الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ "
8574 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ، قَالَ : اخْتَبِرُوهُمْ . 8575 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ، قَالَ : اخْتَبِرُوهُ فِي رَأْيِهِ وَفِي عَقْلِهِ كَيْفَ هُوَ . إِذَا عُرِفَ أَنَّهُ قَدْ أُنِسَ مِنْهُ رُشْدٌ ، دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ .
قَالَ : وَذَلِكَ بَعْدَ الِاحْتِلَامِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ الِاخْتِبَارُ ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ : كَمَا : - 8576 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ، حَتَّى إِذَا احْتَلَمُوا .
يُقَالُ : آنَسْتُ مِنْ فُلَانٍ خَيْرًا - وَبِرًّا بِمَدِّ الْأَلِفِ إِينَاسًا ، وَ أَنِسْتُ بِهِ آنَسُ أُنْسًا ، بِقَصْرِ أَلِفِهَا ، إِذَا أَلِفَهُ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( فَإِنْ أَحْسَيْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ) ، بِمَعْنَى : أَحْسَسْتُمْ ، أَيْ : وَجَدْتُمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى : الرُّشْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى الرُّشْدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْعَقْلُ وَالصَّلَاحُ فِي الدِّينِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8580 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ، عُقُولًا وَصَلَاحًا . 8581 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ، يَقُولُ : صَلَاحًا فِي عَقْلِهِ وَدِينِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : صَلَاحًا فِي دِينِهِمْ ، وَإِصْلَاحًا لِأَمْوَالِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8582 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُبَارَكٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : رُشْدًا فِي الدِّينِ ، وَصَلَاحًا ، وَحِفْظًا لِلْمَالِ . 8583 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ، فِي حَالِهِمْ ، وَالْإِصْلَاحَ فِي أَمْوَالِهِمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْعَقْلُ ، خَاصَّةً . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8584 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَا نَدْفَعُ إِلَى الْيَتِيمِ مَالَهُ وَإِنْ أُخِذَ بِلِحْيَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ شَيْخًا ، حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدُهُ ، الْعَقْلُ . 8585 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ، قَالَ : الْعَقْلُ .
8586 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو شُبْرُمَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْخُذُ بِلِحْيَتِهِ وَمَا بَلَغَ رُشْدَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الصَّلَاحُ وَالْعِلْمُ بِمَا يُصْلِحُهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8587 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ، قَالَ : صَلَاحًا وَعِلْمًا بِمَا يُصْلِحُهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِمَعْنَى الرُّشْدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْعَقْلُ وَإِصْلَاحُ الْمَالِ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، وَحَوْزَ مَا فِي يَدِهِ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فِي دِينِهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنَ الْجَمِيعِ ، فَكَذَلِكَ حُكْمُهُ إِذَا بَلَغَ وَلَهُ مَالٌ فِي يَدَيْ وَصِيِّ أَبِيهِ ، أَوْ فِي يَدِ حَاكِمٍ قَدْ وَلِيَ مَالَهُ لِطُفُولَتِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ مَالِهِ إِلَيْهِ ، إِذَا كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا ، مُصْلِحًا لِمَالِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوَلَّى عَلَى مَالِهِ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ ، هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَمْنَعَ يَدَهُ مِنْ مَالِهِ الَّذِي هُوَ فِي يَدِ وَلِيٍّ ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ . وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ حِيَازَةُ مَا فِي يَدِهِ فِي حَالِ صِحَّةِ عَقْلِهِ وَإِصْلَاحِ مَا فِي يَدِهِ ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ مَنْعُ يَدِهِ مِمَّا هُوَ لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي يَدِ غَيْرِهِ ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا .
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ ، عُكِسَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ ، وَسُئِلَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ ، فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ . فَإِذْ كَانَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْجَمِيعِ إِجْمَاعًا ، فَبَيِّنٌ أَنَّ الرُّشْدَ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ الْيَتِيمُ ، إِذَا بَلَغَ فَأُونِسَ مِنْهُ ، دَفْعَ مَالِهِ إِلَيْهِ ، مَا قُلْنَا مِنْ صِحَّةِ عَقْلِهِ وَإِصْلَاحِ مَالِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وُلَاةَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى .
يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ : فَإِذَا بَلَغَ أَيْتَامُكُمُ الْحُلُمَ ، فَآنَسْتُمْ مِنْهُمْ عَقْلًا وَإِصْلَاحًا لِأَمْوَالِهِمْ ، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ، وَلَا تَحْبِسُوهَا عَنْهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا ، يَعْنِي : بِغَيْرِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَكَ ، كَمَا : - 8588 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ : وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا ، يَقُولُ : لَا تُسْرِفْ فِيهَا . 8589 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا ، قَالَ : يُسْرِفْ فِي الْأَكْلِ .
وَأَصْلُ الْإِسْرَافِ : تَجَاوُزُ الْحَدِّ الْمُبَاحِ إِلَى مَا لَمْ يُبَحْ . وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْإِفْرَاطِ ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي التَّقْصِيرِ . غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْإِفْرَاطِ ، فَاللُّغَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ : أَسْرَفَ يُسْرِفُ إِسْرَافًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فِي التَّقْصِيرِ ، فَالْكَلَامُ مِنْهُ : سَرِفَ يَسْرَفُ سَرَفًا ، يُقَالُ : مَرَرْتُ بِكُمْ فَسَرَفْتُكُمْ ، يُرَادُ مِنْهُ : فَسَهَوْتُ عَنْكُمْ وَأَخْطَأْتُكُمْ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَعْطُوا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلَا سَرَفُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَلَا سَرَفُ ، لَا خَطَأَ فِيهِ ، يُرَادُ بِهِ : أَنَّهُمْ يُصِيبُونَ مَوَاضِعَ الْعَطَاءِ فَلَا يُخْطِئُونَهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَبِدَارًا ، وَمُبَادَرَةً . وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : بَادَرْتُ هَذَا الْأَمْرَ مُبَادَرَةً وَبِدَارًا . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وُلَاةَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى .
8593 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : إِسْرَافًا وَبِدَارًا ، قَالَ : هَذِهِ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ يَأْكُلُهُ ، جَعَلُوا لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ ، إِذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَضَعُ يَدَهُ مَعَهُ ، فَيَذْهَبُ يُؤَخِّرُهُ ، يَقُولُ : لَا أَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالَهُ ، وَجَعَلْتَ تَأْكُلَهُ تَشْتَهِي أَكْلَهُ ، لِأَنَّكَ إِذَا لَمْ تَدْفَعْهُ إِلَيْهِ لَكَ فِيهِ نَصِيبٌ ، وَإِذَا دَفَعَتَهُ إِلَيْهِ فَلَيْسَ لَكَ فِيهِ نَصِيبٌ . وَمَوْضِعُ أَنْ فِي قَوْلِهِ : أَنْ يَكْبَرُوا نَصْبٌ بِ الْمُبَادَرَةِ ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : لَا تَأْكُلُوهَا مُبَادَرَةَ كِبَرِهِمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا ، مِنْ وُلَاةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى عَلَى أَمْوَالِهِمْ ، فَلْيَسْتَعْفِفْ بِمَالِهِ عَنْ أَكْلِهَا - بِغَيْرِ الْإِسْرَافِ وَالْبِدَارِ أَنْ يَكْبُرُوا - بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ أَكْلَهَا بِهِ ، كَمَا : - 8594 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ، قَالَ : بِغِنَاهُ مِنْ مَالِهِ ، حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ مَالِ الْيَتِيمِ .
