِيلَ : أَنْكَرْنَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرُ كَائِنَةٍ إِلَّا فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، فَأَمَّا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَلَا تَوْبَةَ ، وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْهُمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ .

وَلَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ الْحُجَّةِ فِي أَنَّ كَافِرًا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ خُرُوجِ نَفْسِهِ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَالْمُوَارَثَةِ ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ غَيْرِهِمَا . فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ تَوْبَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ لَمْ يَنْتَقِلْ حُكْمُهُ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ إِلَى حُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا مَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ فِيهَا تَوْبَةَ الْكَافِرِ . فَإِذَا صَحَّ أَنَّهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ مَقْبُولَةٌ ، وَلَا سَبِيلَ بَعْدَ الْمَمَاتِ إِلَيْهَا بَطَلَ قَوْلُ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ حُضُورِ الْأَجَلِ .

وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : التَّوْبَةُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْكُفْرِ فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يَصِفِ الْقَوْمَ بِإِيمَانٍ كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَ كُفْرٍ ، ثُمَّ كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ بَلْ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِكُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ . فَلَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ الْإِيمَانَ كُفْرٌ كَانَ لِلْإِيمَانِ لَهُمْ تَوْبَةٌ مِنْهُ ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُ ذَلِكَ . وَتَأْوِيلُ الْقُرْآنِ عَلَى مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ - إِذَا لَمْ تَكُنْ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى بَاطِنٍ خَاصٍّ - أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ إِلَى غَيْرِهِ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا سَبِيلَ الْحَقِّ فَأَخْطَأُوا مَنْهَجَهُ ، وَتَرَكُوا نِصْفَ السَّبِيلِ وَهُدَى الدِّينِ ، حَيْرَةً مِنْهُمْ ، وَعَمًى عَنْهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الضَّلَالِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ .

موقع حَـدِيث