الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ "
9721 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَى قَوْلِهِ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ قَالَ نَزَلَتْ فِي مَالِكِ بْنِ الصَّيِّفِ وَرِفَاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ . أَمَّا أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا يَقُولُ فَنُعْمِيهَا عَنِ الْحَقِّ وَنُرْجِعُهَا كُفَّارًا 9722 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا يَعْنِي أَنْ نَرُدَّهُمْ عَنِ الْهُدَى وَالْبَصِيرَةِ فَقَدْ رَدَّهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَمْحُوَ آثَارَهُمْ مِنْ وُجُوهِهِمُ الَّتِي هُمْ بِهَا وَنَاحِيَتِهِمُ الَّتِي هُمْ بِهَا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا مِنْ حَيْثُ جَاءُوا مِنْهُ بَدِيًّا مِنْ الشَّامِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ 9723 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا قَالَ كَانَ أَبِي يَقُولُ إِلَى الشَّأْمِ . وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَمْحُو أَثَارَهَا وَنُسَوِّيهَا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا بِأَنْ نَجْعَلَ الْوُجُوهَ مَنَابِتَ الشَّعْرِ كَمَا وُجُوهُ الْقِرَدَةِ مَنَابِتُ لِلشَّعْرِ لِأَنَّ شُعُورَ بَنِي آدَمَ فِي أَدْبَارِ وُجُوهِهِمْ . فَقَالُوا إِذَا أَنْبَتَ الشَّعْرَ فِي وُجُوهِهِمْ فَقَدْ رَدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا بِتَصْيِيرِهِ إِيَّاهَا كَالْأَقْفَاءِ وَأَدْبَارِ الْوُجُوهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ أَبْصَارَهَا وَنَمْحُوَ آثَارَهَا فَنُسَوِّيهَا كَالْأَقْفَاءِ فَنَرُدُّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا فَنَجْعَلُ أَبْصَارَهَا فِي أَدْبَارِهَا يَعْنِي بِذَلِكَ فَنَجْعَلُ الْوُجُوهَ فِي أَدْبَارِ الْوُجُوهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ فَنُحَوِّلُ الْوُجُوهَ أَقْفَاءً وَالْأَقْفَاءَ وُجُوهًا فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطِيَّةُ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْيَهُودَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ بِقَوْلِهِ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ ثُمَّ حَذَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا الْآيَةَ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ وَتَعْجِيلَ عِقَابِهِ لَهُمْ إِنْ هُمْ لَمَّ يُؤْمِنُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا لِمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ يَوْمَئِذٍ كُفَّارًا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبَيِّنٌ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنْ نُعْمِيَهَا عَنِ الْحَقِّ فَنَرُدَّهَا فِي الضَّلَالَةِ فَمَا وَجْهُ رَدِّ مَنْ هُوَ فِي الضَّلَالَةِ فِيهَا وَإِنَّمَا يُرَدُّ فِي الشَّيْءِ مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ فَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهِ فَلَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ نَرُدُّهُ فِيهِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ صَحِيحًا أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَهَدَّدَ لِلَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِرَدِّهِ وُجُوهَهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ كَانَ بَيِّنًا فَسَادُ تَأْوِيلِ مَنْ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ يُهَدِّدُهُمْ بِرَدِّهِمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَجْعَلَ الْوُجُوهَ مَنَابِتَ الشَّعْرِ كَهَيْئَةِ وُجُوهِ الْقِرَدَةِ فَقَوْلٌ لِقَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مُخَالِفٌ وَكَفَى بِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ عَلَى خَطَئِهِ شَاهِدًا . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهَهُمُ الَّتِي هُمْ فِيهَا فَنَرُدَّهُمْ إِلَى الشَّأْمِ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ بِالْحِجَازِ وَنَجْدٍ فَإِنَّهُ - إِنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْهٌ - مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ بِعِيدٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ الْوُجُوهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْأَقْفَاءِ وَكِتَابُ اللَّهِ يُوَجَّهُ تَأْوِيلُهُ إِلَى الْأَغْلَبِ فِي كَلَامِ مَنْ نَزَلَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ .
وَأَمَّا الطَّمْسُ فَهُوَ الْعَفْوُ وَالدُّثُورُ فِي اسْتِوَاءٍ مِنْهُ يُقَالُ طَمَسَتْ أَعْلَامُ الطَّرِيقِ تَطْمِسُ طُمُوسًا إِذَا دَثِرَتْ وَتَعَفَّتْ فَانْدَفَنَتْ وَاسْتَوَتْ بِالْأَرْضِ كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ مِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا طَامِسُ الْأَعْلَامِ مَجْهُولُ يَعْنِي طَامِسُ الْأَعْلَامِ دَائِرُ الْأَعْلَامِ مُنْدِفِنُهَا وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْأَعْمَى الَّذِي قَدْ تَعَفَّى غَرُّ مَا بَيْنَ جَفْنَيْ عَيْنَيْهِ فَدُثِرَ أَعْمَى مَطْمُوسٌ وَطَمِيسٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ [ سُورَةُ يس 66 ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : الْغَرُّ الشِّقُّ الَّذِي بَيْنَ الْجَفْنَيْنِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْتَ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ فَهَلْ كَانَ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ قِيلَ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ آمَنَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ وَأَسَدُ بْنُ سَعْيَةَ وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَمُخَيْرِقٌ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِإِيمَانِهِمْ وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا صِفَتَهُمْ مَا 9724 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤَسَاءَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ : مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيًّا وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ فَقَالَ لَهُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقٌّ .
9729 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ قَالَ هُمْ يَهُودُ جَمِيعًا نَلْعَنُ هَؤُلَاءِ كَمَا لَعَنَّا الَّذِينَ لَعَنَّا مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ السَّبْتِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا فَإِنَّهُ يَعْنِي وَكَانَ جَمِيعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ كَائِنًا مَخْلُوقًا مَوْجُودًا لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ خَلْقُ شَيْءٍ شَاءَ خَلْقَهُ وَالْأَمْرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْمَأْمُورُ سُمِّيَ أَمْرُ اللَّهِ لِأَنَّهُ عَنْ أَمْرِهِ كَانَ وَبِأَمْرِهِ وَالْمَعْنَى وَكَانَ مَا أَمَرَ اللَّهُ مَفْعُولًا .