8595 - وَبِهِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ بِغِنَاهُ . 8596 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، قَالَ : مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا مِنْهُمْ ، إِلَيْهَا مُحْتَاجًا ، فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْرُوفِ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِوُلَاةِ أَمْوَالِهِمْ أَكْلَهَا بِهِ ، إِذَا كَانُوا أَهْلَ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ إِلَيْهَا .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ هُوَ الْقَرْضُ يَسْتَقْرِضُهُ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ يَقْضِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8597 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ وَإِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنِّي أَنْزَلْتُ مَالَ اللَّهِ تَعَالَى مِنِّي بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْيَتِيمِ ، إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ ، وَإِنِ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ . 8598 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ زُهَيْرٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، قَالَ : وَهُوَ الْقَرْضُ .
وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا تَحَلَّلَهُ مِنْ وَلِيِّهِ . 8609 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : فَلْيَأْكُلْ قَرْضًا . 8610 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، قَالَ : هُوَ الْقَرْضُ .
8619 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : إِذَا احْتَاجَ الْوَلِيُّ أَوِ افْتَقَرَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، أَكَلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَكَتَبَهُ ، فَإِنْ أَيْسَرَ قَضَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يُوسِرْ حَتَّى تَحْضُرَهُ الْوَفَاةُ ، دَعَا الْيَتِيمَ فَاسْتَحَلَّ مِنْهُ مَا أَكَلَ . 8620 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ، بِغَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيمَا أَكَلَ مِنْهُ . وَاخْتَلَفَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ فِي مَعْنَى : أَكَلَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِهِ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ ، وَلَا يَلْبَسُ مِنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8621 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، قَالَ : بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ . 8622 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَمَّنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمَعْرُوفُ فِي ذَلِكَ : أَنْ يَأْكُلَ مَا يَسُدُّ جُوعَهُ ، وَيَلْبَسُ مَا وَارَى الْعَوْرَةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8626 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِنَّ الْمَعْرُوفَ لَيْسَ بِلُبْسِ الْكَتَّانِ وَلَا الْحُلَلِ ، وَلَكِنْ مَا سَدَّ الْجُوعَ وَوَارَى الْعَوْرَةَ . 8627 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ يُقَالُ : لَيْسَ الْمَعْرُوفُ بِلُبْسِ الْكَتَّانِ وَالْحُلَلِ ، وَلَكِنَّ الْمَعْرُوفَ مَا سَدَّ الْجُوعَ وَوَارَى الْعَوْرَةَ .
8628 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَهُ . 8629 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْبَدٍ قَالَ : سُئِلَ مَكْحُولٌ عَنْ وَالِي الْيَتِيمِ ، مَا أَكْلُهُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا؟ قَالَ : يَدُهُ مَعَ يَدِهِ . قِيلَ لَهُ : فَالْكُسْوَةُ؟ قَالَ : يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِهِ ، فَأَمَّا أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ مَالِهِ مَالًا لِنَفْسِهِ فَلَا .
8630 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، قَالَ : مَا سَدَّ الْجُوعَ وَوَارَى الْعَوْرَةَ . أَمَّا إِنَّهُ لَيْسَ لَبُوسَ الْكَتَّانِ وَالْحُلَلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْمَعْرُوفُ ، أَكْلُ تَمْرِهِ ، وَشُرْبُ رِسْلِ مَاشِيَتِهِ ، بِقِيَامِهِ عَلَى ذَلِكَ ، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُمَا إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ .
8637 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، قَالَ : إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنَ التَّمْرِ ، وَشَرِبَ مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَصَابَ مِنَ الرِّسْلِ . 8638 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَمَّ ثَابِتِ بْنِ رِفَاعَةَ وَثَابِتٌ يَوْمَئِذٍ يَتِيمٌ فِي حِجْرِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ ، أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ ابْنَ أَخِي يَتِيمٌ فِي حِجْرِي ، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ : أَنْ تَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ ، وَلَا تَتَّخِذَ مِنْ مَالِهِ وَفْرًا . وَكَانَ الْيَتِيمُ يَكُونُ لَهُ الْحَائِطُ مِنَ النَّخْلِ ، فَيَقُومُ وَلِيُّهُ عَلَى صَلَاحِهِ وَسَقْيِهِ ، فَيُصِيبُ مِنْ تَمْرَتِهِ ، أَوْ تَكُونُ لَهُ الْمَاشِيَةُ ، فَيَقُومُ وَلِيُّهُ عَلَى صَلَاحِهَا ، أَوْ يَلِي عِلَاجَهَا وَمَئُونَتَهَا ، فَيُصِيبُ مِنْ جُزَازِهَا وَعَوَارِضِهَا وَرِسْلِهَا .
فَأَمَّا رِقَابُ الْمَالِ وَأُصُولِ الْمَالِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ . 8639 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، يَعْنِي رُكُوبَ الدَّابَّةِ وَخِدْمَةَ الْخَادِمِ . فَإِنْ أَخَذَ مِنْ مَالِهِ قَرْضًا فِي غِنًى ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، إِذَا كَانَ يَلِي ذَلِكَ ، وَإِنْ أَتَى عَلَى الْمَالِ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8640 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ صُبَيْحٍ ، عَنْ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ جَمِيعًا ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَّا يَصْلُحُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ قَالَ : إِنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ . 8641 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ : يَحِلُّ لِوَلِيِ الْأَمْرِ مَا يَحِلُّ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ .
8651 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : وَالِي الْيَتِيمِ ، إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا ، يَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ لِقِيَامِهِ بِمَالِهِ . 8652 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، قَالَ : إِنِ اسْتَغْنَى كَفَّ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ . قَالَ : أَكَلَ بِيَدِهِ مَعَهُمْ ، لِقِيَامِهِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ، وَحِفْظِهِ إِيَّاهَا ، يَأْكُلُ مِمَّا يَأْكُلُونَ مِنْهُ .
وَإِنِ اسْتَغْنَى كَفَّ عَنْهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْمَعْرُوفُ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْرَاضِ مِنْهُ فَأَمَّا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ أَكْلُهُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ وَالِيَ الْيَتِيمِ لَا يَمْلِكُ مِنْ مَالِ يَتِيمِهِ إِلَّا الْقِيَامَ بِمَصْلَحَتِهِ .
فَلَمَّا كَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مَالِكِهِ ، وَكَانَ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَهْلِكَ مَالَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ، يَتِيمًا كَانَ رَبُّ الْمَالِ أَوْ مُدْرِكًا رَشِيدًا وَكَانَ عَلَيْهِ إِنْ تَعَدَّى فَاسْتَهْلَكَهُ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، ضَمَانُهُ لِمَنِ اسْتَهْلَكَهُ عَلَيْهِ ، بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْجَمِيعِ وَكَانَ وَالِي الْيَتِيمِ سَبِيلُهُ سَبِيلَ غَيْرِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَالَ يَتِيمِهِ كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ قَضَائِهِ إِذَا أَكَلَ مِنْهُ ، سَبِيلُهُ سَبِيلُ غَيْرِهِ ، وَإِنْ فَارَقَهُ فِي أَنَّ لَهُ الِاسْتِقْرَاضَ مِنْهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، كَمَا لَهُ الِاسْتِقْرَاضُ عَلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَى مَا يَسْتَقْرِضُ عَلَيْهِ ، إِذَا كَانَ قَيِّمًا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتَهُ . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا عَنَى بِالْمَعْرُوفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، أَكْلَ وَالِي الْيَتِيمِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ، لِقِيَامِهِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَاضِ عَلَى عَمَلِهِ وَسَعْيِهِ . لِأَنَّ لِوَالِي الْيَتِيمِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ مِنْهُ لِلْقِيَامِ بِأُمُورِهِ ، إِذَا كَانَ الْيَتِيمُ مُحْتَاجًا إِلَى ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ ، كَمَا يَسْتَأْجِرُ لَهُ غَيْرَهُ مِنَ الْأُجَرَاءِ ، وَكَمَا يَشْتَرِي لَهُ مَنْ يُعِينُهُ ، غَنِيًّا كَانَ الْوَالِي أَوْ فَقِيرًا .