الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَبِقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلَنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ . ثُمَّ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي قِيلِهِمْ ، فَقَالَ : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ، يَعْنِي : وَمَا قَتَلُوا عِيسَى وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنَّ شُبِّهَ لَهُمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ التَّشْبِيهِ الَّذِي شُبِّهَ لِلْيَهُودِ فِي أَمْرِ عِيسَى .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمَّا أَحَاطَتِ الْيَهُودُ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ ، أَحَاطُوا بِهِمْ وَهُمْ لَا يُثْبِتُونَ مَعْرِفَةَ عِيسَى بِعَيْنِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَمِيعًا حُوِّلُوا فِي صُورَةِ عِيسَى ، فَأَشْكَلَ عَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُرِيدُونَ قَتْلَ عِيسَى ، عِيسَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَعَ عِيسَى ، فَقَتَلُوهُ وَهُمْ يَحْسَبُونَهُ عِيسَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10779 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ ، عَنْ وَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : أُتِيَ عِيسَى وَمَعَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي بَيْتٍ ، وَأَحَاطُوا بِهِمْ . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ صَوَّرَهُمُ اللَّهُ كُلَّهُمْ عَلَى صُورَةِ عِيسَى ، فَقَالُوا لَهُمْ : سَحَرْتُمُونَا! لَتُبْرِزُنَّ لَنَا عِيسَى أَوْ لَنَقْتُلَنَّكُمْ جَمِيعًا! فَقَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ : مَنْ يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ بِالْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : أَنَا! فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : أَنَا عِيسَى وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَةِ عِيسَى ، فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ .
فَمِنْ ثَمَّ شُبِّهَ لَهُمْ ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا عِيسَى ، وَظَنَّتِ النَّصَارَى مَثَلَ ذَلِكَ أَنَّهُ عِيسَى ، وَرَفْعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ غَيْرُ هَذَا الْقَوْلِ ، وَهُوَ مَا : - 10780 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا يَقُولُ : إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الدُّنْيَا ، جَزَعَ مِنَ الْمَوْتِ وَشَقَّ عَلَيْهِ ، فَدَعَا الْحَوَارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ، فَقَالَ : احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ ، فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً . فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ ، عَشَّاهُمْ وَقَامَ يَخْدِمُهُمْ .
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ أَخَذَ يَغْسِلُ أَيْدِيَهُمْ وَيُوَضِّئُهُمْ بِيَدِهِ ، وَيَمْسَحُ أَيْدِيَهِمْ بِثِيَابِهِ ، فَتَعَاظَمُوا ذَلِكَ وَتَكَارَهُوهُ ، فَقَالَ : أَلَا مَنْ رَدَّ عَلَيَّ شَيْئًا اللَّيْلَةَ مِمَّا أَصْنَعُ ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُ! فَأَقَرُّوهُ ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ : أَمَّا مَا صَنَعَتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ ، مِمَّا خَدَمْتُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَغَسَلْتُ أَيْدِيَكُمْ بِيَدِي ، فَلْيُكَنْ لَكُمْ بِي أُسْوَةٌ ، فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي خَيْرُكُمْ ، فَلَا يَتَعَظَّمُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَلْيَبْذُلْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْسَهَ ، كَمَا بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ . وَأَمَّا حَاجَتِي الَّتِي اسْتَعَنْتُكُمْ عَلَيْهَا ، فَتَدْعُونَ لِيَ اللَّهَ وَتَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ : أَنْ يُؤَخِّرَ أَجْلِي . فَلَمَّا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلدُّعَاءِ وَأَرَادُوا أَنْ يَجْتَهِدُوا ، أَخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتَّى لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُعَاءً .
فَجَعَلَ يُوقِظُهُمْ وَيَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً وَاحِدَةً تُعِينُونِي فِيهَا! قَالُوا : وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا لَنَا! لَقَدْ كُنَّا نَسْمُرُ فَنُكْثِرُ السَّمَرَ ، وَمَا نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرًا ، وَمَا نُرِيدُ دُعَاءً إِلَّا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ! فَقَالَ : يُذْهَبُ بِالرَّاعِي وَتَتَفَرَّقُ الْغَنَمُ! وَجَعَلَ يَأْتِي بِكَلَامٍ نَحْوَ هَذَا يَنْعَى بِهِ نَفْسَهُ . ثُمَّ قَالَ : الْحَقُّ ، لَيَكْفُرَنَّ بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَلَيَبِيعَنِي أَحَدُكُمْ بِدَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ ، وَلَيَأْكُلَنَّ ثَمْنِي! فَخَرَجُوا فَتَفَرَّقُوا ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ ، فَأَخَذُوا شَمْعُونَ أَحَدَ الْحَوَارِيِّينَ ، فَقَالُوا : هَذَا مِنْ أَصْحَابِهِ! فَجَحَدَ وَقَالَ : مَا أَنَا بِصَاحِبِهِ! فَتَرَكُوهُ ، ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُونَ فَجَحَدَ كَذَلِكَ . ثُمَّ سَمِعَ صَوْتَ دِيكٍ فَبَكَى وَأَحْزَنَهُ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ : مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى الْمَسِيحِ ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ، فَأَخَذَهَا وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ .
وَكَانَ شُبِّهَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَأَخَذُوهُ فَاسْتَوْثَقُوا مِنْهُ ، وَرَبَطُوهُ بِالْحَبْلِ ، فَجَعَلُوا يَقُودُونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ : أَنْتَ كُنْتَ تُحْيِي الْمَوْتَى ، وَتَنْتَهِرُ الشَّيْطَانَ ، وَتُبْرِئُ الْمَجْنُونَ ، أَفَلَا تُنَجِّي نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْحَبْلِ ؟! وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ، وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ ، حَتَّى أَتَوْا بِهِ الْخَشَبَةَ الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْهَا ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، وَصَلَبُوا مَا شُبِّهَ لَهُمْ ، فَمَكَثَ سَبْعًا . ثُمَّ إِنَّ أُمَّهُ وَالْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَ يُدَاوِيهَا عِيسَى فَأَبْرَأَهَا اللَّهُ مِنَ الْجُنُونِ ، جَاءَتَا تَبْكِيَانِ حَيْثُ الْمَصْلُوبِ ، فَجَاءَهُمَا عِيسَى فَقَالَ : عَلَامَ تَبْكِيَانِ ؟ قَالَتَا : عَلَيْكَ! فَقَالَ : إِنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ ، وَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهُمْ ، فَأْمُرَا الْحَوَارِيِّينَ أَنْ يَلْقَوْنِي إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا . فَلَقُوهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ أَحَدَ عَشَرَ .
وَفَقَدَ الَّذِي كَانَ بَاعَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْيَهُودَ ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَصْحَابَهُ ، فَقَالُوا : إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ ، فَاخْتَنَقَ وَقَتَلَ نَفْسَهُ . فَقَالَ : لَوْ تَابَ لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ! ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ غُلَامٍ يَتْبَعُهُمْ يُقَالُ لَهُ : يُحَنَّى فَقَالَ : هُوَ مَعَكُمْ ، فَانْطَلِقُوا ، فَإِنَّهُ سَيُصْبِحُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يُحَدِّثُ بِلُغَةِ قَوْمٍ ، فَلْيُنْذِرْهُمْ وَلْيَدْعُهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سَأَلَ عِيسَى مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ أَنْ يُلْقَى عَلَى بَعْضِهِمْ شَبَهُهُ ، فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ رَجُلٌ ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ ، فَقُتِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَرُفِعَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10781 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ إِلَى قَوْلِهِ : وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ، أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ ائْتَمَرُوا بِقَتْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَيُّكُمْ يُقْذَفُ عَلَيْهِ شَبَهِي ، فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : أَنَا ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ! فَقُتِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَمَنَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَرَفَعَهُ إِلَيْهِ . 10782 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ، قَالَ : أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فَقُتِلَ .
وَكَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ أُلْقِيَ شَبَهِي عَلَيْهِ ، وَلَهُ الْجَنَّةُ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : عَلَيَّ . 10783 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَصَرُوا عِيسَى وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي بَيْتٍ ، فَقَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ : مَنْ يَأْخُذُ صُورَتِي فَيُقْتَلُ وَلَهُ الْجَنَّةُ ؟ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ ، وَصُعِدَ بِعِيسَى إِلَى السَّمَاءِ . فَلَمَّا خَرَجَ الْحَوَارِيُّونَ أَبْصَرُوهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ صُعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، فَجَعَلُوا يَعُدُّونَ الْقَوْمَ فَيَجِدُونَهُمْ يَنْقُصُونَ رَجُلًا مِنَ الْعِدَةِ ، وَيَرَوْنَ صُورَةَ عِيسَى فِيهِمْ ، فَشَكُّوا فِيهِ .
وَعَلَى ذَلِكَ قَتَلُوا الرَّجُلَ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ عِيسَى وَصَلَبُوهُ . فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . 10784 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ : أَنْ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالَ : أَيُّكُمْ يَلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكَانِي ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : أَنَا ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَالْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ فَقَتَلُوهُ .
فَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ . 10785 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ اسْمَ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي بَعَثَ إِلَى عِيسَى لِيَقْتُلَهُ ، رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالَ لَهُ دَاوُدُ . فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِذَلِكَ مِنْهُ ، لَمْ يَفْظَعْ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِالْمَوْتِ فِيمَا ذُكِرَ لِي فَظَعَهُ ، وَلَمْ يَجْزَعْ مِنْهُ جَزَعَهُ ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهَ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ دُعَاءَهُ ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ ، فِيمَا يَزْعُمُونَ : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ صَارِفًا هَذِهِ الْكَأْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاصْرِفْهَا عَنِّي! ، وَحَتَّى إِنَّ جِلْدَهُ مِنْ كَرْبِ ذَلِكَ لِيَتَفَصَّدُ دَمًا .
فَدَخَلَ الْمُدْخَلَ الَّذِي أَجْمَعُوا أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ فِيهِ لِيَقْتُلُوهُ هُوَ وَأَصْحَابَهُ ، وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بِعِيسَى . فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ عَلَيْهِ ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فُطْرُسُ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ زبدِي ، وَيَحْنَسُ أَخُو يَعْقُوبَ ، وأندراييس ، وفيلبس ، وأبرثلما ، وَمَتَّى ، وَتُومَاسُ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حلفيا ، وتداوسيس ، وقنانيا ، وَيُودِسُ زَكَرِيَّا يَوُطَّا . قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ سَلَمَةُ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَ فِيهِمْ ، فِيمَا ذُكِرَ لِي ، رَجُلٌ اسْمُهُ سَرْجَسُ ، فَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِوَى عِيسَى ، جَحَدَتْهُ النَّصَارَى ، وَذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي شُبِّهَ لِلْيَهُودِ مَكَانَ عِيسَى .
قَالَ : فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ ؟ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشْرَ ، أَمْ كَانَ ثَالِثَ عَشَرَ ، فَجَحَدُوهُ حِينَ أَقَرُّوا لِلْيَهُودِ بِصَلْبِ عِيسَى ، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُ . فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمُدْخَلَ حِينَ دَخَلُوا وَهُمْ بِعِيسَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمُدْخَلَ حِينَ دَخَلُوا وَهُمْ بِعِيسَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ : أَنْ عِيسَى حِينَ جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ : إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ ، أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ ، عَلَى أَنْ يُشَبَّهَ لِلْقَوْمِ فِي صُورَتِي فَيَقْتُلُوهُ مَكَانِي ؟ فَقَالَ سَرْجَسُ : أَنَا ، يَا رُوحَ اللَّهِ! قَالَ : فَاجْلِسْ فِي مَجْلِسِي .
فَجَلَسَ فِيهِ ، وَرُفِعَ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ . فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ ، فَكَانَ هُوَ الَّذِي صَلَبُوهُ وَشُبِّهَ لَهُمْ بِهِ . وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ حِينَ دَخَلُوا مَعَ عِيسَى مَعْلُومَةً ، قَدْ رَأَوْهُمْ وَأَحْصَوْا عِدَّتَهُمْ .
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُ ، وَجَدُوا عِيسَى فِيمَا يُرَوْنَ وَأَصْحَابَهُ ، وَفَقَدُوا رَجُلًا مِنَ الْعِدَّةِ ، فَهُوَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ عِيسَى ، حَتَّى جَعَلُوا لِيُودِسَ زَكَرِيَّا يَوُطَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ وَيُعَرِّفَهُمْ إِيَّاهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنِّي سَأُقَبِّلُهُ ، وَهُوَ الَّذِي أُقَبِّلُ ، فَخُذُوهُ . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وَقَدْ رُفِعَ عِيسَى ، رَأَى سَرْجَسَ فِي صُورَةِ عِيسَى ، فِلْمْ يُشَكِّكْ أَنَّهُ هُوَ عِيسَى ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ، فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ . ثُمَّ إِنَّ يُودِسَ زَكَرِيَّا يَوُطَا نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ ، فَاخْتَنَقَ بِحَبْلٍ حَتَّى قَتَلَ نَفْسِهِ .
وَهُوَ مَلْعُونٌ فِي النَّصَارَى ، وَقَدْ كَانَ أَحَدَ الْمَعْدُودِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ . وَبَعْضُ النَّصَارَى يَزْعُمُ أَنَّ يُودِسَ زَكَرِيَّا يَوُطَا هُوَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ ، فَصَلَبُوهُ وَهُوَ يَقُولُ : إِنِّي لَسْتُ بِصَاحِبِكُمْ! أَنَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ ! وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ . 10786 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَنَا أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَيُّكُمْ يَنْتَدِبُ فَيُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : أَنَا ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ .
فَالْقِي عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَقُتِلَ ، وَرَفَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إِلَيْهِ . 10787 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : شُبِّهَ لَهُمْ ، قَالَ : صَلَبُوا رَجُلًا غَيْرَ عِيسَى ، يَحْسَبُونَهُ إِيَّاهُ . 10788 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
10789 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : صَلَبُوا رَجُلًا شَبَّهُوهُ بِعِيسَى ، يَحْسَبُونَهُ إِيَّاهُ ، وَرَفَعَ اللَّهُ إِلَيْهِ عِيسَى حَيًّا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ ، أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : مِنْ أَنَّ شَبَهَ عِيسَى أُلْقِيَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَعَ عِيسَى حِينَ أُحِيطَ بِهِ وَبِهِمْ ، مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةِ عِيسَى إِيَّاهُمْ ذَلِكَ . وَلَكِنْ لِيُخْزِيَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَهُودَ ، وَيُنْقِذَ بِهِ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ مَكْرُوهِ مَا أَرَادُوا بِهِ مِنَ الْقَتْلِ ، وَيَبْتَلِي بِهِ مَنْ أَرَادَ ابْتِلَاءَهُ مِنْ عِبَادِهِ فِي قِيلِهِ فِي عِيسَى ، وَصُدِّقَ الْخَبَرُ عَنْ أَمْرِهِ .
أَوْ : الْقَوْلُ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا عِيسَى مِنَ الْحَوَارِيِّينَ ، لَوْ كَانُوا فِي حَالِ مَا رُفِعَ عِيسَى وَأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى مَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ ، كَانُوا قَدْ عَايَنُوا وَهُوَ يَرْفَعُ مِنْ بَيْنِهِمْ ، وَأَثْبَتُوا الَّذِي الْقِيَ عَلَيْهِ شَبَّهُهُ ، وَعَايَنُوهُ مُتَحَوِّلًا فِي صُورَتِهِ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بِهِ مِنْ صُورَةِ نَفْسِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ ، لَمْ يُخْفَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَأَمْرِ مِنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ عَلَيْهِمْ ، مَعَ مُعَايَنَتِهِمْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَمْ يَلْتَبِسْ وَلَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ أَنَّ الْمَقْتُولَ وَالْمَصْلُوبَ كَانَ غَيْرَ عِيسَى ، وَأَنْ عِيسَى رُفِعَ مِنْ بَيْنِهِمْ حَيًّا . وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ أُشْكِلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ سَمِعُوا مِنْ عِيسَى مَقَالَتَهُ : مَنْ يَلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي ، وَيَكُونُ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ ، إِنْ كَانَ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ، وَسَمِعُوا جَوَابَ مُجِيبِهِ مِنْهُمْ : أَنَا ، وَعَايَنُوا تَحَوُّلَ الْمُجِيبِ فِي صُورَةِ عِيسَى بِعَقَبِ جَوَابِهِ ؟ وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى نَحْوِ مَا وَصَفَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عِيسَى فِي الْبَيْتِ الَّذِي رُفِعَ مِنْهُ مِنْ حِوَارِيِّهِ ، حَوَّلَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فِي صُورَةِ عِيسَى حِينَ أَرَادَ اللَّهُ رَفَعَهُ ، فَلَمْ يُثْبِتُوا عِيسَى مَعْرِفَةً بِعَيْنِهِ مَنْ غَيْرِهِ لِتَشَابُهِ صُوَرِ جَمِيعِهِمْ ، فَقَتَلَتِ الْيَهُودُ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَتْ وَهُمْ يُرَوْنَهُ بِصُورَةِ عِيسَى ، وَيَحْسَبُونَهُ إِيَّاهُ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِهِ عَارِفِينَ قَبْلَ ذَلِكَ .
وَظَنَّ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْبَيْتِ مَعَ عِيسَى مِثْلَ الَّذِي ظَنَّتِ الْيَهُودُ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُمَيِّزُوا شَخْصَ عِيسَى مِنْ شَخْصِ غَيْرِهِ ، لِتَشَابُهِ شَخْصِهِ وَشَخْصِ غَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ . فَاتَّفَقُوا جَمِيعُهُمْ يَعْنِي : الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ عِيسَى ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ شُبِّهَ لَهُمْ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ . أَوْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كَانَ عَلَى نَحْوِ مَا رَوَى عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عِيسَى فِي الْبَيْتِ ، تَفَرَّقُوا عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الْيَهُودُ ، وَبَقِيَ عِيسَى ، وَأُلْقِي شَبَهُهُ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ مَا تَفَرَّقَ الْقَوْمُ غَيْرَ عِيسَى ، وَغَيْرَ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ .
وَرُفِعَ عِيسَى ، فَقُتِلَ الَّذِي تَحَوَّلَ فِي صُورَةِ عِيسَى مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَظَنَّ أَصْحَابُهُ وَالْيَهُودُ أَنَّ الَّذِي قُتِلَ وَصُلِبَ هُوَ عِيسَى ، لِمَا رَأَوْا مِنْ شَبَهِهِ بِهِ ، وَخَفَاءِ أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِمْ . لِأَنَّ رَفْعَهُ وَتَحَوُّلَ الْمَقْتُولِ فِي صُورَتِهِ ، كَانَ بَعْدَ تَفَرُّقِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ ، وَقَدْ كَانُوا سَمِعُوا عِيسَى مِنَ اللَّيْلِ يَنْعَى نَفْسَهُ ، وَيَحْزَنُ لِمَا قَدْ ظَنَّ أَنَّهُ نَازِلٌ بِهِ مِنَ الْمَوْتِ ، فَحَكَوْا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ حَقًّا ، وَالْأَمْرُ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافٍ مَا حَكَوْا . فَلَمْ يَسْتَحِقِ الَّذِينَ حَكَوْا ذَلِكَ مِنْ حَوَارِيِّيهِ أَنْ يَكُونُوا كَذَبَةً ، إِذْ حَكَوْا مَا كَانَ حَقًّا عِنْدَهُمْ فِي الظَّاهِرِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ الَّذِي حَكَوْا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ( 157 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، الْيَهُودَ الَّذِينَ أَحَاطُوا بِعِيسَى وَأَصْحَابِهِ حِينَ أَرَادُوا قَتْلَهُ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ عَرَفُوا عِدَّةَ مَنْ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ ، فِيمَا ذُكِرَ . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ ، فَقَدُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ ، فَالتَبَسَ أَمْرُ عِيسَى عَلَيْهِمْ بِفَقْدِهِمْ وَاحِدًا مِنَ الْعِدَّةِ الَّتِي كَانُوا قَدْ أَحْصَوْهَا ، وَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا عَلَى شَكٍّ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ عِيسَى .
وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَمْ يُفَارِقِ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى حَتَّى رُفِعَ وَدَخَلَ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ . وَأَمَّا تَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : تَفَرَّقُوا عَنْهُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَإِنَّهُ : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا ، فِي عِيسَى ، هَلْ هُوَ الَّذِي بَقِيَ فِي الْبَيْتِ مِنْهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ ، أَمْ لَا ؟ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ، يَعْنِي : مِنْ قَتْلِهِ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَحْصَوْا مِنَ الْعِدَّةِ حِينَ دَخَلُوا الْبَيْتَ أَكْثَرَ مِمَّنْ خَرَجَ مِنْهُ وَمِنْ وُجِدَ فِيهِ ، فَشَكُّوا فِي الَّذِي قَتَلُوهُ : هَلْ هُوَ عِيسَى أَمْ لَا ؟ مِنْ أَجْلِ فَقْدِهِمْ مَنْ فَقَدُوا مِنَ الْعَدَدِ الَّذِي كَانُوا أَحْصَوْهُ ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا : قَتَلْنَا عِيسَى ، لِمُشَابِهَةِ الْمَقْتُولِ عِيسَى فِي الصُّورَةِ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ، يَعْنِي : أَنَّهُمْ قَتَلُوا مَنْ قَتَلُوهُ عَلَى شَكِّ مِنْهُمْ فِيهِ وَاخْتِلَافٍ ، هَلْ هُوَ عِيسَى أَمْ هُوَ غَيْرُهُ ؟ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ بِمَنْ قَتَلُوهُ عَلِمٌ ، مَنْ هُوَ ؟ هُوَ عِيسَى أَمْ هُوَ غَيْرُهُ ؟ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ، يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا كَانَ لَهُمْ بِمَنْ قَتَلُوهُ مِنْ عِلْمٍ ، وَلَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا ظَنَّهُمْ فَقَتَلُوهُ ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ عِيسَى ، وَأَنَّهُ الَّذِي يُرِيدُونَ قَتْلَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ، يَقُولُ : وَمَا قَتَلُوا - هَذَا الَّذِي اتَّبَعُوهُ فِي الْمَقْتُولِ الَّذِي قَتَلُوهُ وَهُمْ يَحْسَبُونَهُ عِيسَى - يَقِينًا أَنَّهُ عِيسَى وَلَا أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مِنْهُ عَلَى ظَنٍّ وَشُبْهَةٍ .
وَهَذَا كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ : مَا قَتَلْتَ هَذَا الْأَمْرَ عِلْمًا ، وَمَا قَتَلْتَهُ يَقِينًا ، إِذَا تَكَلَّمَ فِيهِ بِالظَّنِّ عَلَى غَيْرِ يَقِينِ عِلْمٍ . فَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ : وَمَا قَتَلُوهُ ، عَائِدَةٌ عَلَى الظَّنِّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10790 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ، قَالَ : يَعْنِي لَمْ يَقْتُلُوا ظَنَّهُمْ يَقِينًا . 10791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ، قَالَ : مَا قَتَلُوا ظَنَّهُمْ يَقِينًا .
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي ذَلِكَ مَا : - 10792 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدِ بْنِ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ، وَمَا قَتَلُوا أَمْرَهُ يَقِينًا أَنَّ الرَّجُلَ هُوَ عِيسَى ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ .