حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ . . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ أُنْزِلَتْ إِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَخْلَاقَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ . كَالَّذِي : - 11567 - حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ : الْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَأَنَّ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ، مِنْ صِفَاتِهِمْ وَصِفَاتِ أَوَائِلِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَأَخْلَاقِ أَسْلَافِهِمْ قَدِيمًا وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ ، بِإِطْلَاعِهِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَانَ عَلِمَهُ عِنْدَهُمْ دُونَ الْعَرَبِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِهِمْ وَمَكْنُونِ عُلُومِهِمْ وَتَوْبِيخًا لِلْيَهُودِ فِي تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيِّ ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِخَطَإِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ .

يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسْتَعْظِمُوا أَمْرَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ بِمَا هَمُّوا بِهِ لَكُمْ ، وَلَا أَمْرَ الْغَدْرِ الَّذِي حَاوَلُوهُ وَأَرَادُوهُ بِكُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، لَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ وَطَرِيقِ سَلَفِهِمْ . ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَزَّ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ غَدَرَاتِهِمْ وَخِيَانَاتِهِمْ وَجَرَاءَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ بَارِئُهُمْ ، مَعَ نِعَمِهِ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا ، وَكَرَامَاتِهِ الَّتِي طَوَّقَهُمْ شُكْرُهَا ، فَقَالَ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ سَلَفِ مَنْ هَمَّ بِبَسْطِ يَدِهِ إِلَيْكُمْ مَنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ لَهُ بِعُهُودِهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ ، كَمَا : - 11568 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ : أَخَذَ اللَّهُ مَوَاثِيقَهُمْ أَنْ يُخْلِصُوا لَهُ ، وَلَا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ . وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَعْنِي بِذَلِكَ : وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ كَفِيلًا كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ لِلَّهِ بِمَا وَاثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُهُودِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ .

وَ النَّقِيبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَالْعَرِيفِ عَلَى الْقَوْمِ ، غَيْرَ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرِيفِ . يُقَالُ مِنْهُ : نَقُبَ فَلَانٌ عَلَى بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ يَنْقِبُ نَقْبًا فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَقِيبًا فَصَارَ نَقِيبًا ، قِيلَ : قَدْ نَقُبَ فَهُوَ يَنْقِبُ نَقَابَةً وَمِنَ الْعَرِيفِ : عَرَفَ عَلَيْهِمْ يَعْرُفُ عِرَافَةً . فَأَمَّا الْمَنَاكِبُ فَإِنَّهُمْ كَالْأَعْوَانِ يَكُونُونَ مَعَ الْعُرَفَاءِ ، وَاحِدُهُمْ مَنْكِبٌ .

وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ : هُوَ الْأَمِينُ الضَّامِنُ عَلَى الْقَوْمِ . فَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا بَيْنَهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى قَوْمِهِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11569 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلٌ شَاهِدٌ عَلَى قَوْمِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : النَّقِيبُ ، الْأَمِينُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11570 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : النُّقَبَاءُ الْأُمَنَاءُ .

11571 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، مِثْلَهُ . وَإِنَّمَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَمَرَ مُوسَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْثَةِ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْضِ الْجَبَابِرَةِ بِالشَّأْمِ ، لِيَتَحَسَّسُوا لِمُوسَى أَخْبَارَهُمْ إِذْ أَرَادَ هَلَاكَهُمْ ، وَأَنْ يُوَرِّثَ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ مُوسَى وَقَوْمَهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا مَسَاكِنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَا أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ ، فَبَعَثَ مُوسَى الَّذِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِبَعْثِهِمْ إِلَيْهَا مِنَ النُّقَبَاءِ ، كَمَا : 11572 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَا ، وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ بَعَثَ مُوسَى اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَسَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْجَبَابِرَةِ ، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ يُقَالُ لَهُ عَاجٌ ، فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ، فَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَتِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ حَمْلَةُ حَطَبٍ .

فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ : انْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُقَاتِلُونَا!! فَطَرَحَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهَا ، فَقَالَ : أَلَا أَطْحَنُهُمْ بِرِجْلِي! فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا رَأَوْا . فَفَعَلَ ذَلِكَ . فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْمُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَبَرَ الْقَوْمِ ، ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَكِنِ اكْتُمُوهُ وَأَخْبِرُوا نَبِيَّيِ اللَّهِ ، فَيَكُونَانِ هُمَا يَرَيَانِ رَأْيَهُمَا! فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْمِيثَاقَ بِذَلِكَ لِيَكْتُمُوهُ ، ثُمَّ رَجَعُوا فَانْطَلَقَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ فَنَكَثُوا الْعَهْدَ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أَخَاهُ وَأَبَاهُ بِمَا رَأَى مِنْ [ أَمْرِ ] عَاجٍ وَكَتَمَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ ، فَأَتَوْا مُوسَى ، وَهَارُونَ ، فَأَخْبَرُوهُمَا الْخَبَرَ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا .

11573 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ ، أَرْسَلَهُمْ مُوسَى إِلَى الْجَبَّارِينَ ، فَوَجَدُوهُمْ يَدْخُلُ فِي كُمِّ أَحَدِهِمُ اثْنَانِ مِنْهُمْ يُلْقُونَهُمْ إِلْقَاءً وَلَا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إِلَّا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ مِنْهُمْ فِي خَشَبَةٍ وَيَدْخُلُ فِي شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إِذَا نُزِعَ حَبُّهَا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ أَوْ أَرْبَعٌ . فَرَجَعَ النُّقَبَاءُ كُلٌّ مِنْهُمْ يَنْهَى سِبْطَهُ عَنْ قِتَالِهِمْ إِلَّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَكِلَابَ بْنَ يَافِنَةَ ، يَأْمُرَانِ الْأَسْبَاطَ بِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ وَبِجِهَادِهِمْ ، فَعَصَوْا هَذَيْنِ وَأَطَاعُوا الْآخَرِينَ . 11574 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ وَقَالَ أَيْضًا : يُلْقُونَهُمَا .

11575 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : أُمِرَ مُوسَى أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَقَالَ : إِنِّي قَدْ كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا فَاخْرُجْ إِلَيْهَا ، وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ ، فَإِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَخُذْ مِنْ قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ عَلَى قَوْمِهِ بِالْوَفَاءِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ ، وَقُلْ لَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكُمْ : إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ . إِلَى قَوْلِهِ : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وَأَخَذَ مُوسَى مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا اخْتَارَهُمْ مِنَ الْأَسْبَاطِ كُفَلَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ ، عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ . وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ خَيْرَهُمْ وَأَوْفَاهُمْ رَجُلًا .

يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيهَ بَيْنَ مِصْرَ وَالشَّامِ وَهِيَ بِلَادٌ لَيْسَ فِيهَا خَمَرٌ وَلَا ظِلٌّ دَعَا مُوسَى رَبَّهُ حِينَ آذَاهُمُ الْحَرُّ ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ ، وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى . وَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى فَقَالَ : أَرْسِلْ رِجَالًا يَتَحَسَّسُونَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي وُهِبَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا . فَأَرْسَلَ مُوسَى الرُّءُوسَ كُلَّهُمُ الَّذِينَ فِيهِمْ ، [ فَبَعَثَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِنْ بَرِّيَّةِ فَارَانَ بِكَلَامِ اللَّهِ ، وَهُمْ رُءُوسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ] .

وَهَذِهِ أَسْمَاءُ الرَّهْطِ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ ، فِيمَا يَذْكُرُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ لِيَجُوسُوهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطِ رُوبِيلَ : شَامُونُ بْنُ زَكَوَّرَ وَمِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ : شَافَاطُ بْنُ حُرَّى وَمِنْ سِبْطِ يَهُوذَا : كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا وَمِنْ سِبْطِ أَتَيْنَ : يَجَائِلُ بْنُ يُوسُفَ وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ : وَهُوَ سِبْطُ أَفْرَائِيمَ : يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَمِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ فَلَطُ بْنُ رَفُونَ وَمِنْ سِبْطِ زَبَالُونَ : جُدَّى بْنُ سُودَى وَمِنْ سِبْطِ مَنْشَا بْنِ يُوسُفَ : جُدَّى بْنُ سُوسَا وَمِنْ سِبْطِ دَانٍ : حَمْلَائِلُ بْنُ جَمْلٍ وَمِنْ سِبْطِ أَشَر : سَاتُورُ بْنُ مَلْكِيلَ وَمِنْ سِبْطِ نَفْتَالَى : نُحَى بْنُ وَفْسَى وَمِنْ سِبْطِ جَادٍ : جُولَايِلُ بْنُ مِيكَى . فَهَذِهِ أَسْمَاءُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مُوسَى يَتَحَسَّسُونَ لَهُ الْأَرْضَ وَيَوْمئِذَ سَمَّى هُوشَعَ بْنَ نُونٍ : يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَأَرْسَلَهُمْ وَقَالَ لَهُمُ : ارْتَفِعُوا قِبَلَ الشَّمْسِ ، فَارْقُوا الْجَبَلَ ، وَانْظُرُوا مَا فِي الْأَرْضِ ، وَمَا الشِّعْبُ الَّذِي يَسْكُنُونَ ، أَقْوِيَاءُ هُمْ أَمْ ضُعَفَاءُ ، أَقَلِيلٌ هُمْ أَمْ كَثِيرٌ؟ وَانْظُرُوا أَرْضَهُمُ الَّتِي يَسْكُنُونَ : أَسَمِينَةٌ هِيَ [ أَمْ هَزِيلَةٌ ] ؟ أَذَاتُ شَجَرٍ أَمْ لَا؟ اجْتَازُوا ، وَاحْمِلُوا إِلَيْنَا مِنْ ثَمَرَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ . وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَا أَشْجَنَ بِكْرُ ثَمَرَةِ الْعِنَبِ .

11576 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا فَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بَعَثَهُمْ مُوسَى لِيَنْظُرُوا لَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ . فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتِهِمْ وِقْرَ رَجُلٍ ، فَقَالُوا : اقْدُرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وَبَأْسَهَمْ ، هَذِهِ فَاكِهَتُهُمْ! فَعِنْدَ ذَلِكَ فُتِنُوا فَقَالُوا : لَا نَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ ، ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 24 ] . 11577 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا أَمَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسِيرُوا إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مَعَ نَبِيِّهِمْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا كَانُوا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ لَهُمْ مُوسَى : ادْخُلُوهَا ! فَأَبَوْا وَجَبُنُوا ، وَبَعَثُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ ، فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا ، فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتِهِمْ بِوِقْرِ الرَّجُلِ ، فَقَالُوا : اقْدُرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وَبَأْسَهُمْ ، هَذِهِ فَاكِهَتُهُمْ!! فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا لِمُوسَى : ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَالَ اللَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنِّي مَعَكُمْ ، يَقُولُ : إِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّي الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِمْ ، إِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ وَوَفَّيْتُمْ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ . وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ ، اسْتُغْنِيَ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَمَّا حُذِفَ مِنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ إِنِّي مَعَكُمْ فَتَرَكَ ذِكْرَ لَهُمْ ، اسْتِغْنَاءً بِقَوْلِهِ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِذْ كَانَ مُتَقَدِّمُ الْخَبَرِ عَنْ قَوْمٍ مُسَمَّيْنَ بِأَعْيَانِهِمْ ، فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ ، إِذْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ .

ثُمَّ ابْتَدَأَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقَسَمَ فَقَالَ : قَسَمًا لَئِنْ أَقَمْتُمْ ، مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ، أَيْ : أَعْطَيْتُمُوهَا مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِإِعْطَائِهَا وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي يَقُولُ : وَصَدَّقْتُمْ بِمَا أَتَاكُمْ بِهِ رُسُلِي مِنْ شَرَائِعِ دِينِي . وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ : هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ . 11578 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ : سِيرُوا إِلَيْهِمْ يَعْنِي : إِلَى الْجَبَّارِينَ فَحَدِّثُونِي حَدِيثَهُمْ ، وَمَا أَمْرُهُمْ ، وَلَا تَخَافُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيعُ فِي ذَلِكَ بِبَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ ، غَيْرَ أَنَّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ أَنَّهُ نَاصِرُ مَنْ أَطَاعَهُ ، وَوَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ وَتَجَنَّبَ مَعْصِيَتَهُ وَتَحَامَى ذُنُوبَهُ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ مِنْ طَاعَتِهِ إِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ ، وَسَائِرُ مَا نَدَبَ الْقَوْمَ إِلَيْهِ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ بِذَلِكَ وَإِدْخَالَ الْجَنَّاتِ بِهِ . لَمْ يُخَصِّصْ بِهِ النُّقَبَاءَ دُونَ سَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَيْرَهُمْ .

فَكَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِلْقَوْمِ جَمِيعًا ، وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِبَعْضٍ وَحَضًّا لِخَاصٍّ دُونَ عَامٍّ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَعَزَّرْتُمُوهُمْ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : وَنَصَرْتُمُوهُمْ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11579 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَعَزَّرْتُمُوهُمْ قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ . 11580 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 11581 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : وَعَزَّرْتُمُوهُمْ قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ بِالسَّيْفِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11582 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَعَزَّرْتُمُوهُمْ قَالَ : التَّعْزِيزُ وَ التَّوْقِيرُ ، الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِهِ .

فَذُكِرَ عَنْ يُونُسَ [ الْحَرْمَرِيِّ ] أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ . 11583 - حُدِّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ . وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ : مَعْنَى ذَلِكَ نَصَرْتُمُوهُمْ ، وَأَعَنْتُمُوهُمْ ، وَوَقَّرْتُمُوهُمْ وَعَظَّمْتُمُوهُمْ ، وَأَيَّدْتُمُوهُمْ ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ : وَكَمْ مِنْ مَاجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ وَمِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ فِي النَّدِيِّ وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ : الْعَزْرُ الرَّدُّ عَزَرْتُهُ ، رَدَدْتُهُ : إِذَا رَأَيْتُهُ يَظْلِمُ فَقُلْتُ : اتَّقِ اللَّهَ أَوْ نَهَيْتُهُ ، فَذَلِكَ الْعَزْرُ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : نَصَرْتُمُوهُمْ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [ سُورَةُ الْفَتْحِ : 8 ، 9 ] فَ التَّوْقِيرُ هُوَ التَّعْظِيمُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بَعْضُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَا عَنْهُ .

وَإِذَا فَسَدَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : التَّعْظِيمُ وَكَانَ النَّصْرُ قَدْ يَكُونُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ ، فَأَمَّا بِالْيَدِ فَالذَّبُّ بِهَا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وغيِرهِ ، وَأَمَّا بِاللِّسَانِ فَحُسْنُ الثَّنَاءِ ، وَالذَّبُّ عَنِ الْعِرْضِ صَحَّ أَنَّهُ النَّصْرُ ، إِذْ كَانَ النَّصْرُ يَحْوِي مَعْنَى كُلِّ قَائِلٍ قَالَ فِيهِ قَوْلًا مِمَّا حَكَيْنَا عَنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَأَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ فِي جِهَادِ عَدُوِّهُ وَعَدُوِّكُمْ قَرْضًا حَسَنًا يَقُولُ : وَأَنْفَقْتُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيلِهِ ، فَأَصَبْتُمُ الْحَقَّ فِي إِنْفَاقِكُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ تَتَعَدَّوْا فِيهِ حُدُودَ اللَّهِ وَمَا نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ وَحَثَّكُمْ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ : وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَلَمْ يَقُلْ : إِقْرَاضًا حَسَنًا ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَصْدَرَ أَقْرَضْتَ الْإِقْرَاضُ ؟ قِيلَ : لَوْ قِيلَ ذَلِكَ كَانَ صَوَابًا ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ : قَرْضًا حَسَنًا أَخْرَجَ مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ .

وَذَلِكَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ : أَقْرَضَ مَعْنَى قَرَضَ ، كَمَا فِي مَعْنَى أَعْطَى أَخَذَ . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَقَرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا [ سُورَةُ نُوحٍ : 17 ] إِذْ كَانَ فِي أَنْبَتَكُمْ مَعْنَى : فَنَبَتُّمْ ، وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلَالِ إِذْ كَانَ فِي رُضْتُ مَعْنَى أَذْلَلْتُ ، فَخَرَجَ الْإِذْلَالُ مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ، أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ أَعْطَوْنِي مِيثَاقَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِطَاعَتِي وَاتِّبَاعِ أَمْرِي ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ، وَفَعَلْتُمْ سَائِرَ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ جَنَّتِي لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، يَقُولُ : لَأُغَطِّيَنَّ بِعَفْوِي عَنْكُمْ - وَصَفْحِي عَنْ عُقُوبَتِكُمْ ، عَلَى سَالِفِ أَجْرَامِكُمُ الَّتِي أَجْرَمْتُمُوهَا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ - عَلَى ذُنُوبِكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُوبِقَاتِ ذُنُوبِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ مَعَ تَغْطِيَتِي عَلَى ذَلِكَ مِنْكُمْ بِفَضْلِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ .

فَ الْجَنَّاتُ الْبَسَاتِينُ . وَإِنَّمَا قُلْتُ مَعْنَى قَوْلِهِ : لَأُكَفِّرَنَّ لَأُغَطِّيَنَّ ، لِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْنَاهُ الْجُحُودُ ، وَالتَّغْطِيَةُ ، وَالسَّتْرُ ، كَمَا قَالَ لَبِيَدٌ : فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا يَعْنِي : غَطَّاهَا ، فَ التَّكْفِيرُ التَّفْعِيلُ مِنَ الْكَفْرِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : لَأُكَفِّرَنَّ .

فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : اللَّامُ الْأُولَى عَلَى مَعْنَى الْقَسَمِ يَعْنِي اللَّامَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ قَالَ : وَالثَّانِيَةُ مَعْنَى قَسَمٍ آخَرَ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : بَلِ اللَّامُ الْأُولَى وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْيَمِينِ ، فَاكْتُفِيَ بِهَا عَنِ الْيَمِينِ يَعْنِي بِ اللَّامِ الْأُولَى : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ . قَالَ : وَ اللَّامُ الثَّانِيَةُ يَعْنِي قَوْلَهُ : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ جَوَابٌ لَهَا ، يَعْنِي اللَّامَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَاعْتَلَّ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُ : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ غَيْرُ تَامٍّ وَلَا مُسْتَغْنٍ عَنْ قَوْلِهِ : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ .

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ قَسَمًا مُبْتَدَأً ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْيَمِينِ إِذْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْهُ . وَقَوْلُهُ : ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) يَقُولُ : تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِ هَذِهِ الْبَسَاتِينِ الَّتِي أُدْخِلُكُمُوهَا الْأَنْهَارُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 12 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : فَمَنْ جَحَدَ مِنْكُمْ ، يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرْتُهُ بِهِ فَتَرَكَهُ ، أَوْ رَكِبَ مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ فَعَمِلَهُ بَعْدَ أَخْذِي الْمِيثَاقَ عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ لِي بِطَاعَتِي وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِي فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ يَقُولُ : فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْدَ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ ، وَزَلَّ عَنْ مَنْهَجِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ .

وَالضَّلَالُ ، الرُّكُوبُ عَلَى غَيْرِ هُدًى ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَوْلُهُ : سَوَاءَ يَعْنِي بِهِ وَسَطَ ، وَ السَّبِيلِ ، الطَّرِيقِ . وَقَدْ بَيَّنَا تَأْوِيلَ ذَلِكَ كُلِّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .

القراءات1 آية
سورة المائدة آية 121 قراءة

﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    إِسْرَائِيلَ لا يخفى ما فيه لأبي جعفر وحمزة وكذلك الصَّلاةَ وأيضا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ . قَاسِيَةً قرأ الأخوان بحذف الألف ، وتشديد الياء والباقون بإثبات الألف وتخفيف الياء . وَالْبَغْضَاءَ إِلَى سهل الثانية المدنيان والمكي والبصري ورويس بين بين ، وحققها الباقون ولا خلاف في تحقيق الأولى كما سبق . يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ فيه لحمزة وقفا تسهيل الهمزة وإبدالها ياء خالصة . كَثِيرًا رقق الراء ورش . رِضْوَانَهُ لا خلاف في كسر رائه ، فشعبة فيه كغيره . وَيَهْدِيهِمْ ضم الهاء يعقوب . صِرَاطٍ جلي ، وكذلك فَلِمَ وقفا . أَبْنَاءُ اللَّهِ فيه لحمزة وهشام وقفا اثنا عشر وجها على ما في بعض المصاحف من تصوير الهمزة واوا ، وخمسة على ما في البعض الآخر من رسمها بلا واو . وَأَحِبَّاؤُهُ فيه لحمزة وقفا تحقيق الأولى وتسهيلها وعلى كل منهما تسهيل الثانية مع المد والقصر فيكون له فيها أربعة أوجه فإذا نظرنا إلى جواز الروم والإشمام في هاء الضمير عند القائلين به تكون الأوجه اثني عشر وجها حاصلة من ضرب الأربعة السابقة في ثلاثة هاء الضمير . هذا هو الصحيح لحمزة في الوقف على هذه الكلمة . وهناك أوجه أخر شاذة أو ضعيفة أعرضنا عن ذكرنا لعدم جواز القراءة بها . مِمَّنْ خَلَقَ فيه إخفاء أبي جعفر . يَغْفِرُ لِمَنْ رقق الراء ورش ومثله بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ . أَنْبِيَاءَ ، يُؤْتِ ، الأَرْضَ وصلا ووقفا ، عَلَيْهِمَا ، عَلَيْهِمُ الْبَابَ ، دَخَلْتُمُوهُ ، عَلَيْهِمُ ، تَأْسَ ، كله واضح . عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ آخر الربع . <الصفحات جزء=

موقع حَـدِيث