الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ، أُعِدَّتِ الْجَنَّةُ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لِلْمُتَّقِينَ ، وَهُمُ الْمُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِمَّا فِي صَرْفِهِ عَلَى مُحْتَاجٍ ، وَإِمَّا فِي تَقْوِيَةِ مُضْعِفٍ عَلَى النُّهُوضِ لِجِهَادِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فِي السَّرَّاءِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : فِي حَالِ السُّرُورِ ، بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَرَخَاءِ الْعَيْشِ وَالسَّرَّاءُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ سَرَّنِي هَذَا الْأَمْرُ مَسَرَّةً وَسُرُورًا وَالضَّرَّاءَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : قَدْ ضُرَّ فُلَانٌ فَهُوَ يُضَرُّ ، إِذَا أَصَابَهُ الضُّرُّ ، وَذَلِكَ إِذَا أَصَابَهُ الضِّيقُ ، وَالْجُهْدُ فِي عَيْشِهِ . 7838 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ، يَقُولُ : فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ .
فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي وَصَفَ صِفَتَهَا ، لِمَنِ اتَّقَاهُ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي حَالِ الرَّخَاءِ وَالسَّعَةِ ، وَفِي حَالِ الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ ، فِي سَبِيلِهِ . وَقَوْلُهُ : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ، يَعْنِي : وَالْجَارِعِينَ الْغَيْظَ عِنْدَ امْتِلَاءِ نُفُوسِهِمْ مِنْهُ . يُقَالُ مِنْهُ : كَظَمَ فُلَانَ غَيْظَهُ ، إِذَا تَجَرَّعَهُ ، فَحَفِظَ نَفْسَهُ مِنْ أَنْ تَمْضِيَ مَا هِيَ قَادِرَةٌ عَلَى إِمْضَائِهِ ، بِاسْتِمْكَانِهَا مِمَّنْ غَاظَهَا ، وَانْتِصَارِهَا مِمَّنْ ظَلَمَهَا .
وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ كَظْمِ الْقِرْبَةِ ، يُقَالُ مِنْهُ : كَظَمْتُ الْقِرْبَةَ ، إِذَا مَلَأْتُهَا مَاءً . وَ فُلَانٌ كَظِيمٌ وَمَكْظُومٌ ، إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا غَمًّا وَحُزْنًا . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [ سُورَةُ يُوسُفَ : 84 ] يَعْنِي : مُمْتَلِئٌ مِنَ الْحُزْنِ .
وَمِنْهُ قِيلَ لِمَجَارِي الْمِيَاهِ : الْكَظَائِمُ ، لِامْتِلَائِهَا بِالْمَاءِ . وَمِنْهُ قِيلَ : أَخَذْتُ بِكَظَمِهِ يَعْنِي : بِمَجَارِي نَفْسِهِ . وَ الْغَيْظُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : غَاظَنِي فُلَانَ فَهُوَ يَغِيظُنِي غَيْظًا ، وَذَلِكَ إِذَا أَحْفَظُهُ وَأُغْضِبُهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَالصَّافِحِينَ عَنِ النَّاسِ عُقُوبَةَ ذُنُوبِهِمْ إِلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ قَادِرُونَ ، فَتَارِكُوهَا لَهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عَمَلِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي وَصَفَ أَنَّهُ أَعَدَّ لِلْعَامِلِينَ بِهَا الْجَنَّةَ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَالْعَامِلُونَ بِهَا هُمُ الْمُحْسِنُونَ ، وَإِحْسَانُهُمْ ، هُوَ عَمَلُهُمْ بِهَا ، . كَمَا : - 7839 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ الْآيَةَ : وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، أَيْ : وَذَلِكَ الْإِحْسَانُ ، وَأَنَا أُحِبُ مَنْ عَمِلَ بِهِ .
7840 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، قَوْمٌ أَنْفَقُوا فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ ، وَالْجُهْدِ وَالرَّخَاءِ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَغْلِبَ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ فَلْيَفْعَلْ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . فَنِعْمَتُ وَاللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ ، الْجُرْعَةُ تَجْتَرِعُهُا مِنْ صَبْرٍ وَأَنْتَ مَغِيظٌ ، وَأَنْتَ مَظْلُومٌ . 7841 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحْرِزٌ أَبُو رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : لِيُقِمْ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَجْرٌ .
فَمَا يَقُومُ إِلَّا إِنْسَانٌ عَفَا ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . 7842 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْجَلِيلِ ، عَنْ عَمٍّ لَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مِنْ كَظْمَ غَيْظًا وَهُوَ يُقَدِّرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ ، مَلَأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا . 7843 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ إِلَى وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، فَـ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ كَقَوْلِهِ : وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [ سُورَةُ الشُّورَى : 37 ] ، يَغْضَبُونَ فِي الْأَمْرِ لَوْ وَقَعُوا بِهِ كَانَ حَرَامًا ، فَيَغْفِرُونَ وَيَعْفُونَ ، يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ كَقَوْلِهِ : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إِلَى أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [ سُورَةُ النُّورِ : 22 ] ، يَقُولُ : لَا تُقْسِمُوا عَلَى أَنْ لَا تُعْطُوهُمْ مِنَ النَّفَقَةِ شَيْئًا وَاعْفُوا وَاصْفَحُوا .