الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا ، يَا مُحَمَّدُ ، نُبُوَّتَكَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهَا ، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ اقْتَصَصْتُ عَلَيْكَ قِصَّتَهُمْ ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَوْحَى إِلَيْكَ كِتَابُهُ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، يَعْنِي : عَنِ الدِّينِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ إِلَى خَلْقِهِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ . وَكَانَ صَدُّهُمْ عَنْهُ ، قِيلَهُمْ لِلنَّاسِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ : مَا نَجِدُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِنَا! ، وَادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُمْ عُهِدَ إِلَيْهِمْ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي وَلَدِ هَارُونَ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ دَاوُدَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي كَانُوا يُثَبِّطُونَ النَّاسَ بِهَا عَنِ اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَقَوْلُهُ : قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ، يَعْنِي : قَدْ جَارُوا عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ جَوْرًا شَدِيدًا ، وَزَالُوا عَنِ الْمَحَجَّةِ .
وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِجَوْرِهِمْ عَنِ الْمَحَجَّةِ وَضَلَالِهِمْ عَنْهَا ، إِخْطَاءَهُمْ دِينَ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ ، وَابْتَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ . يَقُولُ : مَنْ جَحَدَ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَدَّ عَمَّا بُعِثَ بِهِ مِنَ الْمِلَّةِ مَنْ قَبْلِ مِنْهُ ، فَقَدْ ضَلَّ فَذَهَبَ عَنِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ ، ضَلَالًا بَعِيدًا .