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، عَلَى أَنَّ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ إِنَّمَا أَذِنَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ مِنْ وُلَاتِهِ فِي حَالِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ وَكَانَتِ الْحَالُ الَّتِي لِلْوُلَاةِ أَنْ يُؤَجِّرُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْأَيْتَامِ مَعَ حَاجَةِ الْأَيْتَامِ إِلَى الْأُجَرَاءِ ، غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِهَا حَالَ غِنًى وَلَا حَالَ فَقْرٍ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أُبِيحَ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ أَيْتَامِهِمْ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ ، غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي أُبِيحَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيهِ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ . وَمَنْ أَبَى مَا قُلْنَا ، مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَكْلَ مَالِ يَتِيمِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقَرْضِ ، اسْتِدْلَالًا بِهَذِهِ الْآيَةِ قِيلَ لَهُ : أَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْتَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ؟ فَإِنْ قَالَ : لَا! قِيلَ لَهُ : فَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ مَالَ يَتِيمِهِ؟ فَإِنْ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُ بِأَكْلِهِ! قِيلَ لَهُ : أَذِنَ لَهُ بِأَكْلِهِ مُطْلَقًا أَمْ بِشَرْطٍ؟ فَإِنْ قَالَ : بِشَرْطٍ ، وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَهُ بِالْمَعْرُوفِ . قِيلَ لَهُ : وَمَا ذَلِكَ الْمَعْرُوفُ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ الْقَائِلِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَكْلُهُ قَرْضًا وَسَلَفًا؟ وَيُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ : أَرَأَيْتَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مِنَ الْمَجَانِينِ وَالْمَعَاتِيهِ ، أَلِوُلَاةِ أَمْوَالِهِمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقَرْضِ لَا الِاعْتِيَاضِ مِنْ قِيَامِهِمْ بِهَا ، كَمَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى فَأَبَحْتُمُوهَا لَهُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا : ذَلِكَ لَهُمْ خَرَجُوا مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْحُجَّةِ .
وَإِنْ قَالُوا : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ . قِيلَ لَهُمْ : فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ الْيَتَامَى ، وَحُكْمُ وُلَاتِهِمْ وَاحِدٌ : فِي أَنَّهُمْ وُلَاةُ أَمْوَالِ غَيْرِهِمْ؟ فَلَنْ يَقُولُوا فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمُوا فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ . وَيُسْأَلُونَ كَذَلِكَ عَنِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ : هَلْ لِمَنْ يَلِي مَالَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَالَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ؟ نَحْوَ سُؤَالِنَاهُمْ عَنْ أَمْوَالِ الْمَجَانِينِ وَالْمَعَاتِيهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِذَا دَفَعْتُمْ ، يَا مَعْشَرَ وُلَاةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ، إِلَى الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ، يَقُولُ : فَأَشْهِدُوا عَلَى الْأَيْتَامِ بِاسْتِيفَائِهِمْ ذَلِكَ مِنْكُمْ ، وَدَفْعِكُمُوهُ إِلَيْهِمْ ، كَمَا : - 8653 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ، يَقُولُ : إِذَا دَفَعَ إِلَى الْيَتِيمِ مَالَهُ ، فَلْيَدْفَعْهُ إِلَيْهِ بِالشُّهُودِ ، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ( 6 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَفَى بِاللَّهِ كَافِيًا مِنَ الشُّهُودِ الَّذِينَ يُشْهِدُهُمْ وَالِي الْيَتِيمِ عَلَى دَفْعِهِ مَالَ يَتِيمِهِ إِلَيْهِ ، كَمَا : - 8654 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ، يَقُولُ : شَهِيدًا . يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ أَحْسَبُنِي الَّذِي عِنْدِي ، يُرَادُ بِهِ : كَفَانِي .
وَسُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ : لَأَحْسِبَنَّكُمْ مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ يَعْنِي بِهِ : مِنَ الْمَاءِ وَالتَّمْرِ وَالْمُحْسِبُ مِنَ الرِّجَالِ : الْمُرْتَفِعُ الْحَسَبِ ، وَالْمُحْسَبُ ، الْمَكْفِيُّ .