الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ "
8941 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ : الرَّجُلُ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ ، ثُمَّ لَا يَرَاهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا ، أَتَحِلُّ لِابْنِهِ ؟ قَالَ : هِيَ مُرْسَلَةٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : مَا قَوْلُهُ : إِلا مَا قَدْ سَلَفَ ؟ قَالَ : كَانَ الْأَبْنَاءُ يَنْكِحُونَ نِسَاءَ آبَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . 8942 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ الْآيَةَ ، يَقُولُ : كُلُّ امْرَأَةٍ تُزَوَّجَهَا أَبُوكَ وَابْنُكَ ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ، فَهِيَ عَلَيْكَ حَرَامٌ . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : لَكِنْ مَا قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ . وَقَالُوا : هُوَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَنْكِحُوا نِكَاحَ آبَائِكُمْ بِمَعْنَى : وَلَا تَنْكِحُوا كَنِكَاحِهِمْ ، كَمَا نَكَحُوا عَلَى الْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ مِثْلُهَا فِي الْإِسْلَامِ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا يَعْنِي : أَنَّ نِكَاحَ آبَائِكُمُ الَّذِي كَانُوا يَنْكِحُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ، كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا - إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مِنْ نِكَاحٍ ، لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ مِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ لَكُمْ عَنْهُ .
وَقَالُوا : قَوْلُهُ : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ : لَا تَفْعَلْ مَا فَعَلْتُ وَ لَا تَأْكُلْ مَا أَكَلْتُ بِمَعْنَى : وَلَا تَأْكُلْ كَمَا أَكَلْتُ ، وَلَا تَفْعَلْ كَمَا فَعَلْتُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ بِالنِّكَاحِ الْجَائِزِ كَانَ عَقْدُهُ بَيْنَهُمْ ، إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهِ الزِّنَا عِنْدَهُمْ ، فَإِنَّ نِكَاحَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ ، لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ لَهُمْ حَلَائِلَ ، وَإِنَّمَا كَانَ مَا كَانَ مِنْ آبَائِكُمْ وَمِنْهُنَّ مِنْ ذَلِكَ - فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8943 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ الْآيَةَ ، قَالَ : الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا فَزَادَ هَاهُنَا الْمَقْتَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ ، أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَلَا تَنْكِحُوا مِنَ النِّسَاءِ نِكَاحَ آبَائِكُمْ ، إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْكُمْ فَمَضَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ : مِنَ النِّسَاءِ مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ : وَلا تَنْكِحُوا وَيَكُونُ قَوْلُهُ : مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : إِلا مَا قَدْ سَلَفَ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ ، لِأَنَّهُ يَحْسُنُ فِي مَوْضِعِهِ : لَكِنْ مَا قَدْ سَلَفَ فَمَضَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقًا قَوْلَ مَنْ ذَكَرْتَ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الَّذِينَ ذَكَرْتَ قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ ، إِنَّمَا قَالُوا : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ حَلَائِلِ الْآبَاءِ ، وَأَنْتَ تَذْكُرُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا نُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا نِكَاحَهُمْ ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّأْوِيلُ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، إِذْ كَانَتْ مَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِغَيْرِ بَنِي آدَمَ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ - النَّهْيُ عَنْ حَلَائِلِ الْآبَاءِ ، دُونَ سَائِرِ مَا كَانَ مِنْ مَنَاكِحِ آبَائِهِمْ حَرَامًا : ابْتِدَاءُ مِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ بِنَهْيِ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْهُ ؛ لَقِيلَ : وَلَا تَنْكِحُوا مَنْ نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ - لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، إِذْ كَانَ مَنْ لِبَنِي آدَمَ ، وَ مَا لِغَيْرِهِمْ وَلَمْ يُقَلْ : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي مَا مَا كَانَ مِنْ مَنَاكِحِ آبَائِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَتَنَاكَحُونَهَا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ . فَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ - نِكَاحَ حَلَائِلِ الْآبَاءِ وَكُلَّ نِكَاحٍ سِوَاهُ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ ابْتِدَاءِ مِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ ، مِمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَنَاكَحُونَهُ فِي شِرْكِهِمْ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِلَّا مَا قَدْ مَضَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً يَقُولُ : إِنَّ نِكَاحَكُمُ الَّذِي سَلَفَ مِنْكُمْ كَنِكَاحِ آبَائِكُمُ الْمُحَرَّمِ عَلَيْكُمُ ابْتِدَاءُ مِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ تَحْرِيمِي ذَلِكَ عَلَيْكُمْ - فَاحِشَةً يَقُولُ : مَعْصِيَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا أَيْ : بِئْسَ طَرِيقًا وَمَنْهَجًا مَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مِنَ الْمَنَاكِحِ الَّتِي كُنْتُمْ تَنَاكَحُونَهَا .