الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِهِ : تِلْكَ شُرُوطُ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8790 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يَقُولُ : شُرُوطُ اللَّهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : تِلْكَ طَاعَةُ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يَعْنِي : طَاعَةَ اللَّهِ ، يَعْنِي الْمَوَارِيثَ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ وَأَمْرُهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : تِلْكَ فَرَائِضُ اللَّهِ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا نَحْنُ مبيِّنُوهُ ، وَهُوَ أَنَّ حَدَّ كُلِّ شَيْءٍ : مَا فَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِحُدُودِ الدَّارِ وَحُدُودِ الْأَرْضِينَ : حُدُودٌ لِفَصْلِهَا بَيْنَ مَا حُدَّ بِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ مَعْنَاهُ : هَذِهِ الْقِسْمَةُ الَّتِي قَسَمَهَا لَكُمْ رَبُّكُمْ ، وَالْفَرَائِضُ الَّتِي فَرَضَهَا لِأَحْيَائِكُمْ مِنْ مَوْتَاكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَا فَرَضَ وَبَيَّنَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ، حُدُودُ اللَّهِ يَعْنِي : فُصُولَ مَا بَيْنَ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ فِي قَسْمِكُمْ مَوَارِيثَ مَوْتَاكُمْ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَإِنَّمَا تَرَكَ طَاعَةَ اللَّهِ وَالْمَعْنِيُّ بِذَلِكَ : حُدُودُ طَاعَةِ اللَّهِ ، اكْتِفَاءً بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ بِمَعْنَى الْكَلَامِ مِنْ ذَكْرِهَا . وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إذًا : هَذِهِ الْقِسْمَةُ - الَّتِي قَسَمَ بَيْنَكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، عَلَيْهَا رَبُّكُمْ مَوَارِيثَ مَوْتَاكُمْ - فُصُولٌ فَصَلَ بِهَا لَكُمْ بَيْنَ طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ ، وَحُدُودٌ لَكُمْ تَنْتَهُونَ إِلَيْهَا فَلَا تَتَعَدُّوهَا ، لِيَعْلَمَ مِنْكُمْ أَهْلَ طَاعَتِهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ ، فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ قِسْمَةِ مَوَارِيثِ مَوْتَاكُمْ بَيْنَكُمْ ، وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْهَا . ثُمَّ أَخْبَرَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَمَّا أَعَدَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فَقَالَ لِفَرِيقِ أَهْلِ طَاعَتِهِ فِي ذَلِكَ : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي الْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى مَا حَدَّهُ لَهُ فِي قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا ، وَيَجْتَنِبْ مَا نَهَاهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ .
فَقَوْلُهُ : يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ يَعْنِي : بَسَاتِينَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ غُرُوسِهَا وَأَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا يَقُولُ : بَاقِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَفْنَوْنَ ، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . يَقُولُ : وَإِدْخَالُ اللَّهِ إِيَّاهُمُ الْجِنَانَ الَّتِي وَصَفَهَا عَلَى مَا وَصَفَ مِنْ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَعْنِي : الْفَلَحَ الْعَظِيمَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8792 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ الْآيَةَ ، قَالَ : فِي شَأْنِ الْمَوَارِيثِ الَّتِي ذَكَرَ قَبْلُ . 8793 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ الَّتِي حَدَّ لِخَلْقِهِ ، وَفَرَائِضِهِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْقِسْمَةِ ، فَانْتَهُوا إِلَيْهَا وَلَا تَعَدُّوهَا إِلَى غَيْرِهَا .