حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ . . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَسَائِرَ أَصْنَافِ الْكُفْرِ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ ، يَعْنِي : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ يَقُولُ : بِالْإِسْلَامِ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ دِينًا ، يَقُولُ : مِنْ رَبِّكُمْ ، يَعْنِي : مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ، يَقُولُ : فَصَدِّقُوهُ وَصَدِّقُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ مِنَ الدِّينِ ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْكُفْرِ بِهِ وَإِنْ تَكْفُرُوا ، يَقُولُ : وَإِنْ تَجْحَدُوا رِسَالَتَهُ وَتُكَذِّبُوا بِهِ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ ، فَإِنَّ جُحُودَكُمْ ذَلِكَ وَتَكْذِيبَكُمْ بِهِ ، لَنْ يَضُرَّ غَيْرَكُمْ ، وَإِنَّمَا مَكْرُوهُ ذَلِكَ عَائِدٌ عَلَيْكُمْ ، دُونَ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِالذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْكُمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ أَنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، مُلْكًا وَخَلْقًا ، لَا يَنْقُصُ كَفْرُكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِهِ ، وَعِصْيَانُكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا عَصَيْتُمُوهُ فِيهِ ، مِنْ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ شَيْئًا وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ، يَقُولُ : وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ، بِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ ، وَمَعْصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ ، عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِذَلِكَ مِنْكُمْ ، أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ حَكِيمًا يَعْنِي : حَكِيمًا فِي أَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، وَفِي نَهْيِهِ إِيَّاكُمْ عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِهِ فِيكُمْ وَفِي غَيْرِكُمْ مِنْ خَلْقِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَصَبَ قَوْلَهُ : خَيْرًا لَكُمْ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : نَصَبَ خَيْرًا عَلَى الْخُرُوجِ مِمَّا قَبْلِهِ مِنَ الْكَلَامِ ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ قَدْ تَمَّ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَآمَنُوا .

وَقَالَ : قَدْ سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ خَبَرٍ كَانَ تَامًّا ، ثُمَّ اتَّصَلَ بِهِ كَلَامٌ بَعْدَ تَمَامِهِ ، عَلَى نَحْوِ اتِّصَالِ خَيْرٍ بِمَا قَبْلَهُ . فَتَقُولُ : لَتَقُومَنَّ خَيْرًا لَكَ وَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ خَيْرًا لَكَ ، وَ اتَّقِ اللَّهَ خَيْرًا لَكَ . قَالَ : وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ نَاقِصًا ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِالرَّفْعِ ، كَقَوْلِكَ : إِنْ تَتَّقِ اللَّهَ خَيْرٌ لَكَ ، وَ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 25 ] .

وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : جَاءَ النَّصْبُ فِي خَيْرٍ ، لِأَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ : فَآمَنُوا هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، فَلَمَّا سَقَطَ هُوَ ، الَّذِي [ هُوَ كِنَايَةٌ ] وَمَصْدَرٌ ، اتَّصَلَ الْكَلَامُ بِمَا قَبْلَهُ ، وَالذِي قَبْلَهُ مَعْرِفَةٌ ، وَ خَيْرٌ نَكِرَةٌ ، فَانْتَصَبَ لِاتِّصَالِهِ بِالْمُعَرَّفَةِ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ مِنَ الْفِعْلِ قُمْ فَالْقِيَامُ خَيْرٌ لَكَ ، وَ لَا تَقُمْ فَتَرْكُ الْقِيَامِ خَيْرٌ لَكَ . فَلَمَّا سَقَطَ اتَّصَلَ بِالْأَوَّلِ . وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَرَى الْكِنَايَةَ عَنِ الْأَمْرِ تَصْلُحُ قَبْلَ الْخَبَرِ ، فَتَقُولُ لِلرَّجُلِ : اتَّقِ اللَّهَ هُوَ خَيْرٌ لَكَ ، أَيِ : الِاتِّقَاءُ خَيْرٌ لَكَ .

وَقَالَ : لَيْسَ نَصْبُهُ عَلَى إِضْمَارِ يَكُنْ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي بِقِيَاسٍ يُبْطِلُ هَذَا . أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ تَكُنْ مُحَسِنًا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ : اتَّقِ اللَّهَ مُحْسِنًا ، وَأَنْتَ تُضْمِرُ كَانَ ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تَقُولَ : انْصُرْنَا أَخَانَا ، وَأَنْتَ تُرِيدُ : تَكُنْ أَخَانَا ؟ وَزَعْمٌ قَائِلٌ هَذَا الْقَوْلَ أَنَّهُ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ إِلَّا فِي أَفْعَلَ خَاصَّةً ، فَتَقُولُ : افْعَلْ هَذَا خَيْرًا لَكَ ، وَ لَا تَفْعَلْ هَذَا خَيْرًا لَكَ ، وَ أَفْضَلُ لَكَ . ، وَلَا تَقُولُ : صَلَاحًا لَكَ .

وَزَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ مَعَ أَفْعَلَ ، لِأَنَّ أَفْعَلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا أَصْلَحُ مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : نُصِبَ خَيْرًا ، لِأَنَّهُ حِينَ قَالَ لَهُمْ : آمِنُوا ، أَمَرَهُمْ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : اعْمَلُوا خَيْرًا لَكُمْ ، وَكَذَلِكَ : انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 171 ] . قَالَ : وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ خَاصَّةً ، وَلَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ لَا تَقُولُ : أَنْ أَنْتَهِيَ خَيْرًا لِي ؟ وَلَكِنْ يُرْفَعُ عَلَى كَلَامَيْنِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ يُضْمَرُ فِيهِمَا فَكَأَنَّكَ أَخْرَجْتَهُ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ ، لِأَنَّكَ حِينَ قُلْتَ لَهُ : انْتَهِ ، كَأَنَّكَ قُلْتَ لَهُ : اخْرُجْ مِنْ ذَا ، وَادْخُلْ فِي آخَرَ ، وَاسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ : فَوَاعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مَالِكٍ أَوِ الرُّبَى بَيْنَهُمَا أَسْهَلَا كَمَا تَقُولُ : وَاعِدِيهِ خَيْرًا لَكِ .

قَالَ : وَقَدْ سَمِعْتُ نَصْبَ هَذَا فِي الْخَبَرِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : آتِي الْبَيْتَ خَيْرًا لِي ، وَأَتْرُكُهُ خَيْرًا لِي ، وَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ . وَقَالَ آخِرُ مِنْهُمْ : نَصَبَ خَيْرًا ، بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ، وَاكْتَفَى مِنْ ذَلِكَ الْمُضْمَرِ بِقَوْلِهِ : لَا تَفْعَلُ هَذَا أَوْ افْعَلِ الْخَيْرَ ، وَأَجَازَهُ فِي غَيْرِ أَفْعَلَ ، فَقَالَ : لَا تَفْعَلْ ذَاكَ صَلَاحًا لَكَ . وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : نَصَبَ خَيْرًا عَلَى ضَمِيرِ جَوَابِ يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ .

وَقَالَ : كَذَلِكَ كُلُّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ .

القراءات1 آية
سورة النساء آية 1701 قراءة

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    النَّبِيِّينَ جلي . إِبْرَاهِيمَ قرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها ، والباقون بكسرها وياء بعدها . زَبُورًا قرأ حمزة وخلف بضم الزاي ، والباقون بفتحها . لِئَلا قرأ ورش بإبدال الهمزة ياء ، وكذلك حمزة وقفا وله أيضا تحقيق الهمزة . صِرَاطًا جلي، وهو كذلك : فَيُوَفِّيهِمْ ، وَيَهْدِيهِمْ ضم الهاء فيهما يعقوب . إِنِ امْرُؤٌ فيه لحمزة وهشام وقفا خمسة أوجه تقديرا ، وأربعة عملا . الأول إبدال الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها فتصير واوا ساكنة . الثاني إبدالها واوا مضمومة على الرسم ثم تسكن للوقف وحينئذ يتحد هذا الوجه مع ما قبله ، الثالث إبدالها واوا مضمومة على الرسم كذلك ثم تسكن للوقف مع الإشمام . الرابع إبدالها واوا كذلك مع الروم . الخامس تسهيلها مع الروم . عَلِيمٌ آخر السورة ، وهو آخر الربع . الممال عِيسَى معا إن وقف على الثاني ، و مُوسَى بالإمالة للأصحاب والتقليل للبصري وورش بخلف عنه ، لِلنَّاسِ لدوري البصري ، وَكَفَى معا وألقاها للأصحاب بالإمالة ولورش بالتقليل بخلف عنه . جَاءَكُمُ معا بالإمالة لابن ذكوان وحمزة وخلف ، الْكَلالَةِ للكسائي وقفا بلا خلاف . المدغم " الصغير " قَدْ ضَلُّوا لورش والبصري والشامي والأخوين وخلف . قَدْ جَاءَكُمُ معا للبصري وهشام والأخوين وخلف . " الكبير " إِلَيْكَ كَمَا ، لِيَغْفِرَ لَهُمْ ، يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ ، ولا إدغام في دَاوُدَ زَبُورًا لوقوع الدال مفتوحة بعد ساكن ، والله تعالى أعلم .

موقع حَـدِيث