حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنُزِلَ إِلَيْكَ . . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اسْتِثْنَاءٌ ، اسْتَثْنَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ ، مِنْ قَوْلِهِ : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ . ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِعِبَادِهِ ، مُبَيِّنًا لَهُمْ حُكْمَ مِنْ قَدْ هَدَاهُ لِدِينِهِ مِنْهُمْ وَوَفَّقَهُ لِرُشْدِهِ : مَا كُلُّ أَهْلِ الْكِتَابِ صِفَتُهُمُ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفْتُ لَكُمْ ، لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ، وَهُمُ الَّذِينَ قَدْ رَسَخُوا فِي الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا أَنْبِيَاؤُهُ ، وَأَتْقَنُوا ذَلِكَ ، وَعَرَفُوا حَقِيقَتَهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .

وَالْمُؤْمِنُونَ يَعْنِي : وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، هُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، وَبِالْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى مَنْ قَبْلِكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ، وَلَا يَسْأَلُونَكَ كَمَا سَأَلَكَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ مِنْهُمْ : أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ، لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِمَا قَرَءُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَأَتَتْهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ ، أَنَّكَ لِلَّهِ رَسُولٌ ، وَاجِبٌ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُكَ ، لَا يَسَعُهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى أَنْ يَسْأَلُوكَ آيَةً مُعْجِزَةً وَلَا دَلَالَةً غَيْرَ الَّذِي قَدْ عَلِمُوا مِنْ أَمْرِكَ بِالْعِلْمِ الرَّاسِخِ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ إِخْبَارِ أَنْبِيَائِهِمْ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، وَبِمَا أَعْطَيْتُكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ ، فَهُمْ لِذَلِكَ مَنْ عِلْمِهِمْ وَرُسُوخِهِمْ فِيهِ ، يُؤْمِنُونَ بِكَ وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ ، وَبِمَا أُنْزِلَ مَنْ قَبْلِكَ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ ، كَمَا : - 10836 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، اسْتَثْنَى اللَّهُ أُثْبِيَّةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ، يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيُصَدِّقُونَ ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ . ثُمَّ اخْتَلَفَ فِي الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ، أَهَمَّ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، أَمْ هُمْ غَيْرُهُمْ ؟ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمْ هُمْ .

ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو ذَلِكَ فِي سَبَبِ مُخَالَفَةِ إِعْرَابِهِمْ إِعْرَابَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَهُمَا مِنْ صِفَةِ نَوْعٍ مِنَ النَّاسِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ غَلَطٌ مِنَ الْكَاتِبِ ، وَإِنَّمَا هُوَ : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10837 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قُلْتُ لَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : مَا شَأْنُهَا كُتِبَتْ : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ؟ قَالَ : إِنَّ الْكَاتِبَ لَمَّا كَتَبَ : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ قَالَ : مَا أَكْتُبُ ؟ قِيلَ لَهُ : اكْتُبْ : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ، فَكَتَبَ مَا قِيلَ لَهُ .

10838 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِهِ : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ، وَعَنْ قَوْلِهِ : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ ) [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 69 ] ، وَعَنْ قَوْلِهِ : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [ سُورَةُ طَهَ : 63 ] ، فَقَالَتْ : يَا ابْنَ أُخْتِي ، هَذَا عَمَلُ الْكَاتِبِ ، أَخْطَئُوا فِي الْكِتَابِ . وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( وَالْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ) . وَقَالَ آخَرُونَ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ : وَالْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ، مِنْ صِفَةِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ لَمَّا تَطَاوَلَ ، وَاعْتَرَضَ بَيْنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ مَا اعْتَرَضَ مِنَ الْكَلَامِ فَطَالَ ، نُصِبَ الْمُقِيمِينَ عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ .

قَالُوا : وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صِفَةِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَنَعْتِهِ ، إِذَا تَطَاوَلَتْ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ ، خَالَفُوا بَيْنَ إِعْرَابِ أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ أَحْيَانًا ، ثُمَّ رَجَعُوا بِآخِرِهِ إِلَى إِعْرَابِ أَوَّلِهِ . وَرُبَّمَا أَجْرَوْا إِعْرَابَ آخِرَهُ عَلَى إِعْرَابِ أَوْسَطِهِ . وَرُبَّمَا أَجْرَوْا ذَلِكَ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْإِعْرَابِ .

وَاسْتَشْهَدُوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِالْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا فِي قَوْلِهِ : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 177 ] . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ مِنْ صِفَةِ غَيْرِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْ الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ . وَقَالَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةَ جَمِيعًا : مَوْضِعُ الْمُقِيمِينَ فِي الْإِعْرَابِ ، خَفْضٌ .

فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَوْضِعُهُ خَفْضٌ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو ذَلِكَ هَذَا التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، وَبِإِقَامِ الصَّلَاةِ .

قَالُوا : ثُمَّ ارْتَفَعَ قَوْلُهُ : وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، عَطْفًا عَلَى مَا فِي يُؤْمِنُونَ مِنْ ذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، هُمْ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ، الْمَلَائِكَةُ . قَالُوا : وَإِقَامَتُهُمُ الصَّلَاةِ ، تَسْبِيحُهُمْ رَبَّهُمْ ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ .

قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، وَبِالْمَلَائِكَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ، هُمْ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 61 ] . وَأَنْكَرَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يَكُونَ : الْمُقِيمِينَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَدْحِ .

وَقَالُوا : إِنَّمَا تَنْصِبُ الْعَرَبُ عَلَى الْمَدْحِ مِنْ نَعَتِ مَنْ ذَكَرَتْهُ بَعْدَ تَمَامِ خَبَرِهِ . قَالُوا : وَخَبَرُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ قَوْلُهُ : أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا . قَالَ : فَغَيْرُ جَائِزٍ نَصَبُ الْمُقِيمِينَ عَلَى الْمَدْحِ ، وَهُوَ فِي وَسَطِ الْكَلَامِ ، وَلَمَّا يَتِمَّ خَبَرُ الِابْتِدَاءِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ، وَمِنَ الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ . وَقَالُوا : مَوْضِعُ الْمُقِيمِينَ ، خَفْضٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، وَإِلَى الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْوَجْهُ وَالذِي قَبْلَهُ ، مُنْكَرٌ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَعْطِفُ بِظَاهِرٍ عَلَى مَكْنِيٍّ فِي حَالِ الْخَفْضِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ أَشْعَارِهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ ، أَنْ يَكُونَ الْمُقِيمِينَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ ، نَسَقًا عَلَى مَا ، الَّتِي فِي قَوْلِهِ : بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَأَنْ يُوَجَّهَ مَعْنَى الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ، إِلَى الْمَلَائِكَةِ . فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، مِنَ الْكِتَابِ وَبِمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، مِنْ كُتُبِي ، وَبِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ .

ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى صِفَةِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، فَيَقُولُ : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ بِالْكُتُبِ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا عَلَى غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ) ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِهِ ، فِيمَا ذَكَرُوا . فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً مِنَ الْكَاتِبِ ، لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ الْمَصَاحِفِ غَيْرَ مُصْحَفِنَا الَّذِي كَتَبَهُ لَنَا الْكَاتِبُ الَّذِي أَخْطَأَ فِي كِتَابِهِ بِخِلَافِ مَا هُوَ فِي مُصْحَفِنَا .

وَفِي اتِّفَاقِ مُصْحَفِنَا وَمُصْحَفِ أَبِيٍّ فِي ذَلِكَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي مُصْحَفِنَا مِنْ ذَلِكَ صَوَابٌ غَيْرُ خَطَأٍ . مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ خَطَأً مِنْ جِهَةِ الْخَطِّ ، لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أُخِذَ عَنْهُمُ الْقُرْآنُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُونَ مَنْ عَلَّمُوا ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ اللَّحْنِ ، وَلَأَصْلَحُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَلَقَّنُوهُ الْأُمَّةَ تَعْلِيمًا عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ . وَفِي نَقْلِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا ذَلِكَ قِرَاءَةً ، عَلَى مَا هُوَ بِهِ فِي الْخَطِّ مَرْسُومًا ، أَدُلُّ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَصَوَابِهِ ، وَأَنْ لَا صُنْعَ فِي ذَلِكَ لِلْكَاتِبِ .

وَأَمَّا مِنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى النَّصْبِ عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ لِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ يُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، لِمَا قَدْ ذَكَرَتُ قَبْلُ مِنَ الْعِلَّةِ ، وَهُوَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْدِلُ عَنْ إِعْرَابِ الِاسْمِ الْمَنْعُوتِ بِنَعْتٍ فِي نَعْتِهِ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ خَبَرِهِ . وَكَلَامُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَفْصَحُ الْكَلَامِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ تَوْجِيهُهُ إِلَّا إِلَى الَّذِي هُوَ [ أَوْلَى ] بِهِ مِنَ الْفَصَاحَةِ . وَأَمَّا تَوْجِيهُ مَنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى الْهَاءِ وَ الْمِيمِ فِي قَوْلِهِ : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَوْ : إِلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى الْكَافِ مِنْ قَوْلِهِ : بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ أَوْ : إِلَى الْكَافِ مِنْ قَوْلِهِ : وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الْفَصَاحَةِ مِنْ نَصْبِهِ عَلَى الْمَدْحِ ، لِمَا قَدْ ذَكَرَتُ قَبْلُ مِنْ قُبْحِ رَدِّ الظَّاهِرِ عَلَى الْمَكْنِيِّ فِي الْخَفْضِ .

وَأَمَّا تَوْجِيهُ مِنْ وَجَّهِ الْمُقِيمِينَ إِلَى الْإِقَامَةِ ، فَإِنَّهُ دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا مِنْ دَلَالَةِ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، وَلَا خَبَرٍ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ . وَغَيْرُ جَائِزٍ نَقْلُ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ إِلَى بَاطِنٍ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ : وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ ، وَهُوَ مِنْ صِفَتِهِمْ .

وَتَأْوِيلُهُ : وَالَّذِينَ يُعْطُونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ مَنْ جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ وَصَرَفَهَا إِلَيْهِ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، يَعْنِي : وَالْمُصَدِّقُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَأُلُوهَتِهِ ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ، يَقُولُ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صَفَّتْهُمْ سَنُؤْتِيهِمْ ، يَقُولُ : سَنُعْطِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ، يَعْنِي : جَزَاءً عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ ، وَثَوَابًا عَظِيمًا ، وَذَلِكَ الْجَنَّةُ .

القراءات1 آية
سورة النساء آية 1621 قراءة

﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ قرأ حفص بالياء ، وغيره بالنون ، وضم هاءه يعقوب . يَسْأَلُكَ لحمزة في الوقف عليه النقل فقط . أَنْ تُنَـزِّلَ قرأ المكي والبصريان بالتخفيف ، والباقون بالتشديد . أَرِنَا قرأ المكي والسوسي ويعقوب بإسكان الراء والدوري عن البصري باختلاس كسرتها ، والباقون بكسرة كاملة . لا تَعْدُوا قرأ ورش بفتح العين وتشديد الدال . وقرأ أبو جعفر بإسكان العين مع تشديد الدال أيضا . ولقالون وجهان . الأول : اختلاس فتحة العين مع تشديد الدال . والثاني : كقراءة أبي جعفر . والوجهان عنه صحيحان ، وقد ذكرهما الداني في التيسير ، فاقتصار الشاطبي له على وجه الاختلاس فيه قصور . وقرأ الباقون بإسكان العين مع تخفيف الدال . مِيثَاقًا غَلِيظًا أخفاه أبو جعفر . وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ ، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا تقدم مثلهما . وَالْمُؤْمِنُونَ ، يُؤْمِنُونَ ، الصَّلاةَ ، وَمَا صَلَبُوهُ لا يخفى ما فيه . سَنُؤْتِيهِمْ قرأ حمزة وخلف بالياء ، والباقون بالنون ، وضم يعقوب هاءه . عَظِيمًا آخر الربع . الممال لِلْكَافِرِينَ معا للبصري والدوري ورويس وبالتقليل لورش مُوسَى معا ، و عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لدى الوقف على عيسى للأصحاب بالإمالة ، وللبصري وورش بالتقليل بخلف عن الثاني . جَاءَتْهُمُ لابن ذكوان وحمزة وخلف . الرِّبَا للأخوين وخلف ولا تقليل فيه لورش . النَّاسِ لدوري البصري . المدغم " الصغير " بَلْ رَفَعَهُ لجميع القراء . بَلْ طَبَعَ للكسائي وهشام وخلاد بخلف عنه . " الكبير " وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ ، مَرْيَمَ بُهْتَانًا ، <آية الآية="162" السورة="النساء"

موقع حَـدِيث