الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ : وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ، جَمِيعًا ، رَدًّا عَلَى صِفَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ . وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَبَعْضُ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ بِالتَّاءِ فِي الْحَرْفَيْنِ جَمِيعًا : وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ ، بِمَعْنَى : وَمَا تَفْعَلُوا ، أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يَكْفُرُكُمُوهُ رَبُّكُمْ .
وَكَانَ بَعْضُ قَرَأَةِ الْبَصْرَةِ يَرَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ جَائِزًا بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ ، فِي الْحَرْفَيْنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ، بِالْيَاءِ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْخَبَرَ عَنِ الْأُمَّةِ الْقَائِمَةِ ، التَّالِيَةِ آيَاتَ اللَّهِ . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا ذَلِكَ ، لِأَنَّ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْآيَاتِ ، خَبَرٌ عَنْهُمْ .
فَإِلْحَاقُ هَذِهِ الْآيَةِ إِذْ كَانَ لَا دَلَالَةَ فِيهَا تَدُلُّ عَلَى الِانْصِرَافِ عَنْ صِفَتِهِمْ بِمَعَانِي الْآيَاتِ قَبْلَهَا ، أَولَى مِنْ صَرْفِهَا عَنْ مَعَانِي مَا قَبْلَهَا . وَبِالَّذِي اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ . 7664 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ التَّغْلِبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ هَارُونَ ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ : بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهُمَا جَمِيعًا بِالْيَاءِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا ، عَلَى مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ : وَمَا تَفْعَلُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ خَيْرٍ ، وَتَعْمَلُ مِنْ عَمَلٍ لِلَّهِ فِيهِ رِضًى ، فَلَنْ يَكْفُرُهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ : فَلَنْ يُبْطِلَ اللَّهُ ثَوَابَ عَمَلِهِمْ ذَلِكَ ، وَلَا يَدَعَهُمْ بِغَيْرِ جَزَاءٍ مِنْهُ لَهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ يُجْزِلُ لَهُمُ الثَّوَابَ عَلَيْهِ ، وَيُسْنِي لَهُمُ الْكَرَامَةَ وَالْجَزَاءَ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْكُفْرِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ ، وَأَنَّ أَصْلَهُ تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ، فَلَنْ يُغَطَّى عَلَى مَا فَعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَيُتْرَكُوا بِغَيْرٍ مُجَازَاةٍ ، وَلَكِنَّهُمْ يُشْكَرُونَ عَلَى مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ ، فَيُجْزَلُ لَهُمُ الثَّوَابَ فِيهِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ تَأَوَّلَ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7665 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكَفِّرُوهُ يَقُولُ : لَنْ يَضِلَّ عَنْكُمْ . 7666 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بِمِثْلِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَنِ اتَّقَاهُ ، لِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ ، وَحَافِظٌ أَعْمَالَهُمُ الصَّالِحَةُ حَتَّى يُثِيبَهُمْ عَلَيْهَا وَيُجَازِيَهُمْ بِهَا ، تَبْشِيرًا مِنْهُ لَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا ، وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي ارْتَضَاهَا لَهُمْ .