الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ عَنْ حُكْمِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ أَعْلَمَ عِبَادَهُ : مَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْمُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لَا جَزَاءَ لَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْقَتْلُ ، وَالصَّلْبُ ، وَقَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ ، أَوِ النَّفْيُ مِنَ الْأَرْضِ ، خِزْيًا لَهُمْ . وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ يَتُبْ فِي الدُّنْيَا ، فَعَذَابٌ عَظِيمٌ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا أَهْلَ مُوَادَعَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ ، وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ ، فَعَرَّفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ فِيهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11803 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا ، قَالَ : كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ وَمِيثَاقٌ ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ ، فَخَيَّرَ اللَّهُ رَسُولَهُ : إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ . 11804 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : كَانَ قَوْمٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيثَاقٌ ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَقَطَعُوا السَّبِيلَ ، وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ ، فَخَيَّرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ ، فَإِنْ شَاءَ قَتَلَ ، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَ ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ .
11805 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11806 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا قَالَ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ .
وَلَيْسَتْ تُحْرِزُ هَذِهِ الْآيَةُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْحَدِّ . إِنْ قَتَلَ أَوْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ . 11807 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ عُرَيْنَةَ وَعُكْلٍ ، ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . [ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ] : 11808 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ ، وعُرَيْنَةَ ، أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا أَهْلُ ضَرْعٍ ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ ، وَإِنَّا اسْتَوْخَمْنَا الْمَدِينَةَ ، فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنَ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا ، فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ . فَأُتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
11809 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ . 11810 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، وَسُئِلَ عَنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ فَقَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ الْمُحَارِبِينَ فَقَالَ : كَانَ نَاسٌ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : نُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ ! فَبَايَعُوهُ وَهُمْ كَذَبَةٌ ، وَلَيْسَ الْإِسْلَامَ يُرِيدُونَ . ثُمَّ قَالُوا : إِنَّا نَجْتَوِي الْمَدِينَةَ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذِهِ اللِّقَاحُ تَغْدُو عَلَيْكُمْ وَتَرُوحُ ، فَاشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا ، وَأَلْبَانِهَا .
قَالَ : فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ ، إِذْ جَاءَ الصَّرِيخُ ، فَصَرَخَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : قَتَلُوا الرَّاعِيَ ، وَسَاقُوا النَّعَمَ! فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ : أَنْ يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي ! قَالَ : فَرَكِبُوا ، لَا يَنْتَظِرُ فَارِسٌ فَارِسًا . قَالَ : فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَثَرِهِمْ ، فَلَمْ يَزَالُوا يَطْلُبُونَهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ ، فَرَجَعَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَسَرُوا مِنْهُمْ ، فَأَتَوْا بِهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ . قَالَ : فَكَانَ نَفْيُهُمْ : أَنْ نَفَوْهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ وَأَرْضَهُمْ ، وَنَفَوْهُمْ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنْهُمْ ، وَصَلَبَ وَقَطَعَ ، وَسَمَلَ الْأَعْيُنَ . قَالَ : فَمَا مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ . قَالَ : وَنَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ ، وَقَالَ : لَا تُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ .
قَالَ : فَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَقُولُ ذَلِكَ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ بَعْدَ مَا قَتَلَهُمْ . قَالَ : وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : هُمْ نَاسٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، وَمِنْهُمْ مِنْ عُرَيْنَةَ ، وَنَاسٌ مِنْ بَجِيلَةَ [ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ] : 11811 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ عُرَيْنَةَ ، حُفَاةً مَضْرُورِينَ ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا صَحُّوا وَاشْتَدُّوا ، قَتَلُوا رِعَاءَ اللِّقَاحِ ، ثُمَّ خَرَجُوا بِاللِّقَاحِ عَامِدِينَ بِهَا إِلَى أَرْضِ قَوْمِهِمْ .
قَالَ جَرِيرٌ : فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ بَعْدَ مَا أَشْرَفُوا عَلَى بِلَادِ قَوْمِهِمْ ، فَقَدِمْنَا بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ : الْمَاءَ ! وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : النَّارُ ! حَتَّى هَلَكُوا . قَالَ : وَكَرِهَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَمْلَ الْأَعْيُنِ ، فَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . 11812 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ح ، وَحَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَابْنُ سَمْعَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَغَارَ نَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَاقُوهَا وَقَتَلُوا غُلَامًا لَهُ فِيهَا ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ ، فَأُخِذُوا ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ .
11813 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَوْ : عَمْرٍو ، شَكَّ يُونُسُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ . 11814 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَدِمَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْلَمُوا ، ثُمَّ اجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا . فَفَعَلُوا ، فَقَتَلُوا رُعَاتَهَا ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ .
فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَثَرِهِمْ قَافَةً ، فَأُتِيَ بِهِمْ ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَتَرَكَهُمْ فَلَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا . 11815 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ عُرَيْنَةَ ، وَثَلَاثَةً مِنْ عُكْلٍ . فَلَمَّا أُتِيَ بِهِمْ ، قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ ، وَتَرَكَهُمْ يَتَلَقَّمُونَ الْحِجَارَةَ بِالْحَرَّةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ فِي ذَلِكَ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، الْآيَةَ .
11816 - حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ : أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَسٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ الْعُرَنِيِّينَ ، وَهُمْ مِنْ بَجِيلَةَ . قَالَ أَنَسٌ : فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ ، وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ . 11817 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، قَالَ : أُنْزِلَتْ فِي سُودَانِ عُرَيْنَةَ .
قَالَ : أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِمُ الْمَاءُ الْأَصْفَرُ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَأَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا إِلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ : اشْرَبُوا مِنَ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا! فَشَرِبُوا مِنَ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا ، حَتَّى إِذَا صَحُّوا وَبَرَءُوا ، قَتَلُوا الرُّعَاةَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مُعَرِّفَهُ حُكْمَهُ عَلَى مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، بَعْدَ الَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْقَصَصَ الَّتِي قَصَّهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَعْدَهَا ، مِنْ قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْبَائِهِمْ ، فَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَوَسِّطًا ، مِنْ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ فِيهِمْ وَفِي نُظَرَائِهِمْ ، أَوْلَى وَأَحَقُّ .
وَقُلْنَا : كَانَ نُزُولُ ذَلِكَ بَعْدَ الَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ ، لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا ، فَتَأْوِيلُهَا : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ، أَوْ سَعَى بِفَسَادٍ فِي الْأَرْضِ ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ - يَقُولُ : لَسَاعُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ، وَقَاتَلُوا النُّفُوسَ بِغَيْرِ نَفْسٍ ، وَغَيْرِ سَعْيٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ حَرْبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، يَا مُحَمَّدُ ، فَإِنَّمَا جَزَاؤُهُ : أَنْ يُقَتَّلُوا ، أَوْ يُصَلَّبُوا ، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْحَالِ الَّتِي ذَكَرْتَ : مِنْ حَالِ نَقْضِ كَافِرٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَهْدَهُ وَمِنْ قَوْلِكَ إِنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، دُونَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؟ قِيلَ : جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ حُكْمَ مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِنَا وَمِلَّتِنَا وَاحِدٌ .
وَالَّذِينَ عُنُوا بِالْآيَةِ كَانُوا أَهْلَ عَهْدٍ وَذِمَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي حُكْمِهَا كُلُّ ذِمِّيٍّ وَمِلِّيٍّ ، وَلَيْسَ يَبْطُلُ بِدُخُولِ مَنْ دَخَلَ فِي حُكْمِ الْآيَةِ مِنَ النَّاسِ ، أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا نُزُولُهَا فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي نَسْخِ حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُرَنِيِّينَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ حُكْمٌ مَنْسُوخٌ ، نَسْخَهُ نَهْيُهُ عَنِ الْمُثْلَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَعْنِي بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا الْآيَةَ .
وَقَالُوا : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِتَابًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا فَعَلَ بِالْعُرَنِيِّينَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ ، حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي نُظَرَائِهِمْ أَبَدًا ، لَمْ يُنْسَخْ وَلَمْ يُبَدَّلْ . وَقَوْلُهُ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ ، حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ فِيمَنْ حَارَبَ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا بِالْحِرَابَةِ .
قَالُوا : وَالْعُرَنِيُّونَ ارْتَدُّوا ، وَقَتَلُوا ، وَسَرَقُوا ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَحُكْمُهُمْ غَيْرُ حُكْمِ الْمُحَارِبِ السَّاعِي فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوِ الذِّمَّةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَسْمُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ الْعُرَنِيِّينَ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَسْمُلَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ ، يُعَرِّفُهُ الْحُكْمَ فِيهِمْ ، وَنَهَاهُ عَنْ سَمْلِ أَعْيُنِهِمْ . ذِكْرُ الْقَائِلِينَ مَا وَصَفْنَا : 11818 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : ذَاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ مَا كَانَ مِنْ سَمْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَهُمْ ، وَتَرْكِهِ حَسْمَهُمْ حَتَّى مَاتُوا ، فَقَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاتِبَةً فِي ذَلِكَ ، وَعَلَّمَهُ عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ : مِنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَالنَّفْيِ ، وَلَمْ يَسْمُلْ بَعْدَهُمْ غَيْرَهُمْ .
قَالَ : وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ ذُكِرَ لِأَبِي عَمْرٍو ، فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ مُعَاتِبَةً ، وَقَالَ : بَلَى ، كَانَتْ عُقُوبَةُ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأَعْيَانِهِمْ ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حَارَبَ بَعْدَهُمْ ، فَرُفِعَ عَنْهُمُ السَّمْلُ . 11819 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُتِيَ بِهِمْ يَعْنِي الْعُرَنِيِّينَ فَأَرَادَ أَنْ يَسْمُلَ أَعْيُنَهُمْ ، فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ فِيهِمُ الْحُدُودَ ، كَمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُسْتَحِقِّ اسْمَ الْمُحَارِبِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، الَّذِي يَلْزَمُهُ حُكْمُ هَذِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ اللِّصُّ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11820 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا الْآيَةَ ، قَالَا : هَذَا اللِّصُّ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَهُوَ مُحَارِبٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اللِّصُّ الْمُجَاهِرُ بِلُصُوصِيَّتِهِ ، الْمُكَابِرُ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِهِ .
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ . 11821 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْعَبَّاسُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْهُ . وَعَنْهُ ، وَعَنْ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَابْنِ لَهِيعَةَ .
11822 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ : تَكُونُ مُحَارَبَةٌ فِي الْمِصْرِ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالْمُحَارِبُ عِنْدَنَا مَنْ حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِصْرٍ أَوْ خَلَاءٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ نَائِرَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ ، وَلَا ذَحْلٍ ، وَلَا عَدَاوَةٍ ، قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ ، وَالطَّرِيقِ ، وَالدِّيَارِ ، مُخِيفًا لَهُمْ بِسِلَاحِهِ ، فَقَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ ، قَتَلَهُ الْإِمَامُ كَقِتْلَةِ الْمُحَارِبِ ، لَيْسَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِيهِ عَفْوٌ وَلَا قَوَدٌ . 11823 - حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : وَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ، وَابْنَ لَهِيعَةَ ، قُلْتُ تَكُونُ الْمُحَارَبَةُ فِي دُورِ الْمِصْرِ ، وَالْمَدَائِنِ ، وَالْقُرَى ؟ فَقَالَا : نَعَمْ ، إِذَا هُمْ دَخَلُوا عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ عَلَانِيَةً ، أَوْ لَيْلًا بِالنِّيرَانِ . قُلْتُ : فَقَتَلُوا ، أَوْ أَخَذُوا الْمَالَ ، وَلَمْ يَقْتُلُوا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ هُمُ الْمُحَارِبُونَ ، فَإِنْ قَتَلُوا قُتِلُوا ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ ، قُطِعُوا مِنْ خِلَافٍ إِذَا هُمْ خَرَجُوا بِهِ مِنَ الدَّارِ ، لَيْسَ مَنْ حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخَلَاءِ وَالسَّبِيلِ بِأَعْظَمَ مُحَارَبَةً مِمَّنْ حَارَبَهُمْ فِي حَرِيمِهِمْ ، وَدُورِهِمْ ! 11824 - حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : قَالَ أَبُو عَمْرٍو : وَتَكُونُ الْمُحَارَبَةُ فِي الْمِصْرِ شَهَرَ عَلَى أَهْلِهِ بِسِلَاحِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا قَالَ عَلِيٌّ ، قَالَ الْوَلِيدُ : وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ : أَنَّ قَتْلَ الْغِيلَةِ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارَبَةِ .
قُلْتُ : وَمَا قَتْلُ الْغِيلَةِ؟ قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَخْدَعُ الرَّجُلَ وَالصَّبِيَّ ، فَيُدْخِلُهُ بَيْتًا أَوْ يَخْلُو بِهِ ، فَيَقْتُلُهُ ، وَيَأْخُذُ مَالَهُ . فَالْإِمَامُ وَلِيُّ قَتْلِ هَذَا ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ وَالْجُرْحِ قَوَدٌ وَلَا قِصَاصٌ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
11825 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَنْهُ الرَّبِيعُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُحَارِبُ ، هُوَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ . فَأَمَّا الْمُكَابِرُ فِي الْأَمْصَارِ ، فَلَيْسَ بِالْمُحَارِبِ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِينَ .
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . 11826 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، قَالَ : تَذَاكَرْنَا الْمُحَارِبَ وَنَحْنُ عِنْدَ ابْنِ هُبَيْرَةَ ، فِي أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ : أَنَّ الْمُحَارِبَ مَا كَانَ خَارِجًا مِنَ الْمِصْرِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ بِمَا : - 11827 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا قَالَ : الزِّنَا ، وَالسَّرِقَةُ ، وَقَتْلُ النَّاسِ ، وَإِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ .
11828 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا قَالَ : الْفَسَادُ الْقَتْلُ ، وَالزِّنَا ، وَالسَّرِقَةُ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْمُحَارِبُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَنْ حَارَبَ فِي سَابِلَةِ الْمُسْلِمِينَ وَذِمَّتِهِمْ ، وَالْمُغِيرُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْصَارِهِمْ وَقُرَاهُمْ حِرَابَةً . وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْحُجَّةِ أَنَّ مَنْ نَصَبَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الظُّلْمِ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ لَهُمْ مُحَارِبٌ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ .
فَالَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ ، لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَهُمْ نَاصِبٌ حَرْبًا ظُلْمًا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَسَوَاءٌ كَانَ نَصْبُهُ الْحَرْبَ لَهُمْ فِي مِصْرِهِمْ وَقُرَاهُمْ ، أَوْ فِي سُبُلِهِمْ وَطُرُقِهِمْ : فِي أَنَّهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَارِبٌ ، بِحَرْبِهِ مَنْ نَهَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ حَرْبِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَيَعْمَلُونَ فِي أَرْضِ اللَّهِ بِالْمَعَاصِي : مِنْ إِخَافَةِ سُبُلِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ ، أَوْ سُبُلِ ذِمَّتِهِمْ ، وَقَطْعِ طُرُقِهِمْ ، وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا ، وَالتَّوَثُّبِ عَلَى حَرَمِهِمْ فُجُورًا وَفُسُوقًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا لِلَّذِي حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، مِنْ أَهْلِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ ذِمَّتِهِمْ - إِلَّا بَعْضُ هَذِهِ الْخِلَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ ، أَتُلْزِمُ الْمُحَارِبَ بِاسْتِحْقَاقِهِ اسْمَ الْمُحَارَبَةِ ، أَمْ يَلْزَمُهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ ، مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَجْرَامِهِ؟ [ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَجِبُ عَلَى الْمُحَارِبِ الْعُقُوبَةُ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ ، وَيَلْزَمُهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ ، مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَجْرَامِهِ ] . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11829 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِلَى قَوْلِهِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، قَالَ : إِذَا حَارَبَ فَقَتَلَ ، فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ .
وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ فَعَلَيْهِ الصَّلْبُ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ . وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَذَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، فَعَلَيْهِ قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ . وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّفْيُ .
11830 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ : إِذَا خَرَجَ فَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ . وَإِذَا أَخَافَ السَّبِيلَ ، وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ وَقَتَلَ ، صُلِبَ . 11831 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ - فِيمَا أَرَى - فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ مُحَارِبًا ، قَالَ : إِنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ .
وَإِنْ أَخْذَ الْمَالَ وَقَتَلَ قُتِلَ ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ وَمَثَّلَ ، صُلِبَ . 11832 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ ، قَالَ : إِذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ ، صُلِبَ . وَإِذَا قَتَلَ لَمْ يَعْدُ ذَلِكَ ، قُتِلَ .
وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ لَمْ يَعْدُ ذَلِكَ ، قُطِعَ . وَإِذَا كَانَ يُفْسِدُ نُفِيَ . 11833 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِلَى قَوْلِهِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ قَالَ : إِذَا أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ ، نُفِيَ .
11834 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ : كَانَ يُقَالُ : مَنْ حَارَبَ فَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ . وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ ، صُلِبَ . 11835 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِلَى قَوْلِهِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ أَنْزَلَهَا اللَّهُ .
فَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الدَّمَ وَالْمَالَ جَمِيعًا ، صُلِبَ . وَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الدَّمَ وَكَفَّ عَنِ الْمَالِ ، قُتِلَ . وَمَنْ أَصَابَ الْمَالَ وَكَفَّ عَنِ الدَّمِ ، قُطِعَ .
وَمَنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنْ هَذَا ، نُفِيَ . 11836 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أَنْ يُسْمِلَ أَعْيُنَ الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَى لِقَاحِهِ ، وَأَمْرَهُ أَنْ يُقِيمَ فِيهِمُ الْحُدُودَ كَمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ . فَنَظَرَ إِلَى مَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، فَقَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ، يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى .
وَنَظَرَ إِلَى مَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا فَقَتَلَهُ . وَنَظَرَ إِلَى مَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ ، فَصَلَبَهُ . وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ أَخَافَ طَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ وَقَطَعَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ إِنْ أُخِذَ وَقَدْ أَخَذَ مَالًا قُطِعَتْ يَدُهُ بِأَخْذِهِ الْمَالَ ، وَرِجْلُهُ بِإِخَافَةِ الطَّرِيقِ .
وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ ، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، صُلِبَ . 11837 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : سَمِعْتُ السُّدِّيَّ يَسْأَلُ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ ، عَنْ رَجُلٍ مُحَارِبٍ ، خَرَجَ فَأَخَذَ وَلَمْ يُصِبْ مَالًا وَلَمْ يُهْرِقْ دَمًا . قَالَ : النَّفْيُ بِالسَّيْفِ ، وَإِنْ أَخَذَ مَالًا فَيَدُهُ بِالْمَالِ ، وَرِجْلُهُ بِمَا أَخَافَ الْمُسْلِمِينَ .
وَإِنْ هُوَ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ . وَإِنْ هُوَ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، صُلِبَ وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ : تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ . 11838 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ ، قَالَ : هَذَا اللِّصُّ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَهُوَ مُحَارِبٌ .
فَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ مَالًا صُلِبَ . وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ . وَإِنْ أَخَذَ مَالًا وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ .
وَإِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا ، مِنْ ذَلِكَ ، نُفِيَ . 11839 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : مَنْ خَرَجَ فِي الْإِسْلَامِ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَتَلَ وَأَصَابَ مَالًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ . وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يُصِبْ مَالًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كَمَا قَتَلَ .
وَمَنْ أَصَابَ مَالًا وَلَمْ يَقْتُلْ ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مِنْ خِلَافٍ . وَإِنْ أَخَافَ سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ نُفِيَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ . 11840 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قَالَ : كَانَ نَاسٌ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، وَقَتَلُوا وَقَطَعُوا السَّبِيلَ ، فَصُلِبَ أُولَئِكَ .
وَكَانَ آخَرُونَ حَارَبُوا وَاسْتَحَلُّوا الْمَالَ وَلَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ ، فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ . وَآخَرُونَ حَارَبُوا وَاعْتَزَلُوا وَلَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ ، فَأُولَئِكَ أُخْرِجُوا مِنَ الْأَرْضِ . 11841 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ .
قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ فِي الْمُحَارِبِ قَالَ : إِنْ كَانَ خَرَجَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، صُلِبَ . وَإِنْ كَانَ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ ، قُتِلَ . وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، قُطِعَ .
وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مُشَاقًّا لِلْمُسْلِمِينَ : نُفِيَ . 11842 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا خَرَجَ الْمُحَارِبُ وَأَخَافَ الطَّرِيقَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ . فَإِنْ هُوَ خَرَجَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ صُلِبَ .
وَإِنْ خَرَجَ فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ ، قُتِلَ . وَإِنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ ، نُفِيَ . 11843 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا قَالَا : إِنْ أَخَافَ الْمُسْلِمِينَ فَقَطَعَ الْمَالَ وَلَمْ يَسْفِكْ ، قُطِعَ .
وَإِذَا سَفَكَ دَمًا : قُتِلَ وَصُلِبَ . وَإِنْ جَمْعَهُمَا فَاقْتَطَعَ مَالًا وَسَفَكَ دَمًا ، قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ ، كَأَنَّ الصَّلْبَ مُثْلَةٌ ، وَكَأَنَّ الْقَطْعَ : السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ، وَكَأَنَّ الْقَتْلَ : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ . وَإِنِ امْتَنَعَ ، فَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى يَأْخُذُوهُ ، فَيُقِيمُوا عَلَيْهِ حُكْمَ كِتَابِ اللَّهِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَرْضِ الْكُفْرِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِقَوْلِهِمْ هَذَا ، بِأَنْ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدَ ، وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعَ . وَقَالُوا : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ : رَجُلٌ قَتَلَ فَقُتِلَ ، وَرَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ فَرُجِمَ ، وَرَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ . قَالُوا : فَحَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى هَذِهِ الْخِلَالِ الثَّلَاثِ .
فَأَمَّا أَنْ يُقْتَلَ مِنْ أَجْلِ إِخَافَتِهِ السَّبِيلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَأْخُذَ مَالًا فَذَلِكَ تَقَدُّمٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالْخِلَافِ عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ . قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : الْإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ ، إِذَا قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، فَهُنَالِكَ خِيَارُ الْإِمَامِ فِي قَوْلِهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ ، أَوِ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ ، أَوْ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ . وَأَمَّا صَلْبُهُ بِاسْمِ الْمُحَارَبَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ قَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ ، فَذَلِكَ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ : أَنْ يَفْعَلَ أَيَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11844 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي الْمُحَارِبِ : أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِ ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ . 11845 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْمُحَارِبِ ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ .
إِنْ شَاءَ قَتَلَ ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ ، وَإِنْ شَاءَ نَفَى ، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَ . 11846 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إِلَى قَوْلِهِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، قَالَ : يَأْخُذُ الْإِمَامُ بِأَيِّهَا أَحَبَّ . 11847 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ : الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهَا .
11848 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، مِثْلَهُ . 11849 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : يَصْنَعُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ . إِنْ شَاءَ قَتَلَ ، أَوْ قَطَعَ ، أَوْ نَفَى ، لِقَوْلِ اللَّهِ : أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، فَذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ الْحَاكِمِ ، يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ .
11850 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ ، قَالَ : مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ فِي قُبَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَأَخَافَ السَّبِيلَ ، ثُمَّ ظُفِرَ بِهِ وَقُدِرَ عَلَيْهِ ، فَإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِالْخِيَارِ : إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ ، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ . 11851 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو هِلَالٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحَارِبِ : ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ ، إِذَا أَخَذَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ . 11852 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الْمُحَارِبِ قَالَ : ذَاكَ إِلَى الْإِمَامِ ، يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ .
11853 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قَالَ : ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنْ قَالُوا : وَجَدْنَا الْعُطُوفَ الَّتِي بِ أَوْ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ ، فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ بِهِ فَرْضًا مِنْهَا ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 89 ] ، وَكَقَوْلِهِ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 196 ] ، وَكَقَوْلِهِ : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 95 ] . قَالُوا : فَإِذَا كَانَتِ الْعُطُوفُ الَّتِي بِ أَوْ فِي الْقُرْآنِ ، فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ بِهِ فَرْضًا مِنْهَا فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي آيَةِ الْمُحَارِبِينَ ، الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيمَا رَأَى الْحُكْمَ بِهِ عَلَى الْمُحَارِبِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا تَأْوِيلُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُحَارِبِ مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ ، وَجَعَلَ الْحُكْمَ عَلَى الْمُحَارِبِينَ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَفْعَالِهِمْ . فَأَوْجَبَ عَلَى مُخِيفِ السَّبِيلِ مِنْهُمْ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ ، وَقَبْلَ أَخْذِ مَالٍ أَوْ قَتْلٍ النَّفْيَ مِنَ الْأَرْضِ . وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ وَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمِ قَتْلُهَا الصَّلْبَ ، لِمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْعِلَّةِ قَبْلُ لِقَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ .
فَأَمَّا مَا اعْتَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ : إِنَّ الْإِمَامَ فِيهِ بِالْخِيَارِ ، مِنْ أَنَّ أَوْ فِي الْعَطْفِ تَأْتِي بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ فِي الْفَرْضِ ، فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، لِأَنَّ أَوْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَدْ تَأْتِي بِضُرُوبٍ مِنَ الْمَعَانِي ، لَوْلَا كَرَاهَةُ إِطَالَةِ الْكِتَابِ بِذِكْرِهَا لَذَكَرْتُهَا ، وَقَدْ بَيَّنْتُ كَثِيرًا مِنْ مَعَانِيهَا فِيمَا مَضَى ، وَسَنَأْتِي عَلَى بَاقِيهَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ فِي أَمَاكِنِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَأَمَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا التَّعْقِيبُ ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : إِنَّ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ ، أَوْ يَرْفَعَ مَنَازِلَهُمْ فِي عِلِّيِّينَ ، أَوْ يُسْكِنَهُمْ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ غَيْرُ قَاصِدٍ بِقِيلِهِ إِلَى أَنَّ جَزَاءَ كُلِّ مُؤْمِنٍ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَهُوَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ ، وَمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ بِإِيمَانِهِ ، بَلِ الْمَعْقُولُ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِ لَنْ يَخْلُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ مِنْ بَعْضِ هَذِهِ الْمَنَازِلِ . فَالْمُقْتَصِدُ مَنْزِلَتُهُ دُونَ مَنْزِلَةِ السَّابِقِ بِالْخَيْرَاتِ ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ أَعْلَى مِنْهُ مَنْزِلَةً ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ دُونَهُمَا ، وَكُلٌّ فِي الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [ سُورَةُ فَاطِرٍ : 33 ] .
فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْعُطُوفِ بِ أَوْ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، الْآيَةَ ، إِنَّمَا هُوَ التَّعْقِيبُ . فَتَأْوِيلُهُ : إِنَّ الَّذِي يُحَارِبُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، لَنْ يَخْلُوَ مِنْ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْجَزَاءَ بِإِحْدَى هَذِهِ الْخِلَالِ الْأَرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لَا أَنَّ الْإِمَامَ مُحَكَّمٌ فِيهِ وَمُخَيَّرٌ فِي أَمْرِهِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ حَالَتُهُ ، عَظُمَتْ جَرِيرَتُهُ أَوْ خَفَّتْ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ ، لَكَانَ لِلْإِمَامِ قَتْلُ مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ مُخِيفًا السَّبِيلَ وَصَلْبُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَلَا قَتَلَ أَحَدًا ، وَكَانَ لَهُ نَفْيُ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ . وَذَلِكَ قَوْلٌ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ ، خِلَافُ مَا صَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا فَقُتِلَ بِهِ ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ فَرُجِمَ ، أَوِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ وَخِلَافُ قَوْلِهِ : الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ، وَغَيْرُ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَحْكَامِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الَّتِي ذَكَرْتَ ، كَانَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِ ، وَلِلْمُحَارِبِ حُكْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ مُنْفَرِدٌ بِهِ . قِيلَ لَهُ : فَمَا الْحُكْمُ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ الْمُحَارِبُ فِي سَنَنِهِ؟ فَإِنِ ادَّعَى عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمًا خِلَافَ الَّذِي ذَكَرْنَا ، أَكْذَبَهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ بِنَقْلِ وَاحِدٍ وَلَا جَمَاعَةٍ . وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ هُوَ مَا فِي ظَاهِرِ الْكِتَابِ ، قِيلَ لَهُ : فَإِنَّ أَحْسَنَ حَالَاتِكَ إِنْ سُلِّمَ لَكَ ، أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ قَدْ يَحْتَمِلُ مَا قُلْتَ وَمَا قَالَهُ مَنْ خَالَفَكَ فَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مِنْ تَأْوِيلِهِ؟ وَبَعْدُ ، فَإِذْ كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُحَارِبِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَكَ ، أَفَلَهُ أَنْ يَصْلُبَهُ حَيًّا ، وَيَتْرُكَهُ عَلَى الْخَشَبَةِ مَصْلُوبًا حَتَّى يَمُوتَ مِنْ غَيْرِ قَتْلِهِ؟ .
فَإِنْ قَالَ : ذَلِكَ لَهُ ، خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأُمَّةَ . وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ، وَإِنَّمَا لَهُ قَتْلُهُ ثُمَّ صَلْبُهُ ، أَوْ صَلْبُهُ ثُمَّ قَتْلُهُ تَرَكَ عِلَّتَهُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُحَارِبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَوْ تَأْتِي بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ . وَقِيلَ لَهُ : فَكَيْفَ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْقَتْلِ أَوِ النَّفْيِ أَوِ الْقَطْعِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي الصَّلْبِ وَحْدَهُ ، حَتَّى تَجْمَعَ إِلَيْهِ عُقُوبَةً أُخْرَى؟ وَقِيلَ لَهُ : هَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ جَعَلَ الْخِيَارَ حَيْثُ أَبَيْتَ ، وَأَبَى ذَلِكَ حَيْثُ جَعَلْتَهُ لَهُ فَرْقٌ مِنْ أَصْلٍ أَوْ قِيَاسٍ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ الْآخَرُ مِثْلَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَصْحِيحِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، بِمَا فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ، وَذَلِكَ مَا - 11854 - حَدَّثَنَا بِهِ عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ : أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَسٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ الْعُرَنِيِّينَ ، وَهُمْ مِنْ بَجِيلَةَ . قَالَ أَنَسٌ : فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ ، وَسَاقُوا الْإِبِلَ ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ ، وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ . قَالَ أَنَسٌ : فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْقَضَاءِ فِيمَنْ حَارَبَ ، فَقَالَ : مَنْ سَرَقَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَاقْطَعْ يَدَهُ بِسَرِقَتِهِ ، وَرِجْلَهُ بِإِخَافَتِهِ .
وَمَنْ قَتَلَ فَاقْتُلْهُ . وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَاسْتَحَلَّ الْفَرْجَ الْحَرَامَ ، فَاصْلُبْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّهُ تُقَطَّعُ أَيْدِيهِمْ مُخَالِفًا فِي قَطْعِهَا قَطْعَ أَرْجُلِهِمْ .
وَذَلِكَ أَنْ تُقْطَعَ أَيْمُنَ أَيْدِيهِمْ ، وَأَشْمُلَ أَرْجُلِهِمْ . فَذَلِكَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الْقَطْعِ . وَلَوْ كَانَ مَكَانَ مِنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَوِ الْبَاءِ ، فَقِيلَ : أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ عَلَى خِلَافٍ أَوْ : بِخِلَافٍ ، لَأَدَّيَا عَمَّا أَدَّتْ عَنْهُ مِنْ مِنَ الْمَعْنَى .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى النَّفْيِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ أَنْ يُطْلَبَ حَتَّى يُقْدَرَ عَلَيْهِ ، أَوْ يَهْرُبَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11855 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، قَالَ : يَطْلُبُهُمُ الْإِمَامُ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ فَيُقِيمَ فِيهِمُ الْحُكْمَ ، أَوْ يُنْفَوْا مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ .
11856 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَفْيُهُ : أَنْ يُطْلَبَ . 11857 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، يَقُولُ : أَوْ يَهْرُبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ . 11858 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ كِتَابِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ : أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ : وَنَفْيُهُ ، أَنْ يَطْلُبَهُ الْإِمَامُ حَتَّى يَأْخُذَهُ ، فَإِذَا أَخَذَهُ أَقَامَ عَلَيْهِ إِحْدَى هَذِهِ الْمَنَازِلِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِمَا اسْتَحَلَّ .
11859 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلَيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ : نَفْيُهُ ، طَلَبُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى يُؤْخَذَ ، أَوْ يُخْرِجُهُ طَلَبُهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الشِّرْكِ وَالْحَرْبِ ، إِذَا كَانَ مُحَارِبًا مُرْتَدًّا عَنِ الْإِسْلَامِ قَالَ الْوَلِيدُ : وَسَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ ، فَقَالَ مِثْلَهُ . 11860 - حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ : وَكَذَلِكَ يُطْلَبُ الْمُحَارِبُ الْمُقِيمُ عَلَى إِسْلَامِهِ ، يَضْطَرُّهُ بِطَلَبِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَقْصَى حَوْزِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ هُمْ طَلَبُوهُ دَخْلَ دَارَ الشِّرْكِ؟ قَالَا لَا يُضْطَرُّ مُسْلِمٌ إِلَى ذَلِكَ . 11861 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ قَالَ : أَنْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى يَعْجَزُوا .
11862 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . 11863 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، قَالَ : يُنْفَى حَتَّى لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِ . 11864 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، قَالَ : أُخْرِجُوا مِنَ الْأَرْضِ .
أَيْنَمَا أُدْرِكُوا أُخْرِجُوا حَتَّى يُلْحَقُوا بِأَرْضِ الْعَدُّوِّ . 11865 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، قَالَ : نَفْيُهُ : أَنْ يُطْلَبَ فَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ ، كُلَّمَا سُمِعَ بِهِ فِي أَرْضٍ طُلِبَ . 11866 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، قَالَ : إِذَا لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا طُلِبَ حَتَّى يُعْجِزَ .
11867 - حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ، مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَرْضِ الْكُفْرِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى النَّفْيِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ نَفَاهُ مِنْ بَلْدَتِهِ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11868 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، قَالَ : مَنْ أَخَافَ سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ ، نُفِيَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ .
11869 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ : أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي اللُّصُوصِ ، وَوَصَفَ لَهُ لُصُوصِيَّتَهُمْ ، وَحَبْسَهُمْ فِي السُّجُونِ ، قَالَ : قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، وَتَرَكَ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَذْكُرُ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، وَتَرَكْتَ قَوْلَ اللَّهِ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، فَنَبِيٌّ أَنْتَ ، يَا حَيَّانُ ؟!! لَا تُحَرِّكِ الْأَشْيَاءَ عَنْ مَوَاضِعِهَا ، أَتَجَرَّدْتَ لِلْقَتْلِ وَالصَّلْبِ كَأَنَّكَ عَبْدُ بَنِي عَقِيلٍ ، مِنْ غَيْرِ مَا أُشَبِّهُكَ بِهِ؟ إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا ، فَانْفِهِمْ إِلَى شَغْبٍ . 11870 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ وَغَيْرِهِ ، بِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّ يُونُسَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ : كَأَنَّكَ عَبْدُ بَنِي أَبِي عِقَالٍ ، مِنْ غَيْرِ أَنَّ أُشَبِّهَكَ بِهِ .
