الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، بِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ، وَصَدَّقُوا بِمَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، يَقُولُ : صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولِهِ ، أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ ، مُرْسَلٌ إِلَيْكُمْ وَإِلَى سَائِرِ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ، يَقُولُ : وَصَدِّقُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْـزَلَ مِنْ قَبْلُ ، يَقُولُ : وَآمَنُوا بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ قَبْلِ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ دُعَاءِ هَؤُلَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكُتُبِهِ ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ : إِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُسَمِّهِمْ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ، وَذَلِكَ وَصْفٌ لَهُمْ بِخُصُوصٍ مَنَ التَّصْدِيقِ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا صِنْفَيْنِ : أَهْلُ تَوْرَاةٍ مُصَدِّقِينَ بِهَا وَبِمَنْ جَاءَ بِهَا ، وَهُمْ مُكَذِّبُونَ بِالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَصِنْفٌ أَهْلُ إِنْجِيلٍ ، وَهُمْ مُصَدِّقُونَ بِهِ وَبِالتَّوْرَاةِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ ، مُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفَرْقَانِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، يَعْنِي : بِمَا هُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ، فَإِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، تَجِدُونَ صِفَتَهُ فِي كُتُبِكُمْ وَبِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَكُونُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ وَأَنْتُمْ بِمُحَمَّدٍ مُكَذِّبُونَ ، لِأَنَّ كِتَابَكُمْ يَأْمُرُكُمْ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ ، فَآمَنُوا بِكِتَابِكُمْ فِي اتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا ، وَإِلَّا فَأَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ .
فَهَذَا وَجْهُ أَمْرِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ ، بَعْدَ أَنْ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَمَنْ يَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجْحَدُ نُبُوَّتَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالَا بَعِيدًا . وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَمَعْنَاهُ : وَمَنْ يَكْفُرْ بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَنَّ جُحُودَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِمَعْنَى جُحُودِ جَمِيعِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِيمَانُ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ ، وَالْكُفْرُ بِشَيْءٍ مِنْهُ كُفْرٌ بِجَمِيعِهِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، بِعَقِبِ خِطَابِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَهْدِيدًا مِنْهُ لَهُمْ ، وَهُمْ مُقِرُّونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، سِوَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْفُرْقَانِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، وَجَارَ عَنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ ، إِلَى الْمَهَالِكِ ذِهَابًا وَجَوْرًا بَعِيدًا . لِأَنَّ كُفْرَ مِنْ كَفَرَ بِذَلِكَ ، خُرُوجٌ مِنْهُ عَنْ دِينِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ . وَالْخُرُوجُ عَنْ دِينِ اللَّهِ ، الْهَلَاكُ الَّذِي فِيهِ الْبَوَارُ ، وَالضَّلَالُ عَنِ الْهُدَى هُوَ الضَّلَالُ .