الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَمْ حَسِبْتُمْ ، يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ، وَظَنَنْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ، وَتَنَالُوا كَرَامَةَ رَبِّكُمْ ، وَشَرَفَ الْمَنَازِلِ عِنْدَهُ وَلَمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ، يَقُولُ : وَلَمَّا يَتَبَيَّنُ لِعِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ ، الْمُجَاهِدُ مِنْكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ . وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، بِأَدِلَّتِهِ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَقَوْلُهُ : وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ، يَعْنِي : الصَّابِرِينَ عِنْدَ الْبَأْسِ عَلَى مَا يَنَالُهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ مِنْ جَرْحٍ وَأَلَمٍ وَمَكْرُوهٍ .
كَمَا : - 7929 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَتُصِيبُوا مِنْ ثَوَابِي الْكَرَامَةَ ، وَلَمْ أَخْتَبِرْكُمْ بِالشِّدَّةِ ، وَأَبْتَلِيكُمْ بِالْمَكَارِهِ ، حَتَّى أَعْلَمَ صِدْقَ ذَلِكَ مِنْكُمُ الْإِيمَانِ بِي ، وَالصَّبْرَ عَلَى مَا أَصَابَكُمْ فِيَّ . وَنُصْبُ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ، عَلَى الصَّرْفِ . وَ الصَّرْفُ ، أَنْ يَجْتَمِعَ فِعْلَانِ بِبَعْضِ حُرُوفِ النَّسَقِ ، وَفِي أَوَّلِهِ مَا لَا يَحْسُنُ إِعَادَتُهُ مَعَ حَرْفِ النَّسَقِ ، فَيُنْصَبُ الَّذِي بَعُدَ حَرْفِ الْعَطْفِ عَلَى الصَّرْفِ ، لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ مَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَلَكِنْ يَكُونُ مَعَ جَحْدٍ أَوِ اسْتِفْهَامٍ أَوْ نَهْيٍ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ .
وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَضِيقُ عَنْكَ ، لِأَنَّ لَا الَّتِي مَعَ يَسَعُنِي لَا يَحْسُنُ إِعَادَتُهَا مَعَ قَوْلِهِ : وَيَضِيقُ عَنْكَ ، فَلِذَلِكَ نُصِبَ . والْقَرَأَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ عَلَى النَّصْبِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ، فَيَكْسِرُ الْمِيمَ مِنْ يَعْلَمُ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَنْوِي جَزْمَهَا عَلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ .