الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاتْلُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْكُمْ ، وَعَلَى أَصْحَابِكَ مَعَكَ وَعَرِّفْهُمْ مَكْرُوهَ عَاقِبَةِ الظُّلْمِ وَالْمَكْرِ ، وَسُوءِ مَغَبَّةِ الْخَتْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ ، وَمَا جَزَاءُ النَّاكِثِ وَثَوَابُ الْوَافِي خَبَرَ ابْنَيْ آدَمَ ، هَابِيلَ وَقَابِيلَ ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْمُطِيعِ مِنْهُمَا رَبَّهُ الْوَافِي بِعَهْدِهِ ، وَمَا إِلَيْهِ صَارَ أَمْرُ الْعَاصِي مِنْهُمَا رَبَّهُ الْخَاتِرِ النَّاقِضِ عَهْدَهُ . فَلْتَعْرِفْ بِذَلِكَ الْيَهُودُ وَخَامَةَ غِبِّ غَدْرِهِمْ وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، وَهَمِّهِمْ بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ بَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ ، فَإِنَّ لَكَ وَلَهُمْ فِي حُسْنِ ثَوَابِي وَعِظَمِ جَزَائِي عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ الَّذِي جَازَيْتُ الْمَقْتُولَ الْوَافِيَ بِعَهْدِهِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ ، وَعَاقَبْتُ بِهِ الْقَاتِلَ النَّاكِثَ عَهْدَهُ عَزَاءً جَمِيلًا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي سَبَبِ تَقْرِيبِ ابْنَيْ آدَمَ الْقُرْبَانَ ، وَسَبَبِ قَبُولِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا تَقَبَّلَ مِنْهُ ، وَمَنِ اللَّذَانِ قَرَّبَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ إِيَّاهُمَا بِتَقْرِيبِهِ ، وَكَانَ سَبَبُ الْقَبُولِ أَنَّ الْمُتَقَبَّلَ مِنْهُ قَرَّبَ خَيْرَ مَالِهِ ، وَقَرَّبَ الْآخَرُ شَرَّ مَالِهِ ، وَكَانَ الْمُقَرِّبَانِ ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ ، أَحَدُهُمَا : هَابِيلُ ، وَالْآخَرُ : قَابِيلُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11704 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَيْ آدَمَ لَمَّا أُمِرَا بِالْقُرْبَانِ ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ غَنَمٍ ، وَكَانَ أُنْتِجَ لَهُ حَمَلٌ فِي غَنَمِهِ ، فَأَحَبَّهُ حَتَّى كَانَ يُؤْثِرُهُ بِاللَّيْلِ ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ حُبِّهِ ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ . فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقُرْبَانِ قَرَّبَهُ لِلَّهِ فَقَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ ، فَمَا زَالَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى فُدِيَ بِهِ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا . 11705 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقَبِّلُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ حَرْثٍ ، وَالْآخَرُ صَاحِبَ غَنَمٍ .
وَأَنَّهُمَا أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ أَكْرَمَ غَنَمِهِ وَأَسْمَنَهَا وَأَحْسَنَهَا طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ وَإِنَّ صَاحِبَ الْحَرْثِ قَرَّبَ شَرَّ حَرْثِهِ ، [ الْكَوْزَنَ ] وَالزُّوَانَ ، غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ وَإِنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْغَنَمِ ، وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْحَرْثِ . وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ . وَقَالَ : أَيْمُ اللَّهِ ، إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ ، وَلَكِنْ مَنْعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ يَدَهُ إِلَى أَخِيهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمَا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11706 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ . فَبَيْنَا ابْنَا آدَمَ قَاعِدَانِ إِذْ قَالَا : لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا ! وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَأَكَلَتْهُ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّهُ ، خَبَتِ النَّارُ . فَقَرَّبَا قُرْبَانًا ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَاعِيًا ، وَكَانَ الْآخَرُ حَرَّاثًا ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ خَيْرَ غَنَمِهِ وَأَسْمَنَهَا ، وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَعْضَ زَرْعِهِ . فَجَاءَتِ النَّارُ فَنَزَلَتْ بَيْنَهُمَا ، فَأَكَلَتِ الشَّاةَ وَتَرَكَتِ الزَّرْعَ ، وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ قَالَ لِأَخِيهِ : أَتَمْشِي فِي النَّاسِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَرَّبْتَ قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْكَ ، وَرُدَّ عَلَيَّ؟ فَلَا وَاللَّهِ لَا تَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيَّ وَإِلَيْكَ وَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي!! فَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ! فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ : مَا ذَنْبِي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ .
11707 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ، قَالَ : ابْنَا آدَمَ ، هَابِيلَ وَقَابِيلَ ، لِصُلْبِ آدَمَ . فَقَرَّبَ أَحَدُهُمَا شَاةً ، وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَقْلًا فَقُبِلَ مِنْ صَاحِبِ الشَّاةِ ، فَقَتَلَهُ صَاحِبُهُ . 11708 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
11709 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا قَالَ : هَابِيلُ وَقَابِيلُ ، فَقَرَّبَ هَابِيلُ عَنَاقًا مِنْ أَحْسَنِ غَنَمِهِ ، وَقَرَّبَ قَابِيلُ زَرْعًا مِنْ زَرْعِهِ . قَالَ : فَأَكَلَتِ النَّارُ الْعَنَاقَ ، وَلَمْ تَأْكُلِ الزَّرْعَ ، فَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ! قَالَ : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . 11710 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا رَجُلٌ سَمِعَ مُجَاهِدًا فِي قَوْلِهِ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا قَالَ : هُوَ هَابِيلُ ، وَقَابِيلُ لِصُلْبِ آدَمَ ، قَرَّبَا قُرْبَانًا ، قَرَّبَ أَحَدُهُمَا شَاةً مِنْ غَنَمِهِ ، وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَقْلًا فَتُقُبِّلَ مِنْ صَاحِبِ الشَّاةِ ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ : لَأَقْتُلَنَّكَ! فَقَتَلَهُ .
فَعَقَلَ اللَّهُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَجُعِلَ وَجْهُهُ إِلَى الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ ، عَلَيْهِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجٍ فِي الشِّتَاءِ ، وَعَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ ، وَمَعَهُ سَبْعَةُ أَمْلَاكٍ ، كُلَّمَا ذَهَبَ مَلَكٌ جَاءَ الْآخَرُ . 11711 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ح ، وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ، قَالَ : قَرَّبَ هَذَا كَبْشًا ، وَقَرَّبَ هَذَا صُبَرًا مِنْ طَعَامٍ ، فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا ، قَالَ : تُقُبِّلَ مِنْ صَاحِبِ الشَّاةِ ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ . 11712 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ، كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ ، فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ .
11713 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ، قَالَ : كَانَ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ قَابِيلُ ، وَالْآخَرُ هَابِيلُ ، أَحَدُهُمَا صَاحِبُ غَنَمٍ ، وَالْآخَرُ صَاحِبُ زَرْعٍ ، فَقَرَّبَ هَذَا مِنْ أَمْثَلِ غَنَمِهِ حَمَلًا وَقَرَّبَ هَذَا مِنْ أَرْذَلِ زَرْعِهِ ، قَالَ : فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتِ الْحَمَلَ ، فَقَالَ لِأَخِيهِ : لَأَقْتُلَنَّكَ! 11714 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ : أَنَّ آدَمَ أَمَرَ ابْنَهُ قَابِيلَ أَنْ يُنْكِحَ أُخْتَهُ تُؤْمَهُ هَابِيلَ ، وَأَمَرَ هَابِيلَ أَنْ يُنْكِحَ أُخْتَهُ تُؤْمَهُ قَابِيلَ ، فَسَلَّمَ لِذَلِكَ هَابِيلُ وَرَضِيَ ، وَأَبَى قَابِيلُ ذَلِكَ وَكَرِهَ ، تَكَرُّمًا عَنْ أُخْتِ هَابِيلَ ، وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيلَ ، وَقَالَ : نَحْنُ وِلَادَةُ الْجَنَّةِ ، وَهُمَا مِنْ وِلَادَةِ الْأَرْضِ ، وَأَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي! وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ : كَانَتْ أُخْتُ قَابِيلَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ، فَضَنَّ بِهَا عَنْ أَخِيهِ وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ! فَأَبَى قَابِيلُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا بُنَيَّ فَقَرِّبْ قُرْبَانًا ، وَيُقَرِّبْ أَخُوكَ هَابِيلُ قُرْبَانًا ، فَأَيُّكُمَا قَبِلَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . وَكَانَ قَابِيلُ عَلَى بَذْرِ الْأَرْضِ ، وَكَانَ هَابِيلُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ ، فَقَرَّبَ قَابِيلُ قَمْحًا وَقَرَّبَ هَابِيلُ أَبْكَارًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : قَرَّبَ بَقَرَةً فَأَرْسَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ نَارًا بَيْضَاءَ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ ، وَبِذَلِكَ كَانَ يُقْبَلُ الْقُرْبَانُ إِذَا قَبِلَهُ .
11715 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِيمَا ذَكَرَ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَكَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا وُلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ ، فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ ، وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ . حَتَّى وُلِدَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالُ لَهُمَا : قَابِيلُ ، وَهَابِيلُ . وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ ، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ ضَرْعٍ .
وَكَانَ قَابِيلُ أَكْبَرَهُمَا ، وَكَانَ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ . وَإِنَّ هَابِيلَ طَلَبَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قَابِيلَ ، فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ : هِيَ أُخْتِي ، وُلِدَتْ مَعِي ، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ ، وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا! فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا هَابِيلَ ، فَأَبَى . وَإِنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ ، كَانَ آدَمُ يَوْمَئِذٍ قَدْ غَابَ عَنْهُمَا إِلَى مَكَّةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِآدَمَ : يَا آدَمُ ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ لَا! قَالَ : فَإِنَّ لِي بَيْتًا بِمَكَّةَ فَأْتِهِ .
فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ : احْفَظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ ، فَأَبَتْ . وَقَالَ لِلْأَرْضِ ، فَأَبَتْ . وَقَالَ لِلْجِبَالِ فَأَبَتْ .
وَقَالَ لِقَابِيلَ ، فَقَالَ : نَعَمَ ، تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَتَجِدُ أَهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ . فَلَمَّا انْطَلَقَ آدَمُ ، قَرَّبَا قُرْبَانًا ، وَكَانَ قَابِيلُ يَفْخَرُ عَلَيْهِ فَقَالَ : أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ ، هِيَ أُخْتِي ، وَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكَ ، وَأَنَا وَصِيُّ وَالِدِي! فَلَمَّا قَرَّبَا ، قَرَّبَ هَابِيلُ جَذَعَةً سَمِينَةً ، وَقَرَّبَ قَابِيلُ حُزْمَةَ سُنْبُلٍ ، فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَةً عَظِيمَةً ، فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا . فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ ، فَغَضِبَ وَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِحَ أُخْتِي! فَقَالَ هَابِيلُ : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ .
11716 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا هَابِيلُ ، وَقَابِيلُ . فَأَمَّا هَابِيلُ ، فَكَانَ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ ، فَعَمَدَ إِلَى خَيْرِ مَاشِيَتِهِ فَتَقَرَّبَ بِهَا ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ نَارٌ فَأَكَلَتْهُ ، وَكَانَ الْقُرْبَانُ إِذَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ، نَزَلَتْ عَلَيْهِ نَارٌ فَأَكَلَتْهُ . وَإِذَا رُدَّ عَلَيْهِمْ أَكَلَتْهُ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ وَأَمَّا قَابِيلُ ، فَكَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ ، فَعَمَدَ إِلَى أَرْدَإِ زَرْعِهِ فَتَقَرَّبَ بِهِ ، فَلَمَّ تَنْزِلْ عَلَيْهِ النَّارُ ، فَحَسَدَ أَخَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ! قَالَ : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ .
11717 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ، قَالَ : هُمَا هَابِيلُ ، وَقَابِيلُ ، قَالَ : كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ زَرْعٍ ، وَالْآخَرُ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ ، فَجَاءَ أَحَدُهُمَا بِخَيْرِ مَالِهِ ، وَجَاءَ الْآخَرُ بِشَرِّ مَالِهِ . فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ أَحَدِهِمَا ، وَهُوَ هَابِيلُ ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ الْآخَرِ ، فَحَسَدَهُ فَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ! 11718 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ، قَالَ : قَرَّبَ هَذَا زَرْعًا ، وَذَا عَنَاقًا ، فَتَرَكَتِ النَّارُ الزَّرْعَ وَأَكَلَتِ الْعَنَاقَ . وَقَالَ آخَرُونَ : اللَّذَانِ قَرَّبَا قُرْبَانًا ، وَقَصَّ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ قَصَصَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ : رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، لَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ لِصُلْبِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11719 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ فِي الْقُرْآنِ ، اللَّذَانِ قَالَ اللَّهُ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَلَمْ يَكُونَا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ آدَمُ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنَّ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا الْقُرْبَانَ كَانَا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ ، لَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ عِبَادَهُ بِمَا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ فَائِدَةً ، وَالْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ كَانُوا عَالِمِينَ أَنَّ تَقْرِيبَ الْقُرْبَانِ لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي وَلَدِ آدَمَ ، دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ غَيْرِهِمْ .
فَإِذْ كَانَ مَعْلُومًا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ، فَمَعْقُولٌ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًّا بِ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ابْنَاهُ لِصُلْبِهِ لَمْ يُفِدْهُمْ بِذِكْرِهِ جَلَّ جَلَالُهُ إِيَّاهُمَا فَائِدَةً لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ . وَإِذْ كَانَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَهُمْ خِطَابًا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ مَعْنًى ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عَنَى بِ ابْنَيْ آدَمَ ، [ ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ ] ، لَا بَنِي بَنِيهِ الَّذِينَ بَعُدَ مِنْهُ نَسَبُهُمْ ، مَعَ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَخْبَارِ وَالسِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ ، وَفِي عَهْدِ آدَمَ وَزَمَانِهِ ، وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ نُصَّ عَنْهُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ ، وَسَنَذْكُرُ كَثِيرًا مِمَّنْ لَمْ يُذْكَرْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
11720 - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَامُ بْنُ الْمِصَكِّ ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ مَكَثَ آدَمُ مِائَةَ سَنَةٍ حَزِينًا لَا يَضْحَكُ ، ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ : حَيَّاكَ اللَّهُ وَبَيَّاكَ! فَقَالَ : بَيَّاكَ ، أَضْحَكَكَ . 11721 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ : لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ بَكَى آدَمُ ، فَقَالَ : تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحِ فَأُجِيبُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَبَا هَابِيلَ قَدْ قُتِلَا جَمِيعًا وَصَارَ الْحَيُّ كَالْمَيْتِ الذَّبِيحِ وَجَاءَ بِشِرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا عَلَى خَوْفٍ فَجَاءَ بِهَا يَصِيحُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي تَقْرِيبِهِمَا مَا قَرَّبَا ، فَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَدْ قَرَّبَا ، وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّ تَقْرِيبَهُمَا مَا قَرَّبَا كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِهِ ، وَلَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ .
غَيْرَ أَنَّهُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ ، فَلَمْ يُقَرِّبَا ذَلِكَ إِلَّا طَلَبَ قُرْبَةٍ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : قَالَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ قُرْبَانُهُ ، لِلَّذِي تُقُبِّلَ مِنْهُ قُرْبَانُهُ : لَأَقْتُلَنَّكَ ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الْمُتَقَبَّلِ قُرْبَانُهُ ، وَ الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ قُرْبَانُهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا قَدْ جَرَى مِنْ ذِكْرِهِمَا عَنْ إِعَادَتِهِ . وَكَذَلِكَ تَرَكَ ذِكْرَ الْمُتَقَبَّلِ قُرْبَانُهُ مَعَ قَوْلِهِ : قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 11722 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ : مَا ذَنْبِي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . 11723 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، قَالَ يَقُولُ : إِنَّكَ لَوِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ فِي قُرْبَانِكَ تُقُبِّلَ مِنْكَ ، جِئْتَ بِقُرْبَانٍ مَغْشُوشٍ بِأَشَرِّ مَا عِنْدَكَ ، وَجِئْتُ أَنَا بِقُرْبَانٍ طَيِّبٍ بِخَيْرِ مَا عِنْدِي .
قَالَ : وَكَانَ قَالَ : يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْكَ وَلَا يَتَقَبَّلُ مِنِّي! وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : مِنَ الْمُتَّقِينَ ، مِنَ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ وَخَافُوهُ بِأَدَاءِ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : الْمُتَّقُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11724 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْقُرْبَانِ فِيمَا مَضَى وَأَنَّهُ الْفِعْلَانِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَرَّبَ ، كَمَا الْفُرْقَانِ الْفِعْلَانِ مِنْ فَرَّقَ ، وَ الْعُدْوَانُ مِنْ عَدَا . وَكَانَتْ قَرَابِينُ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ أُمَّتِنَا كَالصَّدَقَاتِ ، وَالزَّكَوَاتِ فِينَا غَيْرَ أَنَّ قَرَابِينَهُمْ كَانَ يُعْلَمُ الْمُتَقَبَّلُ مِنْهَا وَغَيْرُ الْمُتَقَبَّلِ فِيمَا ذُكِرَ بِأَكْلِ النَّارِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا ، وَتَرْكِ النَّارِ مَا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهَا . وَ الْقُرْبَانُ فِي أُمَّتِنَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ .
وَلَا سَبِيلَ لَهَا إِلَى الْعِلْمِ فِي عَاجِلٍ بِالْمُتَقَبَّلِ مِنْهَا وَالْمَرْدُودِ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيِّ ، أَنَّهُ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بَكَى ، فَقِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَدْ كُنْتَ وَكُنْتَ! فَقَالَ : يُبْكِينِي أَنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . 11725 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ ، عَنْ عَامِرٍ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : قُرْبَانُ الْمُتَّقِينَ الصَّلَاةُ . 11726 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : كَانَ قُرْبَانُ الْمُتَّقِينَ الصَّلَاةَ .