الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السُّفَهَاءِ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ أَنْ يُؤْتُوهُمْ أَمْوَالَهُمْ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8523 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : الْيَتَامَى وَالنِّسَاءُ .
8527 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، قَالَ : السُّفَهَاءُ ابْنُكَ السَّفِيهُ ، وَامْرَأَتُكَ السَّفِيهَةُ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اتَّقُوا اللَّهَ فِي الضَّعِيفَيْنِ ، الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ . 8528 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِي قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيِّ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : يَرُدُّهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ .
8538 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، قَالَ : امْرَأَتَكَ وَبَنِيكَ وَقَالَ : السُّفَهَاءُ ، الْوِلْدَانُ ، وَالنِّسَاءُ أَسْفَهُ السُّفَهَاءِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السُّفَهَاءُ ، الصِّبْيَانُ خَاصَّةً . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8539 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، قَالَ : هُمُ الْيَتَامَى .
8540 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : السُّفَهَاءُ ، الْيَتَامَى . 8541 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، يَقُولُ : لَا تَنْحِلُوا الصِّغَارَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ : السُّفَهَاءَ مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ .
8545 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ زَيْدٍ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الْآيَةَ ، قَالَ : لَا تُعْطِ السَّفِيهَ مِنْ وَلَدِكَ رَأْسًا وَلَا حَائِطًا ، وَلَا شَيْئًا هُوَ لَكَ قَيِّمًا مِنْ مَالِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السُّفَهَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، النِّسَاءُ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8546 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أَنَّ رَجُلًا عَمَدَ فَدَفَعَ مَالَهُ إِلَى امْرَأَتِهِ ، فَوَضَعَتْهُ فِي غَيْرِ الْحَقِّ ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ .
8553 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ مُوَرَّقٍ قَالَ : مَرَّتِ امْرَأَةٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَهَا شَارَةٌ وَهَيْئَةٌ ، فَقَالَ لَهَا ابْنُ عُمَرَ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدَنَا ، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، فَلَمْ يُخَصِّصْ سَفِيهًا دُونَ سَفِيهٍ . فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يُؤْتِيَ سَفِيهًا مَالَهُ ، صَبِيًّا صَغِيرًا كَانَ أَوْ رَجُلًا كَبِيرًا ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى .
وَ السَّفِيهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُؤْتِيَهُ مَالَهُ ، هُوَ الْمُسْتَحِقُّ الْحَجْرَ بِتَضْيِيعِهِ مَالَهُ وَفَسَادِهِ وَإِفْسَادِهِ وَسُوءِ تَدْبِيرِهِ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا مَا قُلْنَا ، مِنْ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ هُوَ مَنْ وَصَفْنَا دُونَ غَيْرِهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَتْلُوهَا : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ، فَأَمَرَ أَوْلِيَاءَ الْيَتَامَى بِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ وَأُونِسَ مِنْهُمُ الرُّشْدُ ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْيَتَامَى الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ ، فَلَمْ يُخَصِّصْ بِالْأَمْرِ بِدَفْعِ مَا لَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ ، الذُّكُورَ دُونَ الْإِنَاثِ ، وَلَا الْإِنَاثَ دُونَ الذُّكُورِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ أُمِرَ أَوْلِيَاؤُهُمْ بِدَفْعِهِمْ أَمْوَالَهُمْ ، إِلَيْهِمْ ، وَأُجِيزَ لِلْمُسْلِمِينَ مُبَايَعَتُهُمْ وَمُعَامَلَتُهُمْ ، غَيْرُ الَّذِينَ أُمِرَ أَوْلِيَاؤُهُمْ بِمَنْعِهِمْ أَمْوَالَهُمْ ، وَحُظِرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُدَايَنَتُهُمْ وَمُعَامَلَتُهُمْ .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ أَنَّ السُّفَهَاءَ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْتُوهُمْ أَمْوَالَهُمْ ، هُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ الْحَجْرَ وَالْمُسْتَوْجَبُونَ أَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ ، وَهُمْ مَنْ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ قَبْلُ ، وَأَنَّ مَنْ عَدَا ذَلِكَ فَغَيْرُ سَفِيهٍ ، لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ قَدْ بَلَغَ وَأُونِسَ رُشْدُهُ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِالسُّفَهَاءِ النِّسَاءَ خَاصَّةً ، فَإِنَّهُ جَعَلَ اللُّغَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا . وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تَجْمَعُ فَعِيلًا عَلَى فُعَلَاءَ إِلَّا فِي جَمْعِ الذُّكُورِ ، أَوِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ .
وَأَمَّا إِذَا أَرَادُوا جَمْعَ الْإِنَاثِ خَاصَّةً لَا ذُكْرَانَ مَعَهُمْ ، جَمَعُوهُ عَلَى : فَعَائِلَ وَ فَعِيلَاتٍ ، مِثْلَ : غَرِيبَةٍ ، تُجْمَعُ غَرَائِبَ وَ غَرِيبَاتٍ ، فَأَمَّا الْغُرَبَاءُ ، فَجَمْعُ غَرِيبٍ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ : لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ قَبْلُ أَيُّهَا الرُّشَدَاءُ ، أَمْوَالَكُمُ الَّتِي تَمْلِكُونَهَا ، فَتُسَلِّطُوهُمْ عَلَيْهَا فَيُفْسِدُوهَا وَيُضَيِّعُوهَا ، وَلَكِنِ ارْزُقُوهُمْ أَنْتُمْ مِنْهَا إِنْ كَانُوا مِمَّنْ تَلْزَمُكُمْ نَفَقَتُهُ ، وَاكْسُوهُمْ ، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ، مِنْهُمْ : أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَحَضْرَمِيٌّ ، وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ الْآخَرِينَ الَّذِينَ لَمْ يُذْكَرْ قَوْلُهُمْ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّهُ أُضِيفَ إِلَى الْوُلَاةِ ، لِأَنَّهُمْ قُوَّامُهَا وَمُدَبِّرُوهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8557 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، [ هُوَ مَالُ الْيَتِيمِ يَكُونُ عِنْدَكَ ، يَقُولُ : لَا تُؤْتِهِ إِيَّاهُ ، وَأَنْفِقْهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ . وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ فَقَالَ : أَمْوَالَكُمْ ، لِأَنَّهُمْ قُوَّامُهَا وَمُدَبِّرُوهَا ] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، أَمْوَالُ الْمَنْهِيِّينَ عَنْ أَنْ يُؤْتُوهُمْ ذَلِكَ ، وَأَمْوَالُ السُّفَهَاءِ . لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَمْوَالَكُمْ غَيْرُ مَخْصُوصٍ مِنْهَا بَعْضُ الْأَمْوَالِ دُونَ بَعْضٍ . وَلَا تَمْنَعُ الْعَرَبُ أَنْ تُخَاطِبَ قَوْمًا خِطَابًا ، فَيَخْرُجُ الْكَلَامُ بَعْضُهُ خَبَرٌ عَنْهُمْ ، وَبَعْضُهُ عَنْ غَيْبٍ ، وَذَلِكَ نَحْوَ أَنْ يَقُولُوا : أَكَلْتُمْ يَا فُلَانُ أَمْوَالَكُمْ بِالْبَاطِلِ ، فَيُخَاطِبُ الْوَاحِدَ خِطَابَ الْجَمْعِ ، بِمَعْنَى : أَنَّكَ وَأَصْحَابَكَ أَوْ وَقَوْمَكَ أَكَلْتُمْ أَمْوَالَكُمْ .
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ ، مَعْنَاهُ : لَا تُؤْتُوا أَيُّهَا النَّاسُ ، سُفَهَاءَكُمْ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي بَعْضُهَا لَكُمْ وَبَعْضُهَا لَهُمْ ، فَيُضَيِّعُوهَا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ عَمَّ بِالنَّهْيِ عَنْ إِيتَاءِ السُّفَهَاءِ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ ، كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ، إِنَّمَا هُوَ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَهُمْ قِيَامًا ، وَلَكِنَّ السُّفَهَاءَ دَخَلَ ذِكْرُهُمْ فِي ذِكْرِ الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : لَكُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ، فَإِنَّ قِيَامًا وَ قِيَمًا وَ قِوَامًا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ .
وَإِنَّمَا الْقِيَامُ أَصْلُهُ الْقَوَامُ ، غَيْرَ أَنَّ الْقَافَ الَّتِي قَبْلَ الْوَاوِ لَمَّا كَانَتْ مَكْسُورَةً ، جُعِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا ، كَمَا يُقَالُ : صُمْتُ صِيَامًا ، وَصُلْتُ صِيَالًا ، وَيُقَالُ مِنْهُ : فُلَانٌ قَوَامُ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ قِيَامُ أَهْلِ بَيْتِهِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْيَاءِ بِغَيْرِ أَلِفٍ .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : قِيَامًا بِأَلِفٍ . قَالَ مُحَمَّدٌ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي نَخْتَارُهَا : قِيَامًا بِالْأَلِفِ ، لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي قِرَاءَةِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى غَيْرَ خَطَأٍ وَلَا فَاسِدٍ . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ إِذَا اخْتَلَفَتْ فِي الْأَلِفَاظِ وَاتَّفَقَتْ فِي الْمَعَانِي ، فَأَعْجَبُهَا إِلَيْنَا مَا كَانَ أَظْهَرَ وَأَشْهَرَ فِي قَرَأَةِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : قِيَامًا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8558 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ : أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ، الَّتِي هِيَ قَوَامُكَ بَعْدَ اللَّهِ . 8559 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ، فَإِنَّ الْمَالَ هُوَ قِيَامُ النَّاسِ ، قِوَامُ مَعَايِشِهِمْ .
يَقُولُ : كُنْ أَنْتَ قَيِّمَ أَهْلِكَ ، فَلَا تُعْطِ امْرَأَتَكَ [ وَوَلَدَكَ ] مَالَكَ ، فَيَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَيْكَ . 8560 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : لَا تَعْمِدْ إِلَى مَالِكَ وَمَا خَوَّلَكَ اللَّهُ وَجَعَلَهُ لَكَ مَعِيشَةً ، فَتُعْطِيَهِ امْرَأَتَكَ أَوْ بَنِيكَ ، ثُمَّ تَنْظُرُ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ . وَلَكِنْ أَمْسِكْ مَالَكَ وَأَصْلِحْهُ ، وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فِي كُسْوَتِهِمْ وَرِزْقِهِمْ وَمَؤُونَتِهِمْ .
قَالَ : وَقَوْلُهُ : قِيَامًا ، بِمَعْنَى : قَوَامُكُمْ فِي مَعَايِشِكُمْ . 8561 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ قَوْلُهُ : قِيَامًا قَالَ : قِيَامُ عَيْشِكَ . 8562 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ شَرُودٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَ : الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ، بِالْأَلِفِ ، يَقُولُ : قِيَامُ عَيْشِكَ .
8563 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ، قَالَ : لَا تُعْطِ السَّفِيهَ مِنْ وَلَدِكَ شَيْئًا ، هُوَ لَكَ قَيِّمٌ مِنْ مَالِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ . فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، [ أَمْوَالَ ] أَوْلِيَاءِ السُّفَهَاءِ ، لَا أَمْوَالَ السُّفَهَاءِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : مَعْنَى ذَلِكَ : وَارْزُقُوا ، أَيُّهَا النَّاسُ ، سُفَهَاءَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ ، مِنْ أَمْوَالِكُمْ طَعَامَهُمْ ، وَمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ مُؤَنِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ قَائِلِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، وَسَنَذْكُرُ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ مِنْ قَائِلِيهِ . 8564 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَرْزُقُوا سُفَهَاءَهُمْ - مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَبَنَاتِهِمْ - مِنْ أَمْوَالِهِمْ . 8565 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
8566 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَارْزُقُوهُمْ ، قَالَ : يَقُولُ : أَنْفِقُوا عَلَيْهِمْ . 8567 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ، يَقُولُ : أَطْعِمْهُمْ مِنْ مَالِكَ وَاكْسُهُمْ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ، أَمْوَالَ السُّفَهَاءِ أَنْ لَا يُؤْتِيهُمُوهَا أَوْلِيَاؤُهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ، وَارْزُقُوا ، أَيُّهَا الْوُلَاةُ وُلَاةُ أَمْوَالِ السُّفَهَاءِ ، سُفَهَاءَكُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، طَعَامَهُمْ وَمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُؤَنِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ .
وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا الَّذِي نَرَاهُ صَوَابًا فِي قَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ مِنَ التَّأْوِيلِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ، عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ وَأَنْفَقُوا عَلَى سُفَهَائِكُمْ مِنْ أَوْلَادِكُمْ وَنِسَائِكُمُ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْكُمْ نَفَقَتُهُمْ مِنْ طَعَامِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ فِي أَمْوَالِكُمْ ، وَلَا تُسَلِّطُوهُمْ عَلَى أَمْوَالِكُمْ فَيُهْلِكُوهَا وَعَلَى سُفَهَائِكُمْ مِنْهُمْ ، مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْكُمْ نَفَقَتُهُ ، وَمِنْ غَيْرِهِمُ الَّذِينَ تَلُونَ أَنْتُمْ أُمُورَهُمْ ، مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُؤَنِهِمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ .
لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ مِنَ الْحُكْمِ فِي قَوْلِ جَمِيعِ الْحُجَّةِ ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ ، مَعَ دَلَالَةِ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ( 5 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : عِدْهُمْ عِدَةً جَمِيلَةً مِنَ الْبَرِّ وَالصِّلَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8568 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ، قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ يَعْنِي النِّسَاءَ ، وَهُنَّ السُّفَهَاءُ عِنْدَهُ .
8569 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ، قَالَ : عِدَةً تَعِدُهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : ادْعُوَا لَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8570 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ، إِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ وَلَدِكَ وَلَا مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ ، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ، قُلْ لَهُمْ : عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ ، وَبَارَكَ اللَّهُ فِيكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ ، مَا قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ . وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ، أَيْ : قُولُوا ، يَا مَعْشَرَ وُلَاةِ السُّفَهَاءِ ، قَوْلًا مَعْرُوفًا لِلسُّفَهَاءِ : إِنْ صَلَحْتُمْ وَرَشَدْتُمْ سَلَّمْنَا إِلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ، وَخَلَّيْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي فِيهِ حَثٌّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَنَهْيٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ .