الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ، أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي وَصَفَ صِفَتَهَا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، الْمُنْفِقِينَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً . وَجَمِيعُ هَذِهِ النُّعُوتِ مِنْ صِفَةِ الْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، كَمَا : - 7844 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ إِلَى أَجْرِ الْعَامِلِينَ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَيْنَ النَّعْتَيْنِ لَنَعْتُ رَجُلٍ وَاحِدٍ . 7845 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، قَالَ : هَذَانَ ذَنَبَانِ ، الْفَاحِشَةُ ، ذَنْبٌ ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَنْبٌ .
وَأَمَّا الْفَاحِشَةُ ، فَهِيَ صِفَةٌ لِمَتْرُوكٍ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فِعْلَةً فَاحِشَةً . وَمَعْنَى الْفَاحِشَةِ ، الْفِعْلَةُ الْقَبِيحَةُ الْخَارِجَةُ عَمَّا أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ . وَأَصْلُ الْفُحْشِ : الْقُبْحُ ، وَالْخُرُوجُ عَنِ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ فِي كُلِّ شَيْءٍ .
وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّوِيلِ الْمُفْرِطِ الطُّولِ : إِنَّهُ لِفَاحِشُ الطُّولِ ، يُرَادُ بِهِ : قَبِيحُ الطُّولِ ، خَارِجٌ عَنِ الْمِقْدَارِ الْمُسْتَحْسَنِ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْكَلَامِ الْقَبِيحِ غَيْرَ الْقَصْدِ : كَلَامٌ فَاحِشٌ ، وَقِيلَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ : أَفْحَشَ فِي كَلَامِهِ ، إِذَا نَطَقَ بِفُحْشٍ . وَقِيلَ : إِنَّ الْفَاحِشَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، مَعْنِيٌّ بِهَا الزِّنَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7846 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ جَابِرٍ : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ، قَالَ : زِنَى الْقَوْمِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . 7847 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ، أَمَّا الْفَاحِشَةُ ، فَالزِّنَا . وَقَوْلُهُ : أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، يَعْنِي بِهِ : فَعَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ غَيْرَ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِهَا .
وَالَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ ، رُكُوبُهُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ مَا أَوْجَبُوا لَهَا بِهِ عُقُوبَتَهُ ، كَمَا : - 7848 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، قَالَ : الظُّلْمُ مِنَ الْفَاحِشَةِ ، وَالْفَاحِشَةُ مِنَ الظُّلْمِ . وَقَوْلُهُ : ذَكَرُوا اللَّهَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ : ذَكَرُوا وَعِيدَ اللَّهِ عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ، يَقُولُ : فَسَأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِمْ ذُنُوبَهُمْ بِصَفْحِهِ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ ، يَقُولُ : وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ - أَيْ يَعْفُو عَنْ رَاكِبِهَا فَيَسْتُرُهَا عَلَيْهِ - إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ، يَقُولُ : وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبِهِمِ الَّتِي أَتَوْهَا ، وَمَعْصِيَتِهِمِ الَّتِي رَكِبُوهَا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، يَقُولُ : لَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبِهِمْ عَامِدِينَ لِلْمَقَامِ عَلَيْهَا ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا ، وَأَوْعَدَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةَ مَنْ رَكِبَهَا . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ خُصُوصًا بِتَخْفِيفِهَا وَيُسْرِهَا أُمَّتَنَا ، مِمَّا كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُمْتَحِنَةً بِهِ مِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ فِي ذُنُوبِهَا .
وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ يُصَلِّي قَالَ أَحَدُهُمَا : رَكْعَتَيْنِ ، وَقَالَ الْآخَرُ : ثُمَّ يُصَلِّي وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، إِلَّا غَفَرَ لَهُ . 7855 - حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا سَأَلَتْهُ أَنْ يُقْسِمَ لِي بِاللَّهِ لَهُوَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَكْذِبُ . قَالَ عَلَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ عِنْدَ ذِكْرِ ذَنْبِهِ فَيَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ ، إِلَّا غَفَرَهُ اللَّهُ لَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ، فَإِنَّهُ كَمَا بَيَّنَّا تَأْوِيلَهُ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ يَقُولُونَ : 7856 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ، أَيْ إِنْ أَتَوْا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَعْصِيَةٍ ، ذَكَرُوا نَهْيَ اللَّهِ عَنْهَا ، وَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَاسْتَغْفَرُوا لَهَا ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا هُوَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ ، فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ مَرْفُوعٌ وَلَا جَحْدَ قَبْلَهُ ، وَإِنَّمَا يُرْفَعُ مَا بَعْدَ إِلَّا بِإِتْبَاعِهِ مَا قَبْلُهُ إِذَا كَانَ نَكِرَةً وَمَعَهُ جَحْدٌ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا أَخُوكَ .
فَأَمَّا إِذَا قِيلَ : قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا أَبَاكَ ، فَإِنَّ وَجْهَ الْكَلَامِ فِي الْأَبِ النَّصْبُ . وَ مَنْ بِصِلَتِهِ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ ، مَعْرِفَةٌ . فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ رَفْعًا ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ أَوْ : مَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ .
فَرَفْعُ مَا بَعْدَ إِلَّا مِنَ [ اسْمِ ] اللَّهِ ، عَلَى تَأْوِيلِ الْكَلَامِ لَا عَلَى لَفْظِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ; فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْإِصْرَارِ ، وَمَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يَثْبَتُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنَ الذُّنُوبِ وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُمْ تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يُوَاقِعُوا الذَّنْبَ إِذَا هَمُّوا بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7860 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ، قَالَ : إِتْيَانُ الْعَبْدِ ذَنْبًا إِصْرَارٌ ، حَتَّى يَتُوبَ . 7861 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ، قَالَ : لَمْ يُوَاقِعُوا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْإِصْرَارِ ، السُّكُوتُ عَلَى الذَّنْبِ وَتَرْكُ الِاسْتِغْفَارَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7862 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، أَمَّا يُصِرُّوا فَيَسْكُتُوا وَلَا يَسْتَغْفِرُوا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْإِصْرَارُ ، الْإِقَامَةُ عَلَى الذَّنْبِ عَامِدًا ، وَتَرْكُ التَّوْبَةِ مِنْهُ .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ هُوَ مُوَاقَعَتُهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَدَحَ بِتَرْكِ الْإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ مُوَاقِعَ الذَّنْبِ ، فَقَالَ : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ، وَلَوْ كَانَ الْمَوَاقِعُ الذَّنْبَ مُصِرًّا بِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهُ ، لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِغْفَارِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ . لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَالنَّدَمُ ، وَلَا يُعْرَفُ لِلِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَنْبٍ لَمْ يُوَاقِعْهُ صَاحِبُهُ ، وَجْهٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ، وَإِنَّ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً .
7863 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ السَّبِيعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدُ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِي نَصِيرَةَ ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَوْ كَانَ مُوَاقِعُ الذَّنَبِ مُصِرًّا ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً ، مَعْنًى لِأَنَّ مُوَاقَعَةَ الذَّنْبِ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْإِصْرَارَ ، فَلَا يُزِيلُ الِاسْمَ الَّذِي لَزِمَهُ مَعْنًى غَيْرَهُ ، كَمَا لَا يُزِيلُ عَنِ الزَّانِي اسْمَ زَانٍ وَعَنِ الْقَاتِلِ اسْمَ قَاتِلٍ ، تَوْبَتُهُ مِنْهُ ، وَلَا مَعْنَى غَيْرِهَا . وَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ الْمُسْتَغْفِرَ مِنْ ذَنْبِهِ غَيْرُ مُصِرٍّ عَلَيْهِ ، فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِصْرَارَ غَيْرُ الْمُوَاقَعَةِ ، وَأَنَّهُ الْمَقَامُ عَلَيْهِ ، عَلَى مَا قُلْنَا قَبْلُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7864 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا ، ثُمَّ أَقَامُوا فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَتَوْا مَعْصِيَةً لِلَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7865 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، قَالَ : يَعْلَمُونَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ .