الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ . . . . "
) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾( 107 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي يَوْمِ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ؟ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . وَلَا بُدَّ لِ أَمَّا مِنْ جَوَابٍ بِالْفَاءِ ، فَلَمَّا أُسْقِطَ الْجَوَابُ سَقَطَتِ الْفَاءُ مَعَهُ .
وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُ ذِكْرِ فَيُقَالُ لِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ عُنِيَ بِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهِ أَهْلُ قِبْلَتِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ : كُلُّ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ الَّذِي آمَنَ ، حِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7604 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فِي قَوْلِهِ : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، قَالَ : صَارُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرِيقَيْنِ ، فَقَالَ لِمَنِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ ، وَعَيَّرَهُمْ : أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ، قَالَ : هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الِاخْتِلَافِ فِي زَمَانِ آدَمَ ، حِينَ أَخَذَ مِنْهُمْ عَهْدَهُمْ وَمِيثَاقَهُمْ ، وَأَقَرُّوا كُلُّهُمْ بِالْعُبُودِيَّةِ ، وَفَطَرَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَكَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً مُسْلِمِينَ ، يَقُولُ : أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ، يَقُولُ : بَعْدَ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِ آدَمَ . وَقَالَ فِي الْآخَرِينَ : الَّذِينَ اسْتَقَامُوا عَلَى إِيمَانِهِمْ ذَلِكَ ، فَأَخْلَصُوا لَهُ الدِّينَ وَالْعَمَلَ ، فَبَيَّضَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ ، وَأَدْخَلَهُمْ فِي رِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ : أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ، الْمُنَافِقُونَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7605 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ الْآيَةَ ، قَالَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ ، كَانُوا أَعْطَوْا كَلِمَةَ الْإِيمَانِ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَأَنْكَرُوهَا بِقُلُوبِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ جَمِيعَ الْكُفَّارِ ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يُوَبَّخُونَ عَلَى ارْتِدَادِهِمْ عَنْهُ ، هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 172 ] .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ جَمِيعَ أَهْلِ الْآخِرَةِ فَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا سُودًا وُجُوهُهُ ، وَالْآخِرُ بَيْضًا وُجُوهُهُ . فَمَعْلُومٌ - إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إِلَّا هَذَانَ الْفَرِيقَانِ - أَنَّ جَمِيعَ الْكُفَّارِ دَاخِلُونَ فِي فَرِيقِ مِنْ سُوِّدَ وَجْهُهُ ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ دَاخِلُونَ فِي فَرِيقِ مَنْ بُيِّضَ وَجْهُهُ . فَلَا وَجْهَ إِذًا لِقَوْلِ قَائِلٍ : عَنَى بِقَوْلِهِ : أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ، بَعْضَ الْكُفَّارِ دُونَ بَعْضٍ ، وَقَدْ عَمَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْهُمْ جَمِيعِهِمْ ، وَإِذَا دَخَلَ جَمِيعُهُمْ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِجَمِيعِهِمْ حَالَةً آمَنُوا فِيهَا ثُمَّ ارْتَدُّوا كَافِرِينَ بَعْدُ إِلَّا حَالَةً وَاحِدَةً ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا الْمُرَادَّةُ بِذَلِكَ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي يَوْمِ تَبْيَضُّ وُجُوهُ قَوْمٍ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ آخَرِينَ . فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ، فَيُقَالُ : أَجَحَدْتُمْ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَعَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ ، بِأَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ - بَعْدَ إِيمَانِكُمْ يَعْنِي : بَعْدَ تَصْدِيقِكُمْ بِهِ ؟ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ، يَقُولُ : بِمَا كُنْتُمْ تَجْحَدُونَ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ بِالْإِقْرَارِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ . مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَى عَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ ، فَلَمْ يُبَدِّلْ دِينَهُ ، وَلَمْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ ، وَالشَّهَادَةِ لِرَبِّهِ بِالْأُلُوهَةِ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرَهُ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ ، يَقُولُ : فَهُمْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ ، يَعْنِي : فِي جَنَّتِهِ وَنَعِيمِهَا وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، أَيْ : بَاقُونَ فِيهَا أَبَدًا بِغَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا غَايَةٍ .