حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ "

) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، لَا تَعْجَبَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ ، وَنَكَثُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، غَدْرًا مِنْهُمْ بِكَ وَبِأَصْحَابِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَاتِهِمْ وَعَادَاتِ سَلَفِهِمْ ، وَمِنْ ذَلِكَ أنِّي أَخَذْتُ مِيثَاقَ سَلَفِهِمْ عَلَى عَهْدِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَاعَتِي ، وَبَعَثْتُ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَدْ تُخُيِّرُوا مِنْ جَمِيعِهِمْ لِيَتَحَسَّسُوا أَخْبَارَ الْجَبَابِرَةِ ، وَوَعَدْتُهُمُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ ، وَأَنْ أُوَرِّثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، بَعْدَ مَا أَرَيْتُهُمْ مِنَ الْعِبَرِ ، وَالْآيَاتِ - بِإِهْلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فِي الْبَحْرِ ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ لَهُمْ ، وَسَائِرِ الْعِبَرِ - مَا أَرَيْتُهُمْ ، فَنَقَضُوا مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقُونِي وَنَكَثُوا عَهْدِي ، فَلَعَنْتُهُمْ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ خِيَارِهِمْ مَعَ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ ، فَلَا تَسْتَنْكِرُوا مِثْلَهُ مِنْ فِعْلِ أَرَاذِلِهِمْ . وَفَى الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ - فَنَقَضُوا الْمِيثَاقَ ، فَلَعَنْتُهُمْ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ فَاكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ مِنْ ذِكْرِ فَنَقَضُوا .

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ . 11584 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ يَقُولُ : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ . 11585 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ قَالَ : هُوَ مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ فَنَقَضُوهُ .

وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى اللَّعْنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَ الْهَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ قَوْلِهِ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ عَائِدَتَانِ عَلَى ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .

فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ : ( قَاسِيَةً ) بِالْأَلِفِ عَلَى تَقْدِيرِ فَاعِلَةٍ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَسَا قَلْبُهُ ، فَهُوَ يَقْسُو وَهُوَ قَاسٍ ، وَذَلِكَ إِذَا غَلُظَ وَاشْتَدَّ وَصَارَ يَابِسًا صُلْبًا كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ : فَلَعَنَّا الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وَلَمْ يَفُوا بِمِيثَاقِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقُونِي وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ، غَلِيظَةً يَابِسَةً عَنِ الْإِيمَانِ بِي ، وَالتَّوْفِيقِ لِطَاعَتِي ، مَنْزُوعَةً مِنْهَا الرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) . ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ .

فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ مَعْنَى الْقَسْوَةِ ، لِأَنَّ فَعِيلَةً فِي الذَّمِّ أَبْلَغُ مِنْ فَاعِلَةً ، فَاخْتَرْنَا قِرَاءَتَهَا قَسِيَّةً عَلَى قَاسِيَةً لِذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ مَعْنَى قَسِيَّةً غَيْرُ مَعْنَى الْقَسْوَةِ ، وَإِنَّمَا الْقَسِيَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْقُلُوبُ الَّتِي لَمْ يَخْلُصْ إِيمَانُهَا بِاللَّهِ ، وَلَكِنْ يُخَالِطُ إِيمَانَهَا كُفْرٌ ، كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّةِ ، وَهِيَ الَّتِي يُخَالِطُ فِضَّتَهَا غِشٌّ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ : لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلَامِ كَمَا صَاحَ الْقَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ يَصِفُ بِذَلِكَ وَقْعَ مَسَاحِي الَّذِينَ حَفَرُوا قَبْرَ عُثْمَانَ عَلَى الصُّخُورِ ، وَهِيَ السِّلَامُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) عَلَى فَعِيلَةً ، لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي ذَمِّ الْقَوْمِ مِنْ قَاسِيَةً .

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ : فَعِيلَةً مِنَ الْقَسْوَةِ ، كَمَا قِيلَ : نَفْسٌ زَكِيَّةٌ وَ زَاكِيَةٌ ، وَ امْرَأَةٌ شَاهِدَةٌ وَ شَهِيدَةٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ الْقَوْمَ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِهِ ، وَلَمْ يَصِفْهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِيمَانِ ، فَتَكُونُ قُلُوبُهُمْ مَوْصُوفَةً بِأَنَّ إِيمَانَهَا يُخَالِطُهُ كُفْرٌ ، كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّةِ الَّتِي يُخَالِطُ فِضَّتَهَا غِشٌّ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : وَجَعَلْنَا قُلُوبَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عُهُودَنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَسِيَّةً ، مَنْزُوعًا مِنْهَا الْخَيْرُ ، مَرْفُوعًا مِنْهَا التَّوْفِيقُ ، فَلَا يُؤْمِنُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ ، فَهُمْ لِنَزْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَالْإِيمَانَ ، يُحَرِّفُونَ كَلَامَ رَبِّهِمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِمْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ ، فَيُبَدِّلُونَهُ ، وَيَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ غَيْرَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى نَبِيِّهِمْ ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِجُهَّالِ النَّاسِ : هَذَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي أَوْحَاهَا إِلَيْهِ . وَهَذَا مِنْ صِفَةِ الْقُرُونِ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ مُوسَى مِنَ الْيَهُودِ ، مِمَّنْ أَدْرَكَ بَعْضُهُمْ عَصْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَدْخَلَهُمْ فِي عِدَادِ الَّذِينَ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَ مُوسَى مِنْهُمْ ، إِذْ كَانُوا مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَعَلَى مِنْهَاجِهِمْ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ، وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ ، وَنَقْضِ الْمَوَاثِيقِ الَّتِي أَخَذَهَا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ ، كَمَا : - 11586 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ يَعْنِي حُدُودَ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ ، وَيَقُولُونَ : إِنْ أَمَرَكُمْ مُحَمَّدٌ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَاقْبَلُوهُ ، وَإِنْ خَالَفَكُمْ فَاحْذَرُوا .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَنَسُوا حَظًّا وَتَرَكُوا نَصِيبًا ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 67 ] أَيْ : تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ . وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ . وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11587 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يَقُولُ : تَرَكُوا نَصِيبًا . 11588 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ قَالَ : تَرَكُوا عُرَى دِينِهِمْ ، وَوَظَائِفَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّتِي لَا تُقْبَلُ الْأَعْمَالُ إِلَّا بِهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَزَالُ يَا مُحَمَّدُ تَطَّلِعُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْبَأْتُكَ نَبَأَهُمْ ، مِنْ نَقْضِهِمْ مِيثَاقِي ، وَنَكْثِهِمْ عَهْدِي ، مَعَ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ ، وَنِعْمَتِي عَلَيْهِمْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [ لَمْ يَخُونُوا ] .

وَ الْخَائِنَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْخِيَانَةُ ، وُضِعَ - وَهُوَ اسْمٌ - مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ ، كَمَا قِيلَ : خَاطِئَةً ، لِلْخَطِيئَةِ وَ قَائِلَةً لِلْقَيْلُولَةِ . وَقَوْلُهُ : إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْهَاءِ وَالْمِيمِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11589 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ قَالَ : عَلَى خِيَانَةٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ . 11590 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، مِثْلُ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخْلَ حَائِطَهُمْ . 11591 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، بِنَحْوِهِ .

11592 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ قَوْلُهُ : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ مِنْ يَهُودَ ، مِثْلُ الَّذِي هَمُّوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنٍ مِنْهُمْ ، قَالَ : وَالْعَرَبُ تَزِيدُ الْهَاءَ فِي آخِرِ الْمُذَكَّرِ كَقَوْلِهِمْ : هُوَ رَاوِيَةٌ لِلشِّعْرِ ، وَ رَجُلٌ عَلَّامَةَ ، وَأَنْشَدَ : حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ ولَمْ تَكُنْ لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الْإِصْبَعِ فَقَالَ : خَائِنَةً ، وَهُوَ يُخَاطِبُ رَجُلًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ الْقَوْلُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .

لِأَنَّ اللَّهَ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ الْقَوْمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، إِذْ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ ، فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عَلَى مَا قَدْ هَمُّوا بِهِ . ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ أَخْبَارَ أَوَائِلِهِمْ ، وَإِعْلَامِهِ مَنْهَجَ أَسْلَافِهِمْ ، وَأَنَّ آخِرَهُمْ عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ فِي الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ ، لِئَلَّا يَكْبُرَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى خِيَانَةٍ وَغَدْرٍ وَنَقْضِ عَهْدٍ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَطَّلِعُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ خَائِنٍ . وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ ابْتُدِئَ بِهِ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ فَقِيلَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ، ثُمَّ قِيلَ : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ، فَإِذْ كَانَ الِابْتِدَاءُ عَنِ الْجَمَاعَةِ ، فَالْخَتْمُ بِالْجَمَاعَةِ أَوْلَى .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 13 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَفْوِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُ : اعْفُ ، يَا مُحَمَّدُ ، عَنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ بَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ بِالْقَتْلِ ، وَاصْفَحْ لَهُمْ عَنْ جُرْمِهِمْ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَمَكْرُوهِهِمْ ، فَإِنِّي أُحِبُّ مَنْ أَحْسَنَ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ . وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ : هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ .

وَيَقُولُ : نَسَخَتْهَا آيَةُ بَرَاءَةٌ : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الْآيَةَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 29 ] . 11593 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ، قَالَ : نَسَخَتْهَا : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . 11594 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، وَلَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتَالِهِمْ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَصْفَحَ .

ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي بَرَاءَةٌ فَقَالَ : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 29 ] ، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ . 11595 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي عُرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ غَيْرُ مَدْفُوعٍ إِمْكَانُهُ ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسِخَ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ ، هُوَ مَا كَانَ نَافِيًا كُلَّ مَعَانِي خِلَافِهِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، فَأَمَّا مَا كَانَ غَيْرَ نَافٍ جَمِيعَهُ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ نَاسِخٌ إِلَّا بِخَبَرٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَوْ مِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِنَفْيِ مَعَانِي الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْيَهُودِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ جَائِزًا ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِالصَّغَارِ ، وَأَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ الْقِتَالِ ، الْأَمْرُ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ فِي غَدْرَةٍ هَمُّوا بِهَا ، أَوْ نَكْثَةٍ عَزَمُوا عَلَيْهَا ، مَا لَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا دُونَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، وَيَمْتَنِعُوا مِنَ الْأَحْكَامِ اللَّازِمَتِهِمْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا أَنْ يُحْكَمَ لِقَوْلِهِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ الْآيَةَ ، بِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَوْلَهُ : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .

القراءات1 آية
سورة المائدة آية 131 قراءة

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    إِسْرَائِيلَ لا يخفى ما فيه لأبي جعفر وحمزة وكذلك الصَّلاةَ وأيضا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ . قَاسِيَةً قرأ الأخوان بحذف الألف ، وتشديد الياء والباقون بإثبات الألف وتخفيف الياء . وَالْبَغْضَاءَ إِلَى سهل الثانية المدنيان والمكي والبصري ورويس بين بين ، وحققها الباقون ولا خلاف في تحقيق الأولى كما سبق . يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ فيه لحمزة وقفا تسهيل الهمزة وإبدالها ياء خالصة . كَثِيرًا رقق الراء ورش . رِضْوَانَهُ لا خلاف في كسر رائه ، فشعبة فيه كغيره . وَيَهْدِيهِمْ ضم الهاء يعقوب . صِرَاطٍ جلي ، وكذلك فَلِمَ وقفا . أَبْنَاءُ اللَّهِ فيه لحمزة وهشام وقفا اثنا عشر وجها على ما في بعض المصاحف من تصوير الهمزة واوا ، وخمسة على ما في البعض الآخر من رسمها بلا واو . وَأَحِبَّاؤُهُ فيه لحمزة وقفا تحقيق الأولى وتسهيلها وعلى كل منهما تسهيل الثانية مع المد والقصر فيكون له فيها أربعة أوجه فإذا نظرنا إلى جواز الروم والإشمام في هاء الضمير عند القائلين به تكون الأوجه اثني عشر وجها حاصلة من ضرب الأربعة السابقة في ثلاثة هاء الضمير . هذا هو الصحيح لحمزة في الوقف على هذه الكلمة . وهناك أوجه أخر شاذة أو ضعيفة أعرضنا عن ذكرنا لعدم جواز القراءة بها . مِمَّنْ خَلَقَ فيه إخفاء أبي جعفر . يَغْفِرُ لِمَنْ رقق الراء ورش ومثله بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ . أَنْبِيَاءَ ، يُؤْتِ ، الأَرْضَ وصلا ووقفا ، عَلَيْهِمَا ، عَلَيْهِمُ الْبَابَ ، دَخَلْتُمُوهُ ، عَلَيْهِمُ ، تَأْسَ ، كله واضح . عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ آخر الربع . <الصفحات جزء=

موقع حَـدِيث