الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : لَقَدْ تَطَوَّلَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا ، حِينَ أَرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، نَبِيًّا مِنْ أَهْلِ لِسَانِهِمْ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ لِسَانِهِمْ فَلَا يَفْقَهُوا عَنْهُ مَا يَقُولُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ، يَقُولُ : يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ آيَ كِتَابِهِ وَتَنْزِيلِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ، يَعْنِي : يُطَهِّرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ وَطَاعَتِهِمْ لَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، يَعْنِي : وَيَعْلَمُهُمْ كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ تَأْوِيلَهُ وَمَعَانِيهِ وَالْحِكْمَةَ ، وَيَعْنِي بِالْحِكْمَةِ ، السُّنَّةَ الَّتِي سَنَّهَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَيَانِهِ لَهُمْ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، يَعْنِي : وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِهِ رَسُولَهُ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ، يَقُولُ : فِي جَهَالَةٍ جَهْلَاءَ ، وَفِي حَيْرَةٍ عَنِ الْهُدَى عَمْيَاءَ ، لَا يَعْرِفُونَ حَقًّا ، وَلَا يُبْطِلُونَ بَاطِلًا . وَقَدْ بَيَّنَّا أَصْلَ الضَّلَالَةِ فِيمَا مَضَى ، وَأَنَّهُ الْأَخْذُ عَلَى غَيْرِ هُدَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَ الْمُبِينُ ، الَّذِي يُبَيِّنُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ بِعَقْلِهِ وَتَدَبَّرَهُ بِفَهْمِهِ ، أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ وَلَا هُدَى .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8177 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ وَلَا رَغْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، جَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لَهُمْ لِيُخْرِجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ قَوْلُهُ : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، الْحِكْمَةُ ، السُّنَّةُ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، لَيْسَ وَاللَّهِ كَمَا تَقُولُ أَهْلُ حَرُورَاءَ : مِحْنَةٌ غَالِبَةٌ ، مَنْ أَخْطَأَهَا أُهْرِيقَ دَمُهُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَعْلَمُونَ فَعَلَّمَهُمْ ، وَإِلَى قَوْمٍ لَا أَدَبَ لَهُمْ فَأَدَّبَهُمْ . 8178 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، إِلَى قَوْلِهِ : لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، أَيْ : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ ، إِذْ بَعَثَ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيكُمْ فِيمَا أَحْدَثْتُمْ وَفِيمَا عَمِلْتُمْ ، وَيُعَلِّمُكُمُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ ، لِتَعْرِفُوا الْخَيْرَ فَتَعْمَلُوا بِهِ ، وَالشَّرَّ فَتَتَّقُوهُ ، وَيُخْبِرُكُمْ بِرِضَاهُ عَنْكُمْ إِذْ أَطَعْتُمُوهُ ، لِتَسْتَكْثِرُوا مِنْ طَاعَتِهِ ، وَتَجْتَنِبُوا مَا سَخِطَ مِنْكُمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ ، فَتَتَخَلَّصُوا بِذَلِكَ مِنْ نِقْمَتِهِ ، وَتُدْرِكُوا بِذَلِكَ ثَوَابَهُ مِنْ جَنَّتِهِ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ، أَيْ : فِي عَمْيَاءَ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ ، لَا تَعْرِفُونَ حَسَنَةً وَلَا تَسْتَغْفِرُونَ مِنْ سَيِّئَةٍ ، صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ ، عُمْيٌ عَنِ الْهُدَى .