حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ . . . . "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ( 135 ) )

وَهَذَا تَقَدُّمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلَ الَّذِينَ سَعَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرٍ بَنِي أُبَيْرِقٍ أَنْ يَقُومَ بِالْعُذْرِ لَهُمْ فِي أَصْحَابِهِ ، وَذَبِّهِمْ عَنْهُمْ ، وَتَحْسِينِهِمْ أَمْرَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ فَاقَةٍ وَفَقْرٍ ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ " ، يَقُولُ : لِيَكُنْ مِنْ أَخْلَاقِكُمْ وَصِفَاتِكُمُ الْقِيَامُ بِالْقِسْطِ يَعْنِي : بِالْعَدْلِ " شُهَدَاءَ لِلَّهِ " .

وَ " الشُّهَدَاءُ " جَمْعُ " شَهِيدٍ " .

[9/302]

وَنُصِبَتِ " الشُّهَدَاءُ " عَلَى الْقَطْعِ مِمَّا فِي قَوْلِهِ : " قَوَّامِينَ " مِنْ ذِكْرِ " الَّذِينَ آمَنُوا " ، وَمَعْنَاهُ : قُومُوا بِالْقِسْطِ لِلَّهِ عِنْدَ شَهَادَتِكُمْ أَوْ حِينَ شَهَادَتِكُمْ .

" وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ " ، يَقُولُ : وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَتُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، أَوْ عَلَى وَالِدَيْنِ لَكُمْ أَوْ أَقْرَبِيكُمْ ، فَقُومُوا فِيهَا بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ ، وَأَقِيمُوهَا عَلَى صِحَّتِهَا بِأَنْ تَقُولُوا فِيهَا الْحَقَّ ، وَلَا تَمِيلُوا فِيهَا لِغَنِيٍّ لِغِنَاهُ عَلَى فَقِيرٍ ، وَلَا لِفَقِيرٍ لِفَقْرِهِ عَلَى غَنِيٍّ ، فَتَجُورُوا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ الَّذِي سَوَّى بَيْنَ حُكْمِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَدْلِ " أَوْلَى بِهِمَا " ، وَأَحَقُّ مِنْكُمْ ، لِأَنَّهُ مَالِكُهُمَا وَأَوْلَى بِهِمَا دُونَكُمْ ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْأُمُورِ كُلِّهَا مِنْكُمْ ، فَلِذَلِكَ أَمَرَكُمْ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الشَّهَادَةِ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا " فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا " ، يَقُولُ : فَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ أَنْفُسِكُمْ فِي الْمَيْلِ فِي شَهَادَتِكُمْ إِذَا قُمْتُمْ بِهَا - لِغَنِيٍّ عَلَى فَقِيرٍ ، أَوْ لِفَقِيرٍ عَلَى غَنِيٍّ - إِلَّا أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ ، فَتَقُولُوا غَيْرَ الْحَقِّ ، وَلَكِنْ قُومُوا فِيهِ بِالْقِسْطِ ، وَأَدُّوا الشَّهَادَةَ عَلَى مَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِأَدَائِهَا ، بِالْعَدْلِ لِمَنْ شَهِدْتُمْ لَهُ وَعَلَيْهِ .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَقُومُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ الشَّاهِدُ بِالْقِسْطِ ؟ وَهَلْ يَشْهَدُ الشَّاهِدُ عَلَى نَفْسِهِ ؟

قِيلَ : نَعَمْ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ فَيُقِرُّ لَهُ بِهِ ، فَذَلِكَ قِيَامٌ مِنْهُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ عِنْدِي تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَفْعَلُوا مَا فَعَلَهُ الَّذِينَ عَذَرُوا بَنِي أُبَيْرِقٍ فِي سَرِقَتِهِمْ مَا سَرَقُوا ، وَخِيَانَتِهِمْ مَا خَانُوا

[9/303]

مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَبْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَهَادَتِهِمْ لَهُمْ عِنْدَهُ بِالصَّلَاحِ . فَقَالَ لَهُمْ : إِذَا قُمْتُمْ بِالشَّهَادَةِ لِإِنْسَانٍ أَوْ عَلَيْهِ ، فَقُولُوا فِيهَا بِالْعَدْلِ ، وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَتُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَآبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ وَأَقْرِبَائِكُمْ ، وَلَا يَحْمِلْنَكُمْ غِنَى مَنْ شَهِدْتُمْ لَهُ أَوْ فَقْرُهُ أَوْ قَرَابَتُهُ وَرَحِمُهُ مِنْكُمْ ، عَلَى الشَّهَادَةِ لَهُ بِالزُّورِ ، وَلَا عَلَى تَرْكِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ وَكِتْمَانِهَا .

وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا نَزَلَتْ تَأْدِيبًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :

10678 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ " ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَاخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ : غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ ، وَكَانَ ضِلَعُهُ مَعَ الْفَقِيرِ ، يَرَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَظْلِمُ الْغَنِيَّ ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ بِالْقِسْطِ فِي الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فَقَالَ : " إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا " ، الْآيَةَ .

وَقَالَ آخَرُونَ : فِي ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِنَا : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الشَّهَادَةِ ، أَمْرًا مِنَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُسَوُّوا - فِي قِيَامِهِمْ بِشَهَادَاتِهِمْ - لِمَنْ قَامُوا بِهَا ، بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ .

[9/304]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :

10679 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ " ، قَالَ : أَمْرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ آبَائِهِمْ أَوْ أَبْنَائِهِمْ ، وَلَا يُحَابُوا غَنِيًّا لِغِنَاهُ ، وَلَا يَرْحَمُوا مِسْكِينًا لِمَسْكَنَتِهِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : " إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا " ، فَتَذْرُوا الْحَقَّ ، فَتَجُورُوا .

10680 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَذِي الْقَرَابَةِ قَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ فِي سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا " الْآيَةَ ، فَلَمْ يَكُنْ يُتَّهَمُ سَلَفُ الْمُسْلِمِينَ الصَّالِحُ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ، وَلَا الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ ، وَلَا الْأَخِ لِأَخِيهِ ، وَلَا الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ ، ثُمَّ دُخِلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَظَهَرَتْ مِنْهُمْ أُمُورٌ حَمَلَتِ الْوُلَاةَ عَلَى اتِّهَامِهِمْ ، فَتُرِكَتْ شَهَادَةُ مَنْ يَتَّهِمُ ، إِذَا كَانَتْ مِنْ أَقْرِبَائِهِمْ . وَصَارَ ذَلِكَ مِنَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ، وَالْأَخِ وَالزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ ، لَمْ يُتَّهَمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ .

10681 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ " إِلَى آخَرَ الْآيَةِ ، قَالَ : لَا يَحْمِلْكَ فَقْرُ هَذَا عَلَى أَنْ تَرْحَمَهُ فَلَا تُقِيمُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ . قَالَ : يَقُولُ هَذَا لِلشَّاهِدِ .

[9/305]

10682 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ " الْآيَةَ ، هَذَا فِي الشَّهَادَةِ . فَأَقِمِ الشَّهَادَةَ ، يَا ابْنَ آدَمَ ، وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ ، أَوِ الْوَالِدَيْنِ ، أَوْ عَلَى ذَوِي قَرَابَتِكَ ، أَوْ شَرَفِ قَوْمِكَ . فَإِنَّمَا الشَّهَادَةُ لِلَّهِ وَلَيْسَتْ لِلنَّاسِ ، وَإِنَّ اللَّهَ رَضِيَ الْعَدْلَ لِنَفْسِهِ ، وَالْإِقْسَاطُ وَالْعَدْلُ مِيزَانُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، بِهِ يَرُدُّ اللَّهُ مِنَ الشَّدِيدِ عَلَى الضَّعِيفِ ، وَمِنَ الْكَاذِبِ عَلَى الصَّادِقِ ، وَمِنَ الْمُبْطِلِ عَلَى الْمُحِقِّ . وَبِالْعَدْلِ يُصَدِّقُ الصَّادِقُ ، وَيُكَذِّبُ الْكَاذِبُ ، وَيَرُدُّ الْمُعْتَدِي وَيُرَنِّخُهُ ، تَعَالَى رَبُّنَا وَتَبَارَكَ . وَبِالْعَدْلِ يَصْلُحُ النَّاسُ ، يَا ابْنَ آدَمَ " إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا " ، يَقُولُ : أَوْلَى بِغَنِيِّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ . قَالَ : وَذِكْرُ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : " يَا رَبِّ ، أَيَّ شَيْءٍ وَضَعَتَ فِي الْأَرْضِ أَقَلُّ ؟ " ، قَالَ : " الْعَدْلُ أُقِلُّ مَا وَضَعَتُ فِي الْأَرْضِ " . فَلَا يَمْنَعْكَ غِنَى غَنِيٍّ وَلَا فَقْرُ فَقِيرٍ أَنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا تَعْلَمُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ ، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا " .

وَقَدْ قِيلَ : " إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا " الْآيَةَ ، أُرِيدَ : فَاللَّهُ أَوْلَى بِغِنَى الْغَنِيِّ وَفَقْرِ الْفَقِيرِ . لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ : " بِهِمَا " ، وَلَمْ يَقُلْ " بِهِ " .

وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ : " بِهِمَا " ، لِأَنَّهُ قَالَ : " إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا " ، فَلَمْ يَقْصِدْ فَقِيرًا بِعَيْنِهِ وَلَا غَنِيًّا بِعَيْنِهِ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ . وَإِذَا كَانَ مَجْهُولًا جَازَ الرَّدُّ مِنْهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ .

[9/306]

وَذَكَرَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ ، أَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ : ( فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمْ ) .

وَقَالَ آخَرُونَ : " أَوْ " بِمَعْنَى " الْوَاوِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : جَازَ تَثْنِيَةُ قَوْلِهِ : " بِهِمَا " ، لِأَنَّهُمَا قَدْ ذُكِرَا ، كَمَا قِيلَ .

وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 12 ] .

وَقِيلَ : جَازَ ، لِأَنَّهُ أَضْمَرَ فِيهِ " مَنْ " ، كَأَنَّهُ قِيلَ : إِنْ يَكُنْ مَنْ خَاصَمَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا بِمَعْنَى : غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ " فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا " .

وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا " أَيْ : عَنِ الْحَقِّ ، فَتُجَوِّزُوا بِتَرْكِ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ . وَلَوْ وُجِّهَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : فَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ أَنْفُسِكُمْ هَرَبًا مِنْ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ الْحَقِّ فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِالْقِسْطِ ، لَكَانَ وَجْهًا .

وَقَدْ قِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى لِتَعْدِلُوا كَمَا يُقَالَ : " لَا تَتَّبِعْ هَوَاكَ لِتُرْضِيَ رَبَّكَ " ، بِمَعْنَى : أَنْهَاكَ عَنْهُ ، كَمَا تُرْضِي رَبَّكَ بِتَرْكِهِ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( 135 )

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .

فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى : " وَإِنْ تَلْوُوا " أَيُّهَا الْحُكَّامُ فِي الْحُكْمِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ

[9/307]

عَلَى الْآخَرِ " أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " .

وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْآيَةِ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْحُكَّامِ ، عَلَى نَحْوِ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :

10683 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا " ، قَالَ : هُمَا الرَّجُلَانِ يَجْلِسَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي ، فَيَكُونُ لَيُّ الْقَاضِي وَإِعْرَاضُهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَإِنْ تَلْوُوا ، أَيُّهَا الشُّهَدَاءُ ، فِي شَهَادَاتِكُمْ فَتُحَرِّفُوهَا وَلَا تُقِيمُوهَا أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا فَتَتْرُكُوهَا .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :

10684 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا " ، يَقُولُ : إِنْ تَلَوُوا بِأَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ ، أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا .

10685 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ " إِلَى قَوْلِهِ : " وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا " ، يَقُولُ : تَلْوِي

[9/308]

لِسَانَكَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَهِيَ اللَّجْلَجَةُ ، فَلَا تُقِيمُ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا . وَ " الْإِعْرَاضُ " ، التُّرْكُ .

10686 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَإِنْ تَلْوُوا " ، أَيْ تُبَدِّلُوا الشَّهَادَةَ " أَوْ تُعْرِضُوا " ، قَالَ : تَكْتُمُوهَا .

10687 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَإِنْ تَلْوُوا قَالَ : بِتَبْدِيلِ الشَّهَادَةِ ، وَ " الْإِعْرَاضُ " كِتْمَانُهَا .

10688 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا " ، قَالَ : إِنْ تُحَرِّفُوا أَوْ تَتْرُكُوا .

10689 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا قَالَ : تَلَجْلَجُوا ، أَوْ تَكْتُمُوا . وَهَذَا فِي الشَّهَادَةِ .

10690 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا " ، أَمَّا " تَلْوُوا " ، فَتَلْوِي لِلشَّهَادَةِ فَتُحَرِّفُهَا حَتَّى لَا تُقِيمَهَا وَأَمَّا " تُعْرِضُوا " فَتُعْرِضُ عَنْهَا فَتَكْتُمُهَا ، وَتَقُولُ : لَيْسَ عِنْدِي شَهَادَةٌ!

10691 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ تَلْوُوا " ، فَتَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ، يَلْوِي بِبَعْضٍ مِنْهَا أَوْ يُعْرَضُ عَنْهَا فَيَكْتُمُهَا ، فَيَأْبَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ ، يَقُولُ : أَكْتُمُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ أَرْحَمُهُ! فَيَقُولُ : لَا أُقِيمُ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ . وَيَقُولُ : هَذَا غَنِيٌّ أُبَقِّيهِ وَأَرْجُو مَا قِبَلَهُ ، فَلَا أَشْهَدُ عَلَيْهِ! فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا " .

[9/309]

10692 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَإِنْ تَلْوُوا تُحَرِّفُوا " أَوْ تُعْرِضُوا " ، تَتْرُكُوا .

10693 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمَارَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ فِي قَوْلِهِ : " وَإِنْ تَلْوُوا " ، قَالَ : إِنْ تَلَجْلَجُوا فِي الشَّهَادَةِ فَتُفْسِدُوهَا " أَوْ تُعْرِضُوا " ، قَالَ : تَتْرُكُوهَا .

10694 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا " ، قَالَ : إِنْ تَلْوُوا فِي الشَّهَادَةِ ، أَنْ لَا تُقِيمَهَا عَلَى وَجْهِهَا " أَوْ تُعْرِضُوا قَالَ : تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ .

10695 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا " ، يَعْنِي : تَلَجْلَجُوا " أَوْ تُعْرِضُوا " ، قَالَ : تَدَعُهَا فَلَا تَشْهَدُ .

10696 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا " ، أَمَّا " تَلْوُوا " ، فَهُوَ أَنْ يَلْوِيَ الرِّجْلَ لِسَانَهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ . يَعْنِي : فِي الشَّهَادَةِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ ، أَنَّهُ لَيُّ الشَّاهِدِ شَهَادَتَهُ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ وَعَلَيْهِ ، وَذَلِكَ تَحْرِيفُهُ إِيَّاهَا بِلِسَانِهِ ، وَتَرْكُهُ إِقَامَتِهَا ، لِيُبْطِلَ بِذَلِكَ شَهَادَتَهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ ، وَعَمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ .

[9/310]

وَأَمَّا إِعْرَاضُهُ عَنْهَا ، فَإِنَّهُ تَرْكُهُ أَدَاءَهَا وَالْقِيَامَ بِهَا ، فَلَا يَشْهَدُ بِهَا .

وَإِنَّمَا قُلْنَا : هَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : " كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ اللَّهِ " ، فَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ شُهَدَاءَ . وَأَظْهَرَ مَعَانِيَ " الشُّهَدَاءِ " ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ وَصْفِهِمْ بِالشَّهَادَةِ .

وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " وَإِنْ تَلْوُوا " .

فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ سِوَى الْكُوفَةِ : ( وَإِنْ تَلْوُوا ) بِوَاوَيْنِ ، مِنْ : " لَوَانِي الرَّجُلُ حَقِّي ، وَالْقَوْمُ يَلْوُونَنِي دَيْنِي " وَذَلِكَ إِذَا مَطَلُوهُ " لَيًّا " .

وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَرَأَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : ( وَإِنْ تَلُوا ) بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ .

وَلِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجْهَانِ :

أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ قَارِئُهَا أَرَادَ هَمْزَ " الْوَاوِ " لِانْضِمَامِهَا ، ثُمَّ أَسْقَطَ الْهَمْزَ ، فَصَارَ إِعْرَابُ الْهَمْزِ فِي اللَّامِ إِذْ أَسْقَطَهُ ، وَبَقِيَتْ وَاوٌ وَاحِدَةٌ . كَأَنَّهُ أَرَادَ : " تَلْؤُوا " ثُمَّ حَذَفَ الْهَمْزَ . وَإِذَا عَنَى هَذَا الْوَجْهَ ، كَانَ مَعْنَاهُ مَعْنَى مَنْ قَرَأَ : " وَإِنْ تَلْوُوا " ، بِوَاوَيْنِ ، غَيْرَ أَنَّهُ خَالَفَ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَذَلِكَ أَنْ " الْوَاوَ " الثَّانِيَةَ مِنْ قَوْلِهِ : " تَلْوُوا " وَاوُ جَمْعٍ ، وَهِيَ عَلَمٌ لِمَعْنَىً ، فَلَا يَصِحُّ هَمْزُهَا ، ثُمَّ حَذْفُهَا بَعْدَ هَمْزِهَا ، فَيَبْطُلُ عَلَمُ الْمَعْنَى الَّذِي لَهُ أُدْخِلَتِ " الْوَاوُ " الْمَحْذُوفَةُ .

وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ قَارِئُهَا كَذَلِكَ ، أَرَادَ : أَنْ " تَلُوا " مِنْ " الْوِلَايَةِ " ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : وَأَنْ تَلُوا أُمُورَ النَّاسِ وَتَتْرُكُوا . وَهَذَا مَعْنَى إِذَا وَجَّهَ الْقَارِئُ قِرَاءَتَهُ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، إِلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ مَعَانِي أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، وَمَا وَجَّهَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى

[9/311]

اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعُونَ ، تَأْوِيلَ الْآيَةِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِذْ كَانَ فَسَادُ ذَلِكَ وَاضِحًا مِنْ كِلَا وَجْهَيْهِ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُ أَنْ يَقْرَأَ بِهِ عِنْدَنَا : وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ، بِمَعْنَى : " اللَّيِّ " الَّذِي هُوَ مُطْلٌ .

فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَإِنْ تَدْفَعُوا الْقِيَامَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا لِمَنْ لَزِمَكُمُ الْقِيَامُ لَهُ بِهَا ، فَتُغَيِّرُوهَا وَتُبَدِّلُوا ، أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا فَتَتْرُكُوا الْقِيَامَ لَهُ بِهَا ، كَمَا يَلْوِي الرَّجُلُ دَيْنَ الرَّجُلِ فَيُدَافِعُهُ بِأَدَائِهِ إِلَيْهِ عَلَى مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ لَهُ مُطْلًا مِنْهُ لَهُ ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى :

يَلْوِينَنِي دَيْنِي النَّهَارَ ، وَأَقْتَضِي دَيْنِي إِذَا وَقَذَ النُّعَاسُ الرُّقَّدَا

وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " ، فَإِنَّهُ أَرَادَ : " فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ " ، مِنْ إِقَامَتِكُمُ الشَّهَادَةَ وَتَحْرِيفِكُمْ إِيَّاهَا ، وَإِعْرَاضِكُمْ عَنْهَا

[9/312]

بِكِتْمَانِكُمُوهَا " خَبِيرًا " ، يَعْنِي ذَا خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ بِهِ ، يَحْفَظُ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَيْكُمْ ، حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ جَزَاءَكُمْ فِي الْآخِرَةِ ، الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ . يَقُولُ : فَاتَّقُوا رَبَّكُمْ فِي ذَلِكَ .

القراءات1 آية
سورة النساء آية 1371 قراءة

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا لا إخفاء فيه لأبى جعفر بل هو كغيره في وجوب الإظهار . وَإِنْ تَلْوُوا قرأ الشامي وحمزة بضم اللام وواو ساكنة بعدها ، والباقون بإسكان اللام وبعدها واوان . الأولى مضمومة . والثانية ساكنة . وَالْكِتَابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْـزَلَ قرأ المكي والبصري والشامي بضم نون نزل وهمزة أنزل وكسر الزاي فيهما . والباقون بفتح النون والهمزة والزاي فيهما . لِيَغْفِرَ رقق الراء ورش . وَقَدْ نَـزَّلَ قرأ عاصم ويعقوب بفتح النون والزاي ، والباقون بضم النون وكسر الزاي . وَيُسْتَهْزَأُ فيه وقفا لحمزة وهشام وجهان : إبدال الهمزة ألفا ، ثم تسهيلها بالروم . فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ فيه الإخفاء مع الغنة لأبي جعفر . يُرَاءُونَ فيه لحمزة التسهيل مع المد والقصر . هَؤُلاءِ سبق الكلام على ما فيها لحمزة وهشام عند الوقف . فِي الدَّرْكِ قرأ الكوفيون بإسكان الراء ، والباقون بفتحها . نَصِيرًا ، وَأَصْلَحُوا ، الْمُؤْمِنِينَ جلي . وَسَوْفَ يُؤْتِ وقف عليه يعقوب بالياء ، والباقون بحذفها . شَاكِرًا رقق ورش راءه . عَلِيمًا آخر الربع . الممال وَكَفَى و أَوْلَى و الْهُدَى و كُسَالَى بالإمالة للأخوين وخلف والتقليل لورش بخلفه . الدُّنْيَا بالإمالة للأصحاب والتقليل للبصري وورش بخلفه . الْكَافِرِينَ جميعه بالإمالة للبصري والدوري ورويس وبالتقليل لورش . النَّارِ بالإمالة للبصري والدوري وبالتقليل لورش . المدغم " الصغير " فَقَدْ ضَلَّ لورش والبصري والشامي والأخوين وخلف . " الكبير " <آية الآية="137" ا

موقع حَـدِيث