حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ . . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَبِنَقْضِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِيثَاقَهُمْ ، يَعْنِي : عُهُودَهُمُ الَّتِي عَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ، يَقُولُ : وَجُحُودِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ، يَعْنِي : بِأَعْلَامِ اللَّهِ وَأَدِلَّتِهِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي صِدْقِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَحَقِيقَةِ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، يَقُولُ : وَبِقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّتِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ، يَعْنِي : بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِكَبِيرَةٍ أَتَوْهَا ، وَلَا خَطِيئَةٍ اسْتَوْجَبُوا الْقَتْلَ عَلَيْهَا وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ، يَعْنِي : وَبِقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ، يَعْنِي : يَقُولُونَ : عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ وَأَغْطِيَةٌ عَمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ، فَلَا نَفْقَهُ مَا تَقُولُ وَلَا نَعْقِلُهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْغُلْفِ ، وَذَكَرْنَا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَةِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كَذَبُوا فِي قَوْلِهِمْ : قُلُوبُنَا غُلْفٌ ، مَا هِيَ بِغُلْفٍ ، وَلَا عَلَيْهَا أَغْطِيَةٍ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ عَلَيْهَا طَابِعًا بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ .

وَقَدْ بَيَّنَّا صِفَةَ الطَّبْعِ عَلَى الْقَلْبِ ، فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ، يَقُولُ : فَلَا يُؤْمِنُ - هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ ، لِطَبْعِهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، فَيُصَدِّقُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا يَعْنِي : تَصْدِيقًا قَلِيلًا وَإِنَّمَا صَارَ قَلِيلًا ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصْدُقُوا عَلَى مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَلَكِنْ صَدَّقُوا بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَبِبَعْضِ الْكُتُبِ ، وَكَذَّبُوا بِبَعْضٍ . فَكَانَ تَصْدِيقُهُمْ بِمَا صَدَّقُوا بِهِ قَلِيلًا لِأَنَّهُمْ وَإِنْ صَدَّقُوا بِهِ مِنْ وَجْهٍ ، فَهُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهِ تَكْذِيبِهِمْ مَنْ كَذَّبُوا بِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَاءُوا بِهِ مَنْ كَتُبِ اللَّهِ ، وَرُسُلُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .

وَبِذَلِكَ أَمَرَ كُلُّ نَبِيٍّ أُمَّتَهُ . وَكَذَلِكَ كُتُبُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَيُحَقِّقُ بَعْضٌ بَعْضًا . فَالْمُكَذِّبُ بِبَعْضِهَا مُكَذِّبٌ بِجَمِيعِهَا ، مِنْ جِهَةِ جُحُودِهِ مَا صَدَّقَهُ الْكِتَابُ الَّذِي يُقِرُّ بِصِحَّتِهِ .

فَلِذَلِكَ صَارَ إِيمَانُهُمْ بِمَا آمَنُوا مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10774 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، يَقُولُ : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ، أَيْ لَا نَفْقَهُ ، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ، وَلَعَنَهُمْ حِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ .

وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ ، الْآيَةَ ، هَلْ هُوَ مُوَاصِلٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ ، أَوْ هُوَ مُنْفَصِلٌ مِنْهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مُنْفَصِلٌ مِمَّا قَبْلَهُ ، وَمَعْنَاهُ : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَقَتْلِهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ، طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ وَلَعَنَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10775 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ، لَمَّا تَرَكَ الْقَوْمُ أَمْرَ اللَّهِ ، وَقَتَلُوا رُسُلَهُ ، وَكَفَرُوا بِآيَاتِهِ ، وَنَقَضُوا الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ ، طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ وَلَعْنَهُمْ .

وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ مُوَاصِلٌ لِمَا قَبْلَهُ . قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، وَكَفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَبِقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَبِكَذَا وَكَذَا أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ . قَالُوا : فَتَبِعَ الْكَلَامُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَمَعْنَاهُ : مَرْدُودٌ إِلَى أَوَّلِهِ .

وَتَفْسِيرُ ظُلْمِهِمُ ، الَّذِي أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ مِنْ أَجْلِهِ ، بِمَا فَسَّرَ بِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، مِنْ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ ، وَسَائِرِ مَا بَيَّنَ مِنْ أَمْرِهِمُ الَّذِي ظَلَمُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَمَا بَعْدَهُ ، مُنْفَصِلٌ مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، وَكَفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَبِكَذَا وَبِكَذَا ، لَعَنَّاهُمْ وَغَضِبْنَا عَلَيْهِمْ فَتَرَكَ ذِكْرَ لَعَنَّاهُمْ ، لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ، عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ . إِذْ كَانَ مَنْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ ، فَقَدْ لُعِنَ وَسُخِطَ عَلَيْهِ .

وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ، إِنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْدِ مُوسَى وَالَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ ، وَالَّذِينَ رَمَوْا مَرْيَمَ بِالْبُهْتَانِ الْعَظِيمِ ، وَقَالُوا : قَتَلْنَا الْمَسِيحَ ، كَانُوا بَعْدَ مُوسَى بِدَهْرٍ طَوِيلٍ . وَلَمْ يُدْرِكِ الَّذِينَ رَمَوْا مَرْيَمَ بِالْبُهْتَانِ الْعَظِيمِ زَمَانَ مُوسَى ، وَلَا مَنْ صُعِقَ مَنْ قَوْمِهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ، لَمْ تَأْخُذْهُمْ عُقُوبَةً لِرَمْيِهِمْ مَرْيَمَ بِالْبُهْتَانِ الْعَظِيمِ ، وَلَا لِقَوْلِهِمْ : إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ .

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ غَيْرُ الَّذِينَ عُوقِبُوا بِالصَّاعِقَةِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ بَيِّنًا انْفِصَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ .

القراءات1 آية
سورة النساء آية 1551 قراءة

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ قرأ حفص بالياء ، وغيره بالنون ، وضم هاءه يعقوب . يَسْأَلُكَ لحمزة في الوقف عليه النقل فقط . أَنْ تُنَـزِّلَ قرأ المكي والبصريان بالتخفيف ، والباقون بالتشديد . أَرِنَا قرأ المكي والسوسي ويعقوب بإسكان الراء والدوري عن البصري باختلاس كسرتها ، والباقون بكسرة كاملة . لا تَعْدُوا قرأ ورش بفتح العين وتشديد الدال . وقرأ أبو جعفر بإسكان العين مع تشديد الدال أيضا . ولقالون وجهان . الأول : اختلاس فتحة العين مع تشديد الدال . والثاني : كقراءة أبي جعفر . والوجهان عنه صحيحان ، وقد ذكرهما الداني في التيسير ، فاقتصار الشاطبي له على وجه الاختلاس فيه قصور . وقرأ الباقون بإسكان العين مع تخفيف الدال . مِيثَاقًا غَلِيظًا أخفاه أبو جعفر . وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ ، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا تقدم مثلهما . وَالْمُؤْمِنُونَ ، يُؤْمِنُونَ ، الصَّلاةَ ، وَمَا صَلَبُوهُ لا يخفى ما فيه . سَنُؤْتِيهِمْ قرأ حمزة وخلف بالياء ، والباقون بالنون ، وضم يعقوب هاءه . عَظِيمًا آخر الربع . الممال لِلْكَافِرِينَ معا للبصري والدوري ورويس وبالتقليل لورش مُوسَى معا ، و عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لدى الوقف على عيسى للأصحاب بالإمالة ، وللبصري وورش بالتقليل بخلف عن الثاني . جَاءَتْهُمُ لابن ذكوان وحمزة وخلف . الرِّبَا للأخوين وخلف ولا تقليل فيه لورش . النَّاسِ لدوري البصري . المدغم " الصغير " بَلْ رَفَعَهُ لجميع القراء . بَلْ طَبَعَ للكسائي وهشام وخلاد بخلف عنه . " الكبير " وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ ، مَرْيَمَ بُهْتَانًا ، <آية الآية="162" السورة="النساء"

موقع حَـدِيث