الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ "
) ( 124 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَ مِنْ أَصْحَابِكَ : أَلِنْ يَكْفِيكُمْ أَنْ يَمُدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ؟ وَذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حَرَبَهُمْ ، فِي أَيِّ يَوْمٍ وُعِدُوا ذَلِكَ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يُمِدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ ، إِنْ أَتَاهُمُ الْعَدُوُّ مِنْ فَوْرِهِمْ ، فَلَمْ يَأْتُوهُمْ ، وَلَمْ يُمَدُّوا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7743 - حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : حُدِّثَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ الْمُحَارِبِيَّ يُمِدُّ الْمُشْرِكِينَ ، قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَقِيلَ لَهُمْ : أَلِنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴿بَلَى إِنَّ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ ، قَالَ : فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةَ ، فَرَجَعَ ، وَلَمْ يُمِدُّهُمْ بِالْخَمْسَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ هَذَا الْوَعْدُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ يَوْمَ بِدْرٍ ، فَصَبَرَ الْمُؤْمِنُونَ وَاتَّقَوُا اللَّهَ ، فَأَمَدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ عَلَى مَا وَعَدَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7747 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ مَالِكَ بْنَ رَبِيعَةَ بَعْدَ مَا أُصِيبَ بَصَرُهُ يَقُولُ : لَوْ كُنْتُ مَعَكُمْ بِبَدْرٍ الْآنَ وَمَعِي بَصَرِي ، لَأَخْبَرَتْكُمْ بِالشِّعْبِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ ، لَا أَشُكُّ وَلَا أَتَمَارَى . 7748 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا : أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ إِذْ ذَهَبَ بَصَرُهُ : لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الْيَوْمَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي ، لَأَرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ ، لَا أَشُكُّ وَلَا أَتَمَارَى .
7749 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّهُ حُدِّثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَ : أَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي حَتَّى أَصْعَدَنَا فِي جَبَلٍ يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بِدْرٍ ، وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ ، نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ ، عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّبْرَةُ فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ . قَالَ : فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الْجَبَلِ ، إِذْ دَنَتْ مِنَّا سَحَابَةٌ ، فَسَمِعْنَا فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ : أَقْدِمْ حَيْزُومُ . قَالَ : فَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ مَكَانُهُ ، وَأَمَّا أَنَا فَكِدْتُ أَهْلَكُ ، ثُمَّ تَمَاسَكْتُ .
وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَهَابُ قَوْمَهُ وَيَكْرَهُ أَنْ يُخَالِفَهُمْ ، وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ . وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ عَدُوُّ اللَّهِ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِي بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ . وَكَذَلِكَ صَنَعُوا ، لَمْ يَتَخَلَّفْ رَجُلٌ إِلَّا بَعَثَ مَكَانُهُ رَجُلًا .
فَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ مُصَابِ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَبَتَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ ، وَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا قُوَّةً وَعِزًّا . قَالَ : وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا ، وَكُنْتُ أَعْمَلُ الْقِدَاحَ أَنْحِتُهَا فِي حُجْرَةِ زَمْزَمَ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لِجَالِسٍ فِيهَا أَنْحِتُ الْقِدَاحَ ، وَعِنْدِي أُمُّ الْفَضْلِ جَالِسَةٌ ، وَقَدْ سَرَّنَا مَا جَاءَنَا مِنَ الْخَبَرِ ، إِذْ أَقْبَلَ الْفَاسِقُ أَبُو لَهَبٍ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ بِشَرٍّ حَتَّى جَلَسَ عَلَى طُنُبِ الْحُجْرَةِ ، فَكَانَ ظَهْرُهُ إِلَى ظَهْرِي . فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ إِذْ قَالَ النَّاسُ : هَذَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ قَدْ قَدِمَ! قَالَ : قَالَ أَبُو لَهَبٍ : هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أَخِي ، فَعِنْدَكَ الْخَبَرُ! قَالَ : فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَالنَّاسُ قِيَامٌ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي أَخْبِرْنِي ، كَيْفَ كَانَ أَمْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : لَا شَيْءَ وَاللَّهِ ، إِنْ كَانَ إِلَّا أَنْ لَقِينَاهُمْ فَمَنَحْنَاهُمْ أَكْتَافَنَا يَقْتُلُونَنَا وَيَأْسِرُونَنَا كَيْفَ شَاءُوا! وَايْمُ اللَّهِ ، مَعَ ذَلِكَ مَا لُمْتُ النَّاسَ ، لَقِينَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا تَلِيقُ شَيْئًا ، وَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ .
7756 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ، فَإِنَّهُمْ أَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَوِّمِينَ . 7757 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا وَعَدَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يُمِدَّهُمْ إِنْ صَبَرُوا عِنْدَ طَاعَتِهِ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ ، وَاتَّقَوْهُ بِاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ ، أَنْ يُمِدَّهُمْ فِي حُرُوبِهِمْ كُلِّهَا ، فَلَمْ يَصْبِرُوا وَلَمْ يَتَّقُوا إِلَّا فِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ ، فَأَمَدَّهُمْ حِينَ حَاصَرُوا قُرَيْظَةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7758 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو إِدَامٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ : كُنَّا مُحَاصِرِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نُحَاصِرَهُمْ ، فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنَا ، فَرَجَعْنَا ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ فَهُوَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ، إِذْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، وَضَعْتُمْ أَسْلِحَتَكُمْ وَلَمْ تَضَعِ الْمَلَائِكَةُ أَوْزَارَهَا! فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِرْقَةٍ ، فَلَفَّ بِهَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ، ثُمَّ نَادَى فِينَا فَقُمْنَا كَالِّينَ مُعْيِينَ لَا نَعْبَأُ بِالسَّيْرِ شَيْئًا ، حَتَّى أَتَيْنَا قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ ، فَيَوْمَئِذَ أَمَدَّنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَفَتَحَ اللَّهُ لَنَا فَتْحًا يَسِيرًا ، فَانْقَلَبْنَا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ . وَقَالَ آخَرُونَ بِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَمْ يَصْبِرِ الْقَوْمُ وَلَمْ يَتَّقُوا وَلَمْ يُمَدُّوا بِشَيْءٍ فِي أُحُدٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7759 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، سَمِعَهُ يَقُولُ : بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ، قَالَ : يَوْمُ بَدْرٍ .
قَالَ : فَلَمْ يَصْبِرُوا وَلَمْ يَتَّقُوا فَلَمْ يُمَدُّوا يَوْمَ أُحُدٍ ، وَلَوْ مُدُّوا لَمْ يُهْزَمُوا يَوْمَئِذٍ . 7760 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ : لَمْ يُمَدُّوا يَوْمَ أُحُدٍ وَلَا بِمَلَكٍ وَاحِدٍ أَوْ قَالَ : إِلَّا بِمَلَكٍ وَاحِدٍ ، أَبُو جَعْفَرٍ يَشُكُّ . 7761 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، قَوْلُهُ : أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ إِلَى خَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينِ ، كَانَ هَذَا مَوْعِدًا مِنَ اللَّهِ يَوْمَ أُحِدٍ عَرَضَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنِ اتَّقَوْا وَصَبَرُوا أَمَدَّهُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ; فَفَرَّ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ وَوَلَّوْا مُدَبِّرِينَ ، فَلَمْ يُمِدَّهُمُ اللَّهُ .
7762 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا الْآيَةُ كُلُّهَا . قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ الْمُشْرِكِينَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسَ يُمِدُّنَا اللَّهُ كَمَا أَمَدَّنَا يَوْمَ بَدْرٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ ، وَإِنَّمَا أَمَدَّكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَلْفٍ ؟ قَالَ : فَجَاءَتِ الزِّيَادَةُ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَنْ يَصْبِرُوا وَيَتَّقُوا ، قَالَ : بِشَرْطِ أَنْ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمُ . الْآيَةُ كُلُّهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ : أَلِنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ؟ فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَدَدًا لَهُمْ ، ثُمَّ وَعَدَهُمْ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْآلَافِ ، خَمْسَةَ آلَافٍ إِنْ صَبَرُوا لِأَعْدَائِهِمْ وَاتَّقَوُا اللَّهَ . وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُمْ أُمِدُّوا بِالثَّلَاثَةِ آلَافٍ ، وَلَا بِالْخَمْسَةِ آلَافٍ ، وَلَا عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُمَدُّوا بِهِمْ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمَدَّهُمْ ، عَلَى نَحْوِ مَا رَوَاهُ الَّذِينَ أَثْبَتُوا أَنَّهُ أَمَدَّهُمْ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُمِدَّهُمْ عَلَى نَحْوِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ .
وَلَا خَبَرَ عِنْدَنَا صَحَّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يُثْبِتُ أَنَّهُمْ أُمِدُّوا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَافِ وَلَا بِالْخَمْسَةِ الْآلَافِ . وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ إِلَّا بِخَبَرٍ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِهِ . وَلَا خَبَرَ بِهِ كَذَلِكَ ، فَنُسَلِّمُ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ قَوْلَهُ .
غَيْرَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ أُمِدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 9 ] فَأَمَّا فِي يَوْمِ أُحُدٍ ، فَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُمَدُّوا أَبْيَنُ مِنْهَا فِي أَنَّهُمْ أُمِدُّوا . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ أُمِدُّوا لَمْ يُهْزَمُوا ، وَيُنَالُ مِنْهُمْ مَا نِيلَ مِنْهُمْ . فَالصَّوَابُ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِمْدَادِ فِيمَا مَضَى ، وَالْمَدَدَ ، وَمَعْنَى الصَّبْرِ وَ التَّقْوَى . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى قَوْلِهِ : مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ، مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا .
7779 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ، يَقُولُ : مِنْ سَفَرِهِمْ هَذَا وَيُقَالُ - يَعْنِي عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ - بَلْ هُوَ مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا . 7770 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ، مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا .
7774 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ، قَالَ : مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا . 7775 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ ، فِي قَوْلِهِ : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ، يَقُولُ : مِنْ وَجْهِهِمْ وَغَضَبِهِمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ الْفَوْرِ ، ابْتِدَاءُ الْأَمْرِ يُؤْخَذُ فِيهِ ، ثُمَّ يُوصَلُ بِآخَرَ ، يُقَالُ مِنْهُ : فَارَتِ الْقِدْرُ فَهِيَ تَفُورُ فَوْرًا وَفَوَرَانًا إِذَا ابْتَدَأَ مَا فِيهَا بِالْغَلَيَانِ ثُمَّ اتَّصَلَ .
وَ مَضَيْتُ إِلَى فُلَانٍ مِنْ فَوْرِي ذَلِكَ ، يُرَادُ بِهِ : مِنْ وَجْهِيَ الَّذِي ابْتَدَأَتْ فِيهِ . فَالَّذِي قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ، مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا قَصَدَ إِلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ : وَيَأْتِيكُمْ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ وَأَصْحَابُهُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنِ ابْتِدَاءِ مَخْرِجِهِمِ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ لِنُصْرَةِ أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : مَعْنَى ذَلِكَ : مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا فَإِنَّمَا عَنَوْا أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ : وَيَأْتِيكُمْ كَفَّارُ قُرَيْشٍ وَتُبَّاعُهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ مِنِ ابْتِدَاءِ غَضَبِهِمِ الَّذِي غَضِبُوهُ لِقَتْلَاهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِهَا ، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ .
وَلِذَلِكَ مِنَ اخْتِلَافِ تَأْوِيلِهِمْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ، اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي إِمْدَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ بِأُحُدٍ بِمَلَائِكَتِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يُمَدُّوا بِهِمْ ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَصْبِرُوا لِأَعْدَائِهِمْ وَلَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، بِتَرْكِ مَنْ تَرَكَ مِنَ الرُّمَاةِ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثُبُوتِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالثُّبُوتِ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُمْ أَخَلُّوا بِهِ طَلَبَ الْغَنَائِمِ ، فَقُتِلَ مِنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَنَالَ الْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ مَا نَالُوا ، وَإِنَّمَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمْدَادَهُمْ بِهِمْ إِنْ صَبَرُوا وَاتَّقَوُا اللَّهَ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ بِسَبَبِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالُوا : لَمْ يَأْتِ كُرْزٌ وَأَصْحَابُهُ إِخْوَانَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَدَدًا لَهُمْ بِبَدْرٍ ، وَلَمْ يُمِدَّ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَلَائِكَتِهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا وَعَدَهُمْ أَنْ يُمِدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ إِنْ أَتَاهُمْ كُرْزٌ وَمَدَدُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ فَوْرِهِمْ ، وَلَمْ يَأْتِهِمِ الْمَدَدُ .
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَدَّ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَإِنَّهُمُ اعْتَلَوْا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 9 ] ، قَالَ : فَالْأَلْفُ مِنْهُمْ قَدْ أَتَاهُمْ مَدَدًا . وَإِنَّمَا الْوَعْدُ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ ، فَمَا زَادَ عَلَى الْأَلْفِ ، فَأَمَّا الْأَلْفُ فَقَدْ كَانُوا أُمِدُّوا بِهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ قَدْ وَعَدَهُمْ ذَلِكَ ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : مُسَوِّمِينَ .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ : ( مُسَوَّمِينَ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ سَوَّمَهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ : ( مُسَوِّمِينَ ) بِكَسْرِ الْوَاوِ ، بِمَعْنَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ سَوَّمَتْ لِنَفْسِهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الْوَاوِ ، لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ [ أَصْحَابِ ] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهْلُ التَّأْوِيلِ مِنْهُمْ وَمِنَ التَّابِعَيْنِ بَعْدَهُمْ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ هِيَ الَّتِي سَوَّمَتْ أَنْفُسَهَا ، مِنْ غَيْرِ إِضَافَةِ تَسْوِيمِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَوْ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ يُخْتَارُ الْكَسْرَ فِي قَوْلِهِ : مُسَوِّمِينَ ، لَوْ كَانَ فِي الْبَشَرِ ، فَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَوَصْفُهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ ظَنًا مِنْهُ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِيهَا تَسْوِيمُ أَنْفُسِهَا إِمْكَانَ ذَلِكَ فِي الْبَشَرِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَكَّنَهَا مِنْ تَسْوِيمِ أَنْفُسِهَا نَحْوَ تَمْكِينِهِ الْبَشَرَ مِنْ تَسْوِيمِ أَنْفُسِهِمْ ، فَسَوَّمُوا أَنْفُسَهُمْ نَحْوَ الَّذِي سَوَّمَ الْبَشَرَ ، طَلَبًا مِنْهَا بِذَلِكَ طَاعَةَ رَبِّهَا ، فَأُضِيفُ تَسْوِيمُهَا أَنْفُسَهَا إِلَيْهَا . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ تَسْبِيبِ اللَّهِ لَهُمْ أَسْبَابَهُ .
وَهِيَ إِذَا كَانَتْ مَوْصُوفَةٌ بِتَسْوِيمِهَا أَنْفُسَهَا تَقَرُّبًا مِنْهَا إِلَى رَبِّهَا ، كَانَ أَبْلَغَ فِي مَدْحِهَا لِاخْتِيَارِهَا طَاعَةَ اللَّهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِأَنَّ ذَلِكَ مَفْعُولٌ بِهَا . ذِكْرُ الْأَخْبَارِ بِمَا ذَكَرْنَا : مِنْ إِضَافَةِ مَنْ أَضَافَ التَّسْوِيمَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ ، دُونَ إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِمْ ، عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فِيهِ : 7776 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ مَا كَانَ الصُّوفُ لَيَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَسَوَّمُوا ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ . 7777 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُخْتَارُ بْنُ غَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُسَيْدٍ - وَكَانَ بَدْرِيًّا - فَكَانَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ بَصَرِي فُرِّجَ مِنْهُ ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ مَعِي إِلَى أُحِدٍ ، لَأَخْبَرَتْكُمْ بِالشِّعْبِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ فِي عَمَائِمَ صُفْرٍ قَدْ طَرَحُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ .
7787 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ : نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي سِيمَا الزُّبَيْرِ ، عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ . وَكَانَتْ عِمَامَةُ الزُّبَيْرِ صَفْرَاءَ . 7788 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : مُسَوِّمِينَ ، قَالَ : بِالصُّوفِ فِي نَوَاصِيهَا وَأَذْنَابِهَا .
7789 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ ، عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ . وَكَانَ عَلَى الزُّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ . 7790 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَتْ عَلَيْهِ مُلَاءَةٌ صَفْرَاءُ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَاعْتَمَّ بِهَا ، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَمَّمِينِ بِعَمَائِمَ صُفْرٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرَنَا بَعْضَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ وَقَوْلُ أَبِي أُسَيْدٍ : خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي عَمَائِمَ صُفْرٍ قَدْ طَرَحُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : مُسَوِّمِينَ مُعَلِّمِينَ يُنْبِئُ جَمِيعُ ذَلِكَ عَنْ صِحَّةِ مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ التَّسْوِيمَ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِأَنْفُسِهَا ، عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَأُوا ذَلِكَ : مُسَوَّمَيْنَ ، بِالْفَتْحِ ، فَإِنَّهُمْ أُرَاهُمْ تَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ مَا : 7791 - حَدَّثَنَا بِهِ حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ ) ، يَقُولُ : عَلَيْهِمْ سِيمَا الْقِتَالِ . 7792 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) ، يَقُولُ : عَلَيْهِمْ سِيمَا الْقِتَالِ ، وَذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ، أَمَدَّهُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ ، يَقُولُ : عَلَيْهِمْ سِيمَا الْقِتَالِ .
فَقَالُوا : كَانَ سِيمَا الْقِتَالِ عَلَيْهِمْ ، لَا أَنَّهُمْ كَانُوا تَسَوَّمُوا بِسِيمَا فَيُضَافُ إِلَيْهِمِ التَّسْوِيمُ ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَأُوا : مُسَوَّمِينَ ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ التَّسْوِيمَ إِلَى مَنْ سَوَّمَهُمْ تِلْكَ السِّيمَا . وَ السِّيمَا الْعَلَّامَةُ يُقَالُ : هِيَ سِيمَا حَسَنَةٌ ، وَسِيمِيَاءُ حَسَنَةٌ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ يَعْنِي بِذَلِكَ : عَلَامَةٌ مِنْ حُسْنٍ ، فَإِذَا أُعْلِمَ الرَّجُلُ بِعَلَامَةٍ يُعْرَفُ بِهَا فِي حَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ قِيلَ : سَوَّمَ نَفْسَهُ فَهُوَ يُسَوِّمُهَا تَسْوِيمًا .