11871 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، أَنَّ الصَّلْتَ ، كَاتِبَ حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ ، أَخْبَرَهُمْ : أَنَّ حَيَّانَ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَنَّ نَاسًا مِنَ الْقِبْطِ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُمْ حَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ، وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، وَسَكَتَ عَنِ النَّفْيِ . وَكَتَبَ إِلَيْهِ : فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُمْضِيَ قَضَاءَ اللَّهِ فِيهِمْ ، فَلْيَكْتُبْ بِذَلِكَ . فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كِتَابَهُ قَالَ : لَقَدِ اجْتَزَأَ حَيَّانُ ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ : إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ وَفَهِمْتُهُ ، وَلَقَدِ اجْتَزَأْتَ ، كَأَنَّمَا كَتَبْتَ بِكِتَابِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ ، أَوْ عِلْجِ صَاحِبِ الْعِرَاقِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ أُشَبِّهَكَ بِهِمَا ، فَكَتَبْتَ بِأَوَّلِ الْآيَةِ ، ثُمَّ سَكَتَّ عَنْ آخِرِهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ، فَإِنْ كَانَتْ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ بِمَا كَتَبْتَ بِهِ ، فَاعْقِدْ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَدِيدًا ، ثُمَّ غَيِّبْهُمْ إِلَى شَغْبٍ وَبَدَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : شَغْبٌ وَ بَدَا ، مَوْضِعَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى النَّفْيِ مِنَ الْأَرْضِ ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْحَبْسُ . ذِكْرُ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى النَّفْيِ مِنَ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، هُوَ نَفْيُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ ، وَحَبْسُهُ فِي السِّجْنِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ ، حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ مِنْ فُسُوقِهِ ، وَنُزوعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ رَبَّهُ . وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ ، لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْتُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا جَعَلَ جَزَاءَ الْمُحَارِبِ : الْقَتْلَ أَوِ الصَّلْبَ أَوْ قَطْعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ ، بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، لَا فِي حَالِ امْتِنَاعِهِ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ النَّفْيَ أَيْضًا إِنَّمَا هُوَ جَزَاؤُهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، لَا قَبْلَهَا .
وَلَوْ كَانَ هَرَبُهُ مِنَ الطَّلَبِ نَفْيًا لَهُ مِنَ الْأَرْضِ ، كَانَ قَطْعُ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ خِلَافٍ فِي حَالِ امْتِنَاعِهِ وَحَرْبِهِ عَلَى وَجْهِ الْقِتَالِ ، بِمَعْنَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ . وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقُومُ مَقَامَ نَفْيِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَدًّا لَهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، [ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ نَفْيُهُ مِنَ الْأَرْضِ هَرَبَهُ مِنَ الطَّلَبِ ] . وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ ، وَهُوَ النَّفْيُ مِنْ بَلْدَةٍ إِلَى أُخْرَى غَيْرِهَا ، أَوِ السَّجْنُ .
فَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ إِذَا نُفِيَ مِنْ بَلْدَةٍ إِلَى أُخْرَى غَيْرِهَا ، فَلَمْ يُنْفَ مِنَ الْأَرْضِ ، بَلْ إِنَّمَا نَفْيٌ مِنْ أَرْضٍ دُونَ أَرْضٍ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِنَفْيهِ مِنَ الْأَرْضِ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى نَفْيِهِ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا بِحَبْسِهِ فِي بُقْعَةٍ مِنْهَا عَنْ سَائِرِهَا ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا حِينَئِذٍ عَنْ جَمِيعِهَا ، إِلَّا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى نَفْيِهِ مِنْهُ . وَأَمَّا مَعْنَى النَّفْيِ ، فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَهُوَ الطَّرْدُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ : يُنْفَوْنَ عَنْ طُرُقِ الْكِرَامِ كَمَا تَنْفِي الْمَطَارِقُ مَا يَلِي الْقَرَدُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ : النُّفَايَةُ .
وَأَمَّا الْمَصْدَرُ مِنْ نَفَيْتُ ، فَإِنَّهُ النَّفْيُ وَالنِّفَايَةُ ، وَيُقَالُ : الدَّلْوُ يَنْفِي الْمَاءَ ، وَيُقَالُ لِمَا تَطَايَرَ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الدَّلْوِ : النَّفِيُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : كأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وَمِنْهُ قِيلَ : نَفَى شَعَرُهُ ، إِذَا سَقَطَ ، يُقَالُ : حَالَ لَوْنُكَ ، ونَفَى شَعَرُكَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 33 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ذَلِكَ ، هَذَا الْجَزَاءُ الَّذِي جَازَيْتُ بِهِ الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا فِي الدُّنْيَا ، مِنْ قَتْلٍ أَوْ صَلْبٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْ خِلَافٍ لَهُمْ ، يَعْنِي : لِهَؤُلَاءِ الْمُحَارِبِينَ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ، يَقُولُ : هُوَ لَهُمْ شَرٌّ وَعَارٌ وَذِلَّةٌ ، وَنَكَالٌ وَعُقُوبَةٌ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ . يُقَالُ مِنْهُ : أَخْزَيْتُ فُلَانًا ، فَخَزِيَ هُوَ خِزْيًا .
وَقَوْلُهُ : وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، فَلَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى هَلَكُوا فِي الْآخِرَةِ ، مَعَ الْخِزْيِ الَّذِي جَازَيْتُهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَالْعُقُوبَةِ الَّتِي عَاقَبَتْهُمْ بِهَا فِيهَا عَذَابٌ عَظِيمٌ ، يَعْنِي : عَذَابَ جَهَنَّمَ .