الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ ، يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ، يَعْنِي أَسْبَابَ الْمَوْتِ ، وَذَلِكَ : الْقِتَالُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ، فَقَدْ رَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَهُ - وَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ رَأَيْتُمُوهُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَوْتِ ، وَالْمَعْنَى : [ الْقِتَالُ ] وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، يَعْنِي : قَدْ رَأَيْتُمُوهُ بِمَرْأًى مِنْكُمْ وَمَنْظَرٍ ، أَيْ بِقُرْبٍ مِنْكُمْ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ قِيلَ : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، عَلَى وَجْهِ التَّوْكِيدِ لِلْكَلَامِ ، كَمَا يُقَالُ : رَأَيْتُهُ عِيَانًا وَ رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي ، وَسَمِعْتُهُ بِأُذُنِي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا قِيلَ : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ، لِأَنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدُ بَدْرًا ، كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ قَبْلَ أُحُدٍ يَوْمًا مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ ، فَيُبْلُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ، وَيَنَالُوا مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا نَالَ أَهْلُ بَدْرٍ .
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ فَرَّ بَعْضُهُمْ ، وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ حَتَّى أَوْفَى بِمَا كَانَ عَاهَدَ اللَّهَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَعَاتَبَ اللَّهُ مَنْ فَرَّ مِنْهُمْ فَقَالَ : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ، الْآيَةَ ، وَأَثْنَى عَلَى الصَّابِرِينَ مِنْهُمْ وَالْمُوفِينَ بِعَهْدِهِمْ . ذَكْرُ الْأَخْبَارِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ : 7930 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ، قَالَ : غَابَ رِجَالٌ عَنْ بَدْرٍ ، فَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مِثْلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يَلْقَوْهُ ، فَيُصِيبُوا مِنَ الْخَيْرِ وَالْأَجْرِ مِثْلَ مَا أَصَابَ أَهْلُ بَدْرٍ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ ، وَلَّى مَنْ وَلَّى مِنْهُمْ ، فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ أَوْ : فَعَابَهُمْ ، أَوْ : فَعَيَّبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ .
شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ . 7931 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ - إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَشُكَّ . 7932 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ، أُنَاسٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْهَدُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَالَّذِي أَعْطَى اللَّهُ أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ وَالْأَجْرِ ، فَكَانَ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُرْزَقُوا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا ، فَسِيقَ إِلَيْهِمِ الْقِتَالُ حَتَّى كَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْمَعُونَ : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ، حَتَّى بَلَغَ الشَّاكِرِينَ .
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾. 7936 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا ، فِلْمًا رَأَوْا فَضِيلَةَ أَهْلِ بَدْرٍ قَالُوا : اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُرِيَنَا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ نُبْلِيكَ فِيهِ خَيْرًا ! فَرَأَوْا أُحُدًا ، فَقَالَ لَهُمْ : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾. 7937 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ، أَيْ : لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّونَ الشَّهَادَةَ عَلَى الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ يَعْنِي الَّذِينَ اسْتَنْهَضُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُرُوجِهِ بِهِمْ إِلَى عَدُوِّهِمْ ، لِمَا فَاتَهُمْ مِنَ الْحُضُورِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ بِبَدْرٍ ، رَغْبَةً فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ فَاتَتْهُمْ بِهِ .
يَقُولُ : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، أَيِ : الْمَوْتَ بِالسُّيُوفِ فِي أَيْدِي الرِّجَالِ ، قَدْ خَلَّى بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ ، فَصَدَدْتُمْ عَنْهُمْ .