الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ ، يَعْنِي : الْجَبَلَ ، وَذَلِكَ لَمَّا امْتَنَعُوا مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَقَبُولِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى فِيهَا بِمِيثَاقِهِمْ ، يَعْنِي : بِمَا أَعْطَوُا اللَّهَ الْمِيثَاقَ وَالْعَهْدَ : لَنَعْمَلَنَّ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، يَعْنِي بَابَ حِطَّةَ ، حِينَ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهُ سُجُودًا ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ : لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ، لَا تَتَجَاوَزُوا فِي يَوْمِ السَّبْتِ مَا أُبِيحَ لَكُمْ إِلَى مَا لَمْ يُبَحْ لَكُمْ ، كَمَا : 10773 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، قَالَ : كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ، أُمِرَ الْقَوْمُ أَنْ لَا يَأْكُلُوا الْحِيتَانَ يَوْمَ السَّبْتِ وَلَا يَعْرِضُوا لَهَا ، وَأُحِلَّ لَهُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ : ( لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ) ، بِتَخْفِيفِ الْعَيْنِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : عَدَوْتُ فِي الْأَمْرِ ، إِذَا تَجَاوَزَتَ الْحَقَّ فِيهِ ، أَعْدُو عَدْوًا وَعُدُوًّا وَعُدْوَانًا وَعَدَاءً . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : ( وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُّوا ) بِتَسْكِينِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ سَاكِنِينَ ، بِمَعْنَى : تَعْتَدُوا ، ثُمَّ تُدْغَمُ التَّاءُ فِي الدَّالِ فَتَصِيرُ دَالًا مُشَدَّدَةً مَضْمُومَةً ، كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي [ سُورَةُ يُونُسَ : 35 ] ، بِتَسْكِينِ الْهَاءِ . وَقَوْلُهُ : وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ، يَعْنِي : عَهْدًا مُؤَكَّدًا شَدِيدًا ، بِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ ، مِمَّا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَمِمَّا فِي التَّوْرَاةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى السَّبْبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانُوا أُمِرُوا بِدُخُولِ الْبَابِ سُجَّدًا ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي ذَلِكَ وَخَبَرَهُمْ وَقِصَّتَهَمْ وَقِصَّةَ السَّبْتِ ، وَمَا كَانَ اعْتِدَاؤُهُمْ فِيهِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .