الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَيُلْقِي اللَّهُ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، وَجَحَدُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِمَّنْ حَارَبَكُمْ بِأُحُدٍ الرُّعْبَ ، وَهُوَ الْجَزَعُ وَالْهَلَعُ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ، يَعْنِي : بِشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ وَعِبَادَتِهِمِ الْأَصْنَامَ ، وَطَاعَتِهِمِ الشَّيْطَانَ الَّتِي لَمْ أَجْعَلْ لَهُمْ بِهَا حُجَّةً وَهِيَ السُّلْطَانُ الَّتِي أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَمْ يُنَزِّلْهُ بِكُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ . وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ ، وَالْفَلْجِ عَلَيْهِمْ ، مَا اسْتَقَامُوا عَلَى عَهْدِهِ ، وَتَمَسَّكُوا بِطَاعَتِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِأَعْدَائِهِمْ بَعْدَ مَصِيرِهِمْ إِلَيْهِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ، يَعْنِي : وَمَرْجِعُهُمُ الَّذِي يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ، يَقُولُ : وَبِئْسَ مَقَامُ الظَّالِمِينَ - الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِاكْتِسَابِهِمْ مَا أَوْجَبَ لَهَا عِقَابَ اللَّهِ - النَّارُ ، كَمَا : - 8002 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ ، إِنِّي سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الَّذِي بِهِ كُنْتُ أَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ ، بِمَا أَشْرَكُوا بِي مَا لَمْ أَجْعَلْ لَهُمْ بِهِ حُجَّةً ، أَيْ : فَلَا تَظُنُّوا أَنَّ لَهُمْ عَاقِبَةَ نَصْرٍ وَلَا ظُهُورٍ عَلَيْكُمْ ، مَا اعْتَصَمْتُمْ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي ، لِلْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْكُمْ مِنْهُمْ بِذُنُوبٍ قَدَّمْتُمُوهَا لِأَنْفُسِكُمْ ، خَالَفْتُمْ بِهَا أَمْرِي ، وَعَصَيْتُمْ فِيهَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
8003 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا ارْتَحَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ ، انْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ . ثُمَّ إِنَّهُمْ نَدِمُوا فَقَالُوا : بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ ، إِنَّكُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّرِيدُ تَرَكْتُمُوهُمْ! ارْجِعُوا فَاسْتَأْصَلُوهُمْ! فَقَذَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قُلُوبِهِمِ الرُّعْبَ ، فَانْهَزَمُوا . فَلَقُوا أَعْرَابِيًّا ، فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا وَقَالُوا لَهُ : إِنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا فَأَخْبِرْهُ بِمَا قَدْ جَمَعْنَا لَهُمْ .
فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَطَلَبَهُمْ حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ ، فَذَكَرَ أَبَا سُفْيَانَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا قُذِفَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الرُّعْبِ فَقَالَ : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُحُدٍ وَعْدَهُ الَّذِي وَعَدَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَ الْوَعْدُ الَّذِي كَانَ وَعَدَهُمْ عَلَى لِسَانِهِ بِأُحُدٍ ، قَوْلُهُ لِلرُّمَاةِ : اثْبُتُوا مَكَانَكُمْ وَلَا تَبْرَحُوا ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ هَزَمْنَاهُمْ ، فَإِنَّا لَنْ نَزَالَ غَالِبِينَ مَا ثَبَتُّمْ مَكَانَكُمْ .
وَكَانَ وَعَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّصْرَ يَوْمَئِذٍ إِنِ انْتَهَوْا إِلَى أَمْرِهِ ، كَالَّذِي : - 8004 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا بَرَزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ ، أَمَرَ الرُّمَاةَ ، فَقَامُوا بِأَصْلِ الْجَبَلِ فِي وُجُوهِ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ : لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ إِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ هَزَمْنَاهُمْ ، فَإِنَّا لَنْ نَزَالَ غَالِبِينَ مَا ثَبَتُّمْ مَكَانَكُمْ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ، أَخَا خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ . ثُمَّ إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُثْمَانَ ، صَاحِبَ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ ، قَامَ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ، إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُنَا بِسُيُوفِكُمْ إِلَى النَّارِ ، وَيُعَجِّلُكُمْ بِسُيُوفِنَا إِلَى الْجَنَّةِ! فَهَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يُعَجِّلُهُ اللَّهُ بِسَيْفِي إِلَى الْجَنَّةِ! أَوْ يُعَجِّلُنِي بِسَيْفِهِ إِلَى النَّارِ ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى يُعَجِّلَكَ اللَّهُ بِسَيْفِي إِلَى النَّارِ ، أَوْ يُعَجِّلَنِي بِسَيْفِكَ إِلَى الْجَنَّةِ! فَضَرَبَهُ عَلَيٌّ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، فَسَقَطَ ، فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ ، فَقَالَ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ ، ابْنَ عَمِّ! فَتَرَكَهُ . فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ أَصْحَابُهُ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجْهِزَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : إِنَّ ابْنَ عَمِّي نَاشَدَنِي حِينَ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ .
ثُمَّ شَدَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْودِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَهَزَمَاهُمْ ، وَحَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فَهَزَمُوا أَبَا سُفْيَانَ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ حَمَلَ ، فَرَمَتْهُ الرُّمَاةُ ، فَانْقَمَعَ . فَلَمَّا نَظَرَ الرُّمَاةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي جَوْفِ عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ يَنْتَهِبُونَهُ ، بَادَرُوا الْغَنِيمَةَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نَتْرُكُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! .
فَانْطَلَقَ عَامَّتُهُمْ فَلَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ . فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ قِلَّةَ الرُّمَاةِ صَاحَ فِي خَيْلِهِ ، ثُمَّ حَمَلَ فَقَتَلَ الرُّمَاةَ ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ أَنَّ خَيْلَهُمْ تُقَاتِلُ ، تَنَادَوْا فَشَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ .
8005 - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَلَقِينَا الْمُشْرِكِينَ ، أَجْلَسَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالًا بِإِزَاءِ الرُّمَاةِ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ، أَخَا خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَالَ لَهُمْ : لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ ، إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا ، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا . فَلَمَّا الْتَقَى الْقَوْمُ ، هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ قَدْ رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ وَبَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : الْغَنِيمَةَ ، الْغَنِيمَةَ ! قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَهْلًا! أَمَا عَلِمْتُمْ مَا عَهِدَ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَأَبَوْا ، فَانْطَلَقُوا ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صَرَفَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ ، فَأُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ قَتِيلًا . 8006 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، بِنَحْوِهِ .
8007 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ، فَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَقْبَلَ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ حَتَّى نَزَلَ أُحُدًا ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ ، فَاجْتَمَعُوا ، وَأَمَّرَ عَلَى الْخَيْلِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكَنَدِيُّ . وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللِّوَاءَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ : مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ . وَخَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ عَبَدَ الْمَطْلَبِ بِالْحُسْرِ ، وَبَعَثَ حَمْزَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ .
وَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ وَمَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهِلٍ . فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ وَقَالَ : اسْتَقْبِلْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَكُنْ بِإِزَائِهِ حَتَّى أُوذِنَكَ . وَأَمَرَ بِخَيْلٍ أُخْرَى ، فَكَانُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ ، فَقَالَ : لَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُوذِنَكُمْ .
وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَحْمِلُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الزُّبَيْرِ أَنْ يَحْمِلَ ، فَحَمَلَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدَ فَهَزَمَهُ وَمَنْ مَعَهُ ، كَمَا قَالَ : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ، وَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْصُرَهُمْ وَأَنَّهُ مَعَهُمْ . 8008 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ حَبَّانَ ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا - فِي قِصَّةِ ذَكَرَهَا عَنْ أُحُدٍ - ذَكَرَ أَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ حَدَّثَ بِبَعْضِهَا ، وَأَنَّ حَدِيثَهُمُ اجْتَمَعَ فِيمَا سَاقَ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ فِي ذَلِكَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ الشِّعْبَ مِنْ أُحُدٍ فِي عُدْوَةِ الْوَادِي إِلَى الْجَبَلِ ، فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إِلَى أُحُدٍ ، وَقَالَ : لَا يُقَاتِلَنَّ أَحَدٌ ، حَتَّى نَأْمُرَهُ بِالْقِتَالِ . وَقَدْ سَرَّحَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ وَالْكُرَاعَ ، فِي زُرُوعٍ كَانَتْ بِالصَّمْغَةِ مِنْ قَنَاةٍ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْقِتَالِ : أَتُرْعَى زُرُوعُ بَنِي قَيْلَةَ وَلَمَّا نُضَارِبْ! وَتَعَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقِتَالِ وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ ، وَتَعَبْأَتْ قُرَيْشٌ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ ، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ قَدْ جَنَّبُوهَا ، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهَا عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهِلٍ .
وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُعَلَمٌ بِثِيَابٍ بِيضٍ ، وَالرُّمَاةُ خَمْسُونَ رَجُلًا وَقَالَ : انْضَحْ عَنَّا الْخَيْلَ بِالنَّبْلِ ، لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا! إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَاثْبُتْ مَكَانَكَ ، لَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ . فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . وَاقْتَتَلُوا ، حَتَّى حَمِيَتِ الْحَرْبُ ، وَقَاتَلَ أَبُو دُجَانَةَ حَتَّى أَمْعَنَ فِي النَّاسِ ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبَدِ الْمَطْلَبِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبَى طَالِبٍ ، فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَصْرَهُ وَصَدَقَهُمْ وَعْدَهُ ، فَحَسُّوهُمْ بِالسُّيُوفِ حَتَّى كَشَفُوهُمْ ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ لَا شَكَّ فِيهَا . 8009 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ الزُّبَيْرُ : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَدَمِ هِنْدَ ابْنَةِ عُتْبَةَ وَصَوَاحِبُهَا مُشَمِّرَاتٌ هَوَارِبُ ، مَا دُونُ إِحْدَاهُنَّ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ ، إِذْ مَالَتِ الرُّمَاةُ إِلَى الْعَسْكَرِ حِينَ كَشَفْنَا الْقَوْمَ عَنْهُ يُرِيدُونَ النَّهْبَ ، وَخَلَّوْا ظُهُورَنَا لِلْخَيْلِ ، فَأُتِينَا مِنْ أَدْبَارِنَا . وَصَرَخَ صَارِخٌ : أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ ! فَانْكَفَأْنَا ، وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أَصَبْنَا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ ، حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ .
8010 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ، أَيْ : لَقَدْ وَفَيْتُ لَكُمْ بِمَا وَعَدَتْكُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى عَدُوِّكُمْ . 8011 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَوْلُهُ : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ، وَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ ، قَالَ لَهُمْ : إِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ ، فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ غَنَائِمِهِمْ شَيْئًا ، حَتَّى تَفْرَغُوا ! فَتَرَكُوا أَمْرَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَصَوْا ، وَوَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ ، وَنَسُوا عَهْدَهُ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ ، وَخَالَفُوا إِلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَلَقَدْ وَفَى اللَّهُ لَكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِمَا وَعَدَكُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى عَدُوِّكُمْ بِأُحُدٍ ، حِينَ تَحُسُّونَهُمْ ، يَعْنِي : حِينَ تَقْتُلُونَهُمْ .
8021 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ، يَقُولُ : تَقْتُلُونَهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِإِذْنِهِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : بِحُكْمِي وَقَضَائِي لَكُمْ بِذَلِكَ ، وَتَسْلِيطِي إِيَّاكُمْ عَلَيْهِمْ ، كَمَا : - 8022 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِي ، وَتَسْلِيطِي أَيْدِيَكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَكَفِّي أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ، حَتَّى إِذَا جَبُنْتُمْ وَضَعُفْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ، يَقُولُ : وَاخْتَلَفْتُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ ، يَقُولُ : وَعَصَيْتُمْ وَخَالَفْتُمْ نَبِيَّكُمْ ، فَتَرَكْتُمْ أَمْرَهُ وَمَا عَهِدَ إِلَيْكُمْ .
