الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَفَرْضٌ وَاجِبٌ لِلَّهِ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ السَّبِيلَ إِلَى حَجِّ بَيْتِهِ الْحَرَامَ الْحَجَّ إِلَيْهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْحَجِّ ، وَدَلَّلَنَا عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَاهُ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، وَمَا السَّبِيلُ الَّتِي يَجِبُ مَعَ اسْتِطَاعَتِهَا فَرْضُ الْحَجِّ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ .
7483 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . وَاعْتَلَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَخْبَارٍ رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ . ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 7484 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ .
7485 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخُوزِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، قَالَ : السَّبِيلُ إِلَى الْحَجِّ ، الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . 7486 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ . الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا الْآيَةَ . 7490 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ وَحُمَيْدٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السَّبِيلُ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . 7491 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : السَّبِيلُ الَّتِي إِذَا اسْتَطَاعَهَا الْمَرْءُ كَانَ عَلَيْهِ الْحَجُّ : الطَّاقَةُ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ . قَالُوا : وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالْمَشْي وَبِالرُّكُوبِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ وُجُودِهِمَا الْعَجْزُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ : بِامْتِنَاعِ الطَّرِيقِ مِنَ الْعَدُوِّ الْحَائِلِ ، وَبِقِلَّةِ الْمَاءِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . قَالُوا : فَلَا بَيَانَ فِي ذَلِكَ أَبْيَنُ مِمَّا بَيَّنَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا إِلَيْهِ السَّبِيلُ ، وَذَلِكَ : الْوُصُولُ إِلَيْهِ بِغَيْرٍ مَانِعٍ وَلَا حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالْمَشْيِ وَحْدَهُ وَإِنْ أَعْوَزَهُ الْمَرْكَبُ ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْمَرْكَبِ وَغَيْرُ ذَلِكَ .
مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا . 7495 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَانِئٍ قَالَ : سُئِلَ عَامِرٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ؟ قَالَ : السَّبِيلُ ، مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ . 7496 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عبَّادُ ، عَنِ الْحَسَنِ : مَنْ وَجَدَ شَيْئًا يُبْلِغُهُ فَقَدِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ : الصِّحَّةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7497 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالُوا ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا أَخْبَرَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ الْمَعَافِرَيُّ : أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، قَالَ : السَّبِيلُ الصِّحَّةُ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 7498 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، قَالَ : مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فِي النَّفَقَةِ وَالْجَسَدِ وَالْحُمْلَانِ .
قَالَ : وَإِنْ كَانَ فِي جَسَدِهِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قُوَّةً فِي مَالٍ ، كَمَا إِذَا كَانَ صَحِيحَ الْجَسَدِ وَلَا يَجِدُ مَالًا وَلَا قُوَّةً ، يَقُولُونَ : لَا يُكَلَّفُ أَنْ يَمْشِيَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءٍ : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ . لِأَنَّ السَّبِيلَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الطَّرِيقُ ، فَمَنْ كَانَ وَاجِدًا طَرِيقًا إِلَى الْحَجِّ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْهُ مِنْ زَمَانَةٍ ، أَوْ عَجْزٍ ، أَوْ عَدُوٍّ ، أَوْ قِلَّةِ مَاءٍ فِي طَرِيقِهِ ، أَوْ زَادٍ ، أَوْ ضَعْفٍ عَنِ الْمَشْيِ ، فَعَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ ، لَا يَجْزِيهِ إِلَّا أَدَاؤُهُ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِدًا سَبِيلًا أَعْنِي بِذَلِكَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطِيقًا الْحَجَّ ، بِتَعَذُّرِ بَعْضِ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي وَصَفْنَاهَا عَلَيْهِ فَهُوَ مِمَّنْ لَا يَجِدُ إِلَيْهِ طَرِيقًا وَلَا يَسْتَطِيعُهُ . لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إِلَى ذَلِكَ ، هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ . وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَهُوَ غَيْرُ مُطِيقٍ وَلَا مُسْتَطِيعٍ إِلَيْهِ السَّبِيلَ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : هَذِهِ الْمَقَالَةُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِمَّا خَالَفَهَا ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخَصِّصْ ، إِذْ أَلْزَمَ النَّاسَ فَرْضَ الْحَجِّ ، بَعْضُ مُسْتَطِيعِي السَّبِيلِ إِلَيْهِ بِسُقُوطِ فَرْضٍ ذَلِكَ عَنْهُ . فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ مُسْتَطِيعٍ إِلَيْهِ سَبِيلًا بِعُمُومِ الْآيَةِ . فَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، فَإِنَّهَا أَخْبَارٌ فِي أَسَانِيدِهَا نَظَرٌ ، لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِهَا فِي الدِّينِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ الْحَجِّ . فَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ بِالْكَسْرِ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ أُخَرُ مِنْهُمْ بِالْفَتْحِ : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ ) .
وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ لِلْعَرَبِ ، فَالْكَسْرُ لُغَةُ أَهْلِ نَجْدٍ ، وَالْفَتْحُ لُغَةُ أَهْلِ الْعَالِيَةِ . وَلَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ادَّعَى فَرْقًا بَيْنَهُمَا فِي مَعْنًى وَلَا غَيْرَهُ ، غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا مِنِ اخْتِلَافِ اللُّغَتَيْنِ; إِلَّا مَا : - 7499 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيِّ قَالَ : قَالَ حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ الْحَجُّ . مَفْتُوحٌ ، اسْمٌ ، وَالْحِجُّ مَكْسُورٌ ، عَمَلٌ .
وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ أَرَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ وَمَعَانِي كَلَامِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ، بَلْ رَأَيْتُهُمْ مُجْمِعِينَ عَلَى مَا وَصَفْتُ ، مِنْ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ : أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِذْ كَانَتَا مُسْتَفِيضَتَيْنِ فِي قِرَاءَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنِهِمَا فِي مَعْنًى وَلَا غَيْرِهِ فَهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ جَاءَتَا مَجِيءَ الْحُجَّةِ ، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ - أَعْنِي : بِكَسْرِ الْحَاءِ مِنَ الْحَجِّ أَوْ فَتْحِهَا - قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي قِرَاءَتِهِ . وَأَمَّا مَنِ الَّتِي مَعَ قَوْلِهِ : مَنِ اسْتَطَاعَ ، فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى الْإِبْدَالِ مِنَ النَّاسِ .
لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَلِلَّهِ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ مِنَ النَّاسِ سَبِيلًا إِلَى حَجِّ الْبَيْتِ ، حَجُّهُ . فَلَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ النَّاسِ قَبْلَ مَنْ ، بَيَّنَ بِقَوْلِهِ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، الَّذِي عَلَيْهِ فُرِضَ ذَلِكَ مِنْهُمْ . لِأَنَّ فَرْضَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ جَمِيعِهِمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنْ لَا يَكُونُ مُعْتَقِدًا فِي حَجِّهِ أَنَّ لَهُ الْأَجْرَ عَلَيْهِ ، وَلَا أَنَّ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ إِثْمًا وَلَا عُقُوبَةً . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7509 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، قَالَ : هُوَ مَا إِنْ حَجَّ لَمْ يَرَهُ بِرًّا ، وَإِنْ قَعَدَ لَمْ يَرَهُ مَأْثَمًا . 7510 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : هُوَ مَا إِنْ حَجَّ لَمْ يَرَهُ بِرًّا ، وَإِنْ قَعَدَ لَمْ يَرَهُ مَأْثَمًا .
7511 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فِطْرٌ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ نُفَيْعٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ تَرَكَهُ كَفَرَ ؟ قَالَ : مَنْ تَرَكَهُ وَلَا يَخَافُ عُقُوبَتَهُ ، وَمَنْ حَجَّ وَلَا يَرْجُو ثَوَابَهُ ، فَهُوَ ذَاكَ . 7512 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، يَقُولُ : مَنْ كَفَرَ بِالْحَجِّ ، فَلَمْ يَرَ حَجَّهُ بِرًّا ، وَلَا تَرْكَهُ مَأْثَمًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ . 7516 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَانِئٍ قَالَ : سُئِلَ عَامِرٌ عَنْ قَوْلِهِ : وَمَنْ كَفَرَ ، قَالَ : مَنْ كَفَرَ مِنَ الْخَلْقِ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ . 7517 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَمَنْ كَفَرَ ، قَالَ : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .
7518 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 85 ] ، فَقَالَتِ الْمَلَلُ : نَحْنُ مُسْلِمُونَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، فَحَجَّ الْمُؤْمِنُونَ ، وَقَعَدَ الْكُفَّارُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7519 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، فَقَرَأَ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ ، قَالَ : مَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ : إِذَا لَمْ يَحُجَّ وَكَانَ غَنِيًّا وَكَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ ، فَقَدْ كَفَرَ بِهَا .
وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : فَإِنَّا نَكْفُرُ بِهَا وَلَا نَفْعَلُ! فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 7520 - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي بَقِيَّةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، قَالَ : مَنْ كَفَرَ بِالْبَيْتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : كُفْرُهُ بِهِ : تَرْكُهُ إِيَّاهُ حَتَّى يَمُوتَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7521 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا مَنْ كَفَرَ ، فَمَنْ وَجَدَ مَا يَحُجُّ بِهِ ثُمَّ لَا يَحُجُّ ، فَهُوَ كَافِرٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى وَمَنْ كَفَرَ ، وَمَنْ جَحَدَ فَرْضَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ وُجُوبَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ وَعَنْ حَجِّهِ وَعَنِ الْعَالَمِينَ جَمِيعًا . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَمَنْ كَفَرَ بِعَقِبِ قَوْلِهِ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْكَافِرِ بِالْحَجِّ ، أَحَقُّ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ غَيْرِهِ ، مَعَ أَنَّ الْكَافِرَ بِفَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، بِاللَّهِ كَافِرٌ وَأَنَّ الْكُفْرَ أَصْلُهُ الْجُحُودُ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ جَاحِدًا وَلِفَرْضِهِ مُنْكِرًا ، فَلَا شَكَّ إِنْ حَجَّ لَمْ يَرْجُ بِحَجِّهِ بِرًّا ، وَإِنْ تَرَكَهُ فَلَمْ يَحُجَّ لَمْ يَرَهُ مَأْثَمًا .
فَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ بِهَا ، فَمُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي .