حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوَا فِي دِينِكُمْ . . . . "

) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ، يَا أَهْلَ الْإِنْجِيلِ مِنَ النَّصَارَى لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ، يَقُولُ : لَا تُجَاوِزُوا الْحَقَّ فِي دِينِكُمْ فَتُفَرِّطُوا فِيهِ ، وَلَا تَقُولُوا فِي عِيسَى غَيْرَ الْحَقِّ ، فَإِنَّ قَيْلَكُمْ فِي عِيسَى إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ ، قَوْلٌ مِنْكُمْ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ . لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا فَيَكُونُ عِيسَى أَوْ غَيْرُهُ مِنْ خَلْقِهِ لَهُ ابْنًا وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ . وَأَصْلُ الْغُلُوِّ ، فِي كُلِّ شَيْءٍ مُجَاوَزَةُ حَدِّهِ الَّذِي هُوَ حَدُّهُ .

يُقَالَ مِنْهُ فِي الدِّينِ : قَدْ غَلَا فَهُوَ يَغْلُو غُلُوًّا ، وَ غَلَا بِالْجَارِيَةِ عَظْمُهَا وَلَحْمُهَا ، إِذَا أَسْرَعَتِ الشَّبَابَ فَجَاوَزَتْ لِدَاتَهَا يَغْلُو بِهَا غُلُوًّا ، وَغَلَاءً ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ : خُمْصَانَةٌ قَلِقٌ مُوَشَّحُهَا رُؤْدُ الشَّبَابِ غَلَا بِهَا عَظْمُ وَقَدْ : - 10853 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : صَارُوا فَرِيقَيْنِ : فَرِيقٌ غَلَوْا فِي الدِّينِ ، فَكَانَ غُلُوُّهُمْ فِيهِ الشَّكُّ فِيهِ وَالرَّغْبَةُ عَنْهُ ، وَفَرِيقٌ مِنْهُمْ قَصَّرُوا عَنْهُ ، فَفَسَقُوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، مَا الْمَسِيحُ ، - أَيُّهَا الْغَالُونَ فِي دِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - بِابْنِ اللَّهِ ، كَمَا تَزْعُمُونَ ، وَلَكِنَّهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْخَلْقِ ، لَا نَسَبَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ . ثُمَّ نَعَتَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِنَعْتِهِ وَوَصْفَهُ بِصِفَتِهِ فَقَالَ : هُوَ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مَنْ خَلْقِهِ .

وَأَصْلُ الْمَسِيحِ ، الْمَمْسُوحُ ، صُرِّفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ . وَسَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِتَطْهِيرِهِ إِيَّاهُ مِنَ الذُّنُوبِ . وَقِيلَ : مُسِحَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْأَدْنَاسِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْآدَمِيِّينَ ، كَمَا يُمْسَحُ الشَّيْءُ مِنَ الْأَذَى الَّذِي يَكُونُ فِيهِ ، فَيَطْهْرُ مِنْهُ .

وَلِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ : الْمَسِيحُ ، الصِّدِّيقُ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِبْرَانِيَّةٌ أَوْ سُرْيَانِيَّةٌ مشيحا ، فَعُرِّبَتْ فَقِيلَ : الْمَسِيحُ ، كَمَا عُرِّبَ سَائِرُ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ : إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ مَا مُثِّلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لِ الْمَسِيحِ بِنَظِيرٍ .

وَذَلِكَ أَنْ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَسْمَاءٌ لَا صِفَاتٌ ، وَ الْمَسِيحُ صِفَةٌ . وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تُخَاطِبَ الْعَرَبُ ، وَغَيْرُهَا مِنْ أَجْنَاسِ الْخَلْقِ ، فِي صِفَةِ شَيْءٍ إِلَّا بِمِثْلِ مَا تَفْهَمُ عَمَّنْ خَاطَبَهَا . وَلَوْ كَانَ الْمَسِيحُ مِنْ غَيْرِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْقِلُ مَعْنَاهُ ، مَا خُوطِبَتْ بِهِ .

وَقَدْ أَتَيْنَا مِنَ الْبَيَانِ عَنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ . وَأَمَّا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ، فَإِنَّهُ أَيْضًا بِمَعْنَى : الْمَمْسُوحُ الْعَيْنِ ، صُرِّفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ . فَمَعْنَى : الْمَسِيحِ فِي عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَمْسُوحُ الْبَدَنِ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَالْآثَامِ وَمَعْنَى : الْمَسِيحِ فِي الدَّجَّالِ : الْمَمْسُوحُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى ، كَالذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : بِ الْكَلِمَةِ ، الرِّسَالَةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ أَنْ تَأْتِيَ مَرْيَمَ بِهَا ، بِشَارَةً مِنَ اللَّهِ لَهَا ، الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْلِهِ : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 45 ] ، يَعْنِي : بِرِسَالَةٍ مِنْهُ ، وَبِشَارَةٍ مِنْ عِنْدِهِ . وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ فِي ذَلِكَ مَا : - 10854 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، قَالَ : هُوَ قَوْلُهُ : كُنْ ، فَكَانَ . وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .

وَقَوْلُهُ : أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، يَعْنِي : أَعْلَمَهَا بِهَا وَأَخْبَرَهَا ، كَمَا يُقَالَ : أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ كَلِمَةً حَسَنَةً ، بِمَعْنَى : أَخْبَرْتُكَ بِهَا وَكَلَّمْتُكَ بِهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَرُوحٌ مِنْهُ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَنَفْخَةٌ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ حَدَثَ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دِرْعِ مَرْيَمَ بِأَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ ، فَنُسِبَ إِلَى أَنَّهُ رُوحٌ مِنَ اللَّهِ ، لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ كَانَ .

قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّفْخُ رُوحًا ، لِأَنَّهَا رِيحٌ تَخْرُجُ مِنَ الرُّوحِ ، وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ فِي صِفَةِ نَارٍ نَعَتَهَا : فَلَمَّا بَدَتْ كَفَّنْتُهَا ، وَهْيَ طِفْلَةٌ بِطَلْسَاءَ لَمْ تَكْمُلْ ذِرَاعًا وَلَا شِبْرَا وَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْهَا إِلَيْكَ ، وَأَحْيِهَا بِرُوحِكَ ، وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرَا وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِسِ الشَّخْتِ ، وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَا الصَّبَا ، وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا سِتْرَا [ وَلَمَّا تَنَمَّتْ تَأْكُلُ الرِّمَّ لَمْ تَدَعْ ذَوَابِلَ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَا خُضْرَا ] فَلَمَّا جَرَتْ فِي الْجَزْلِ جَرْيًا كَأَنَّهُ سَنَا الْبَرْقِ ، أَحْدَثْنَا لِخَالِقِهَا شُكْرَا وَقَالُوا : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَحْيِهَا بِرُوحِكَ ، أَيْ : أَحْيِهَا بِنَفْخِكَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَرُوحٌ مِنْهُ إِنَّهُ كَانَ إِنْسَانًا بِإِحْيَاءِ اللَّهِ لَهُ بِقَوْلِهِ : كُنْ . قَالُوا : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَحَيَاةٌ مِنْهُ ، بِمَعْنَى إِحْيَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِتَكْوِينِهِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَرَحْمَةٌ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ سُورَةُ الْمُجَادِلَةِ : 22 ] . قَالُوا : وَمَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : وَرَحْمَةُ مِنْهُ . قَالُوا : فَجَعَلَ اللَّهُ عِيسَى رَحْمَةً مِنْهُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ ، لِأَنَّهُ هَدَاهُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَرُوحٌ مِنَ اللَّهِ خَلَقَهَا فَصَوَّرَهَا ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا إِلَى مَرْيَمَ فَدَخَلَتْ فِي فِيهَا ، فَصَيَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى رُوحَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10855 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 172 ] ، قَالَ : أَخَذَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ ، ثُمَّ اسْتَنْطَقَهُمْ ، فَكَانَ رُوحُ عِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي أُخِذَ عَلَيْهَا الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ ، فَأَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوحَ إِلَى مَرْيَمَ ، فَدَخْلَ فِي فِيهَا ، فَحَمَلَتِ الَّذِي خَاطَبَهَا ، وَهُوَ رُوحُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الرُّوحِ هَاهُنَا ، جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ .

قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَكَلَّمَتْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، وَأَلْقَاهَا أَيْضًا إِلَيْهَا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ . قَالُوا : فَ الرُّوحُ مَعْطُوفٌ بِهِ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ : أَلْقَاهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، بِمَعْنَى : أَنَّ إِلْقَاءَ الْكَلِمَةِ إِلَى مَرْيَمَ كَانَ مِنَ اللَّهِ ، ثُمَّ مِنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلِكُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَجْهٌ وَمَذْهَبٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، فَصَدِّقُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ، بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ ، وَأَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ ، وَصَدِّقُوا رُسُلَهُ فِيمَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَفِيمَا أَخْبَرَتْكُمْ بِهِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ ، لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ، يَعْنِي : وَلَا تَقُولُوا : الْأَرْبَابُ ثَلَاثَةٌ . وَرُفِعَتِ الثَّلَاثَةُ ، بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ ، وَهُوَ هُمْ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَلَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَةٌ .

وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْقَوْلَ حِكَايَةٌ ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْحِكَايَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ، [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 22 ] . وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا وَرَدَ مِنْ مَرْفُوعٍ بَعْدَ الْقَوْلِ لَا رَافِعَ مَعَهُ ، فَفِيهِ إِضْمَارُ اسْمٍ رَافِعٍ لِذَلِكَ الِاسْمِ . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مُتَوَعِّدًا لَهُمْ فِي قَوْلِهِمُ الْعَظِيمِ الَّذِي قَالُوهُ فِي اللَّهِ : انْتَهَوْا ، أَيُّهَا الْقَائِلُونَ : اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، عَمَّا تَقُولُونَ مِنَ الزُّورِ وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ ، فَإِنَّ الِانْتِهَاءَ عَنْ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ قِيلِهِ ، لِمَا لَكَمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ الْعَاجِلِ لَكُمْ عَلَى قِيلِكُمْ ذَلِكَ ، إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ تُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ الَّذِي أَمَرَتْكُمْ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالْآجِلِ فِي مَعَادِكُمْ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ( 171 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، مَا اللَّهُ ، أَيُّهَا الْقَائِلُونَ : اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، كَمَا تَقُولُونَ ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، فَلَيْسَ بِإِلَهٍ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ صَاحِبَةٌ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا مَعْبُودًا . وَلَكِنَّ اللَّهَ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَةُ وَالْعِبَادَةُ ، إِلَهٌ وَاحِدٌ مَعْبُودٌ ، لَا وَلَدَ لَهُ ، وَلَا وَالِدَ ، وَلَا صَاحِبَةَ ، وَلَا شَرِيكَ .

ثُمَّ نَزَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفْسَهُ وَعَظَّمَهَا وَرَفَعَهَا عَمَّا قَالَ فِيهِ أَعْدَاؤُهُ الْكَفَرَةُ بِهِ فَقَالَ : سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ، يَقُولُ : عَلَا اللَّهُ وَجَلَّ وَعَزَّ وَتَعَظَّمَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ صَاحِبَةٌ . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ : أَنْ عِيسَى وَأُمَّهُ وَمِنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، عَبِيدُهُ وَإِمَاؤُهُ وَخَلْقُهُ ، وَأَنَّهُ رَازِقُهُمْ وَخَالُقُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ أَهْلُ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ إِلَيْهِ احْتِجَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَهُ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ ابْنُهُ كَمَا قَالُوا ، لَمْ يَكُنْ ذَا حَاجَةِ إِلَيْهِ ، وَلَا كَانَ لَهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا ، فَقَالَ : لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ، يَعْنِي : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مُلْكًا وَخَلْقًا ، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيَقُوتُهُمْ وَيُدَبِّرُهُمْ ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَسِيحُ ابْنًا لِلَّهِ ، وَهُوَ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ ، غَيْرُ خَارِجٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ ؟ وَقَوْلُهُ : وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ، يَقُولُ : وَحَسْبُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ بِاللَّهِ قَيِّمًا وَمُدَبِّرًا وَرَازِقًا ، مِنَ الْحَاجَةِ مَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ .

موقع حَـدِيث