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ الرُّمَاةَ الَّذِينَ كَانَ أَمَرَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلُزُومِ مَرْكَزِهِمْ وَمَقْعَدِهِمْ مِنْ فَمِ الشِّعْبِ بِأُحُدٍ بِإِزَاءِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ فُرْسَانِ الْمُشْرِكِينَ ، الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَمْرَهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : مِنْ بَعْدِ الَّذِي أَرَاكُمُ اللَّهُ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ، مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِالْمُشْرِكِينَ ، وَذَلِكَ هُوَ الْهَزِيمَةُ الَّتِي كَانُوا هَزَمُوهُمْ عَنْ نِسَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَبْلَ تَرْكِ الرُّمَاةِ مَقَاعِدَهُمُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْعَدَهُمْ فِيهَا ، وَقَبْلَ خُرُوجِ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ قَالَ : وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ بَعْضِ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ قَوْلُهُ فِيمَا مَضَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8023 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ، أَيِ اخْتَلَفْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ، وَذَاكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ ، عَهِدَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ فَنَسُوا الْعَهْدَ ، وَجَاوَزُوا ، وَخَالَفُوا مَا أَمَرَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَذَفَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ ، بَعْدَ مَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ مَا يُحِبُّونَ . 8024 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ نَاسًا مِنَ النَّاسِ - يَعْنِي : يَوْمَ أُحُدٍ - فَكَانُوا مِنْ وَرَائِهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُونُوا هَاهُنَا ، فَرُدُّوا وَجْهَ مَنْ فَرَّ مِنَّا ، وَكُونُوا حَرَسًا لَنَا مِنْ قِبَلِ ظُهُورِنَا .
وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَزَمَ الْقَوْمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ الَّذِينَ كَانُوا جُعِلُوا مِنْ وَرَائِهِمْ ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، لَمَّا رَأَوُا النِّسَاءَ مُصْعِدَاتٍ فِي الْجَبَلِ وَرَأَوُا الْغَنَائِمَ ، قَالُوا : انْطَلِقُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرِكُوا الْغَنِيمَةَ قَبْلَ أَنْ تُسْبَقُوا إِلَيْهَا ! وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : بَلْ نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَثْبُتُ مَكَانَنَا ! فَذَلِكَ قَوْلُهُ : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ، لِلَّذِينِ أَرَادُوا الْغَنِيمَةَ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ، لِلَّذِينِ قَالُوا : نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَثْبُتُ مَكَانَنَا . فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ فَشَلًا حِينَ تَنَازَعُوا بَيْنَهُمْ يَقُولُ : وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ، كَانُوا قَدْ رَأَوُا الْفَتْحَ وَالْغَنِيمَةَ . 8025 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ، يَقُولُ : جَبُنْتُمْ عَنْ عَدُوِّكُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ، يَقُولُ : اخْتَلَفْتُمْ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ، وَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ لَهُمْ : إِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ ، فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ غَنَائِمِهِمْ شَيْئًا حَتَّى تَفْرَغُوا ، فَتَرَكُوا أَمْرَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَصَوْا ، وَوَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ ، وَنَسُوا عَهْدَهُ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ ، وَخَالَفُوا إِلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، فَانْقَذَفَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ ، مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاهُمْ فِيهِمْ مَا يُحِبُّونَ .
8029 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْحَسَنِ : مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ، يَعْنِي : مِنَ الْفَتْحِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ : حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ حَتَّى إِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ فَشِلْتُمْ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ وَأَنَّهُ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ ، وَإِنَّ الْوَاوَ دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ ، وَمَعْنَاهَا السُّقُوطُ ، كَمَا يُقَالُ ، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾وَنَادَيْنَاهُ [ سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 103 - 104 ] مَعْنَاهُ : نَادَيْنَاهُ . وَهَذَا مَقُولٌ فِي : ( حَتَّى إِذَا ) وَفِي ( فَلَمَّا أَنْ ) .
[ لَمْ يَأْتِ فِي غَيْرِ هَذَيْنَ ] . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ثُمَّ قَالَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 96 - 97 ] . وَمَعْنَاهُ : اقْتَرَبَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : حَتَّى إِذَا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ وَرَأَيْتُمُ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا وَقَلَبْتُمْ ظَهْرَ الْمِجَنِّ لَنَا إِنَّ اللَّئِيمَ الْعَاجِزَ الْخَبُّ الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ، الَّذِينَ تَرَكُوا مَقْعَدَهُمُ الَّذِي أَقْعَدَهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ لِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَحِقُوا بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ طَلَبَ النَّهْبِ إِذْ رَأَوْا هَزِيمَةَ الْمُشْرِكِينَ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ : الَّذِينَ ثَبَتُوا مِنَ الرُّمَاةِ فِي مَقَاعِدِهِمِ الَّتِي أَقْعَدَهُمْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَهُ ، مُحَافَظَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ .
فَلَمَّا لَقِيَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، هَزَمَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَلَمَّا رَأَى الْمُسَلَّحَةُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هَزَمَ الْمُشْرِكِينَ ، انْطَلَقَ بَعْضُهُمْ وَهُمْ يَتَنَادَوْنَ : الْغَنِيمَةَ! الْغَنِيمَةَ! لَا تَفُتْكُمْ ! وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ مَكَانُهُمْ ، وَقَالُوا : لَا نَرِيمُ مَوْضِعَنَا حَتَّى يَأْذَنَ لَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! . فَفِي ذَلِكَ نَزَلَ : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ : مَا شَعُرْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَعَرَضَهَا ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ . 8033 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، قَالَ الرُّمَاةُ : أَدْرِكُوا النَّاسَ وَنَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْبِقُوكُمْ إِلَى الْغَنَائِمِ ، فَتَكُونُ لَهُمْ دُونَكُمْ ! وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نَرِيمُ حَتَّى يَأْذَنَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَنَزَلَتْ : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، قَالَ : ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَعَرَضَهَا ، حَتَّى كَانَ يَوْمَئِذٍ . 8034 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْحَسَنِ : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجْتَرُّونَ الْغَنَائِمَ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ، الَّذِينَ يَتْبَعُونَهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ . 8035 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى نَزَلَ فِينَا يَوْمَ أُحُدٍ : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ .
8039 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ، أَيِ : الَّذِينَ أَرَادُوا النَّهْبَ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا وَتَرْكَ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ الَّتِي عَلَيْهَا ثَوَابُ الْآخِرَةُ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، أَيِ : الَّذِي جَاهَدُوا فِي اللَّهِ لَمْ يُخَالِفُوا إِلَى مَا نُهُوا عَنْهُ لِعَرْضٍ مِنَ الدُّنْيَا رَغْبَةً فِيهَا ، رَجَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ صَرَفَكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، عَنِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ فِيهِمْ وَفِي أَنْفُسِكُمْ ، مِنْ هَزِيمَتِكُمْ إِيَّاهُمْ وَظُهُورِكُمْ عَلَيْهِمْ ، فَرَدَّ وُجُوهَكُمْ عَنْهُمْ لِمَعْصِيَتِكُمْ أَمْرَ رَسُولِي ، وَمُخَالَفَتِكُمْ طَاعَتَهُ ، وَإِيثَارِكُمُ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ، - عُقُوبَةً لَكُمْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ ، لِيَبْتَلِيَكُمْ ، يَقُولُ : لِيَخْتَبِرَكُمْ ، فَيَتَمَيَّزُ الْمُنَافِقُ مِنْكُمْ مِنَ الْمُخْلِصِ الصَّادِقِ فِي إِيمَانِهِ مِنْكُمْ . كَمَا : - 8040 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ثُمَّ ذَكَرَ حِينَ مَالَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ .
8041 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ مُبَارَكٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ، قَالَ : صَرَفَ الْقَوْمَ عَنْهُمْ ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِعِدَّةِ مَنْ أَسَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقُتِلَ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ ، وَكَانَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ ؟ فَنَزَلَتْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 128 ] ، الْآيَةَ . فَقَالُوا : أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَنَا النَّصْرَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ . 8042 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ، أَيْ : صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ ، وَذَلِكَ بِبَعْضِ ذُنُوبِكُمْ .