الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَنْ يَضُرَّكُمْ ، يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، هَؤُلَاءِ الْفَاسِقُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا إِلا أَذًى ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَلَكِنَّهُمْ يُؤْذُونَكُمْ بِشِرْكِهِمْ ، وإِسْمَاعِكُمْ كُفْرَهُمْ ، وَقَوْلِهِمْ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ وَعُزَيْرٍ ، وَدُعَائِهِمْ إِيَّاكُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ ، وَلَنْ يَضُرُّوكُمْ بِذَلِكَ . وَهَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ مَعْنَى مَا قَبْلُهُ ، كَمَا قِيلَ : مَا اشْتَكَى شَيْئًا إِلَّا خَيْرًا ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ مَحْكِيَّةٌ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
7629 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى الْآيَةَ ، قَالَ : تَسْمَعُونَ مِنْهُمْ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ ، يَدْعُونَكُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 111 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ يُقَاتِلْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يُهْزَمُوا عَنْكُمْ ، فَيُوَلُّوكُمْ أَدْبَارَهُمُ انْهِزَامًا . فَقَوْلُهُ : يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ، كِنَايَةٌ عَنِ انْهِزَامِهِمْ ، لِأَنَّ الْمُنْهَزِمَ يُحَوِّلُ ظَهْرَهُ إِلَى جِهَةِ الطَّالِبِ هَرَبًا إِلَى مَلْجَأٍ وَمَوْئِلٍ يَئِلُ إِلَيْهِ مِنْهُ ، خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ ، وَالطَّالِبُ فِي أَثَرِهِ .
فَدُبُرُ الْمَطْلُوبِ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُحَاذِيَ وَجْهِ الطَّالِبِ الْهَازِمِهِ . ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ، يَعْنِي : ثُمَّ لَا يَنْصُرُهُمُ اللَّهُ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، عَلَيْكُمْ ، لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِيمَانِكُمْ بِمَا آتَاكُمْ نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَلْقَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ ، فَأَيَّدَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِكُمْ .
وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلَ الْإِيمَانِ ، نَصْرُهُمْ عَلَى الْكَفَرَةِ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَإِنَّمَا رُفِعَ قَوْلُهُ : ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ وَقَدْ جُزِمَ قَوْلُهُ : يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ، عَلَى جَوَابِ الْجَزَاءِ ، ائْتِنَافًا لِلْكَلَامِ ، لِأَنَّ رُءُوسَ الْآيَاتِ قَبْلَهَا بِالنُّونِ ، فَأَلْحَقُ هَذِهِ بِهَا ، كَمَا قَالَ : ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ [ سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ : 36 ] ، رَفْعًا ، وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [ سُورَةُ فَاطِرٍ : 36 ] إِذْ لَمْ يَكُنْ رَأْسَ آيَةٍ .