حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ . . . . "

) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارِ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ، يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، بِشَرٍّ مِنْ ثَوَابِ مَا تَنْقِمُونَ مِنَّا مِنْ إِيمَانِنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِنَا مِنْ كُتُبِهِ؟ [ وَ مَثُوبَةً ، تَقْدِيرُهَا مَفْعُولَةً ] ، غَيْرَ أَنَّ عَيْنَ الْفِعْلِ لَمَّا سَقَطَتْ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْفَاءِ ، وَهِيَ الثَّاءُ مِنْ مَثُوبَةً ، فَخَرَجَتْ مَخْرَجَ مَقُولَةٍ ، وَ مَحُورَةٍ ، وَ مَضُوفَةٍ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَكُنْتُ إِذَا جَارِي دَعَا لِمَضُوفَةٍ أُشَمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12220 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ، يَقُولُ : ثَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ . 12221 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ قَالَ : الْمَثُوبَةُ ، الثَّوَابُ ، مَثُوبَةُ الْخَيْرِ ، وَ مَثُوبَةُ الشَّرِّ ، وَقَرَأَ : ( خَيْرٌ ثَوَابًا ) [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 44 ] .

وَأَمَّا مَنْ فِي قَوْلِهِ : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ ، رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ : بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ . فَكَأَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ، بِمَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ . وَلَوْ قِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، لَكَانَ صَوَابًا ، عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، بِمَعْنَى : ذَلِكَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ أَوْ : وَهُوَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ .

وَلَوْ قِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، لَمْ يَكُنْ فَاسِدًا ، بِمَعْنَى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ فَيَجْعَلُ أُنَبِّئُكُمْ عَامِلًا فِي مَنْ ، وَاقِعًا عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : مَنْ أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ، يَقُولُ : وَغَضِبَ عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْمُسُوخَ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ، غَضَبًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَسُخْطًا ، فَعَجَّلَ لَهُمُ الْخِزْيَ وَالنَّكَالَ فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا سَبَبُ مَسْخِ اللَّهِ مَنْ مَسَخَ مِنْهُمْ قِرَدَةً ، فَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّتَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَكَانٍ غَيْرِ هَذَا .

وَأَمَّا سَبَبُ مَسْخِ اللَّهِ مَنْ مَسَخَ مِنْهُمْ خَنَازِيرَ ، فَإِنَّهُ كَانَ فِيمَا : - 12223 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ الْمَسْخَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْخَنَازِيرِ ، كَانَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ فِيهَا مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانُوا قَدِ اسْتَجْمَعُوا عَلَى الْهَلَكَةِ ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةِ كَانَتْ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنَ الْإِسْلَامِ مُتَمَسِّكَةً بِهِ ، فَجَعَلَتْ تَدْعُو إِلَى اللَّهِ ، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهَا نَاسٌ فَتَابَعُوهَا عَلَى أَمْرِهَا قَالَتْ لَهُمْ : إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ أَنْ تُجَاهِدُوا عَنْ دِينِ اللَّهِ ، وَأَنْ تُنَادُوا قَوْمَكُمْ بِذَلِكَ ، فَاخْرُجُوا فَإِنِّي خَارِجَةٌ . فَخَرَجَتْ ، وَخَرَجَ إِلَيْهَا ذَلِكَ الْمَلِكُ فِي النَّاسِ ، فَقَتَلَ أَصْحَابَهَا جَمِيعًا ، وَانْفَلَتَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ . قَالَ : وَدَعَتْ إِلَى اللَّهِ حَتَّى تَجَمَّعَ النَّاسُ إِلَيْهَا ، حَتَّى إِذَا رَضِيَتْ مِنْهُمْ ، أَمَرَتْهُمْ بِالْخُرُوجِ ، فَخَرَجُوا وَخَرَجَتْ مَعَهُمْ ، وَأُصِيبُوا جَمِيعًا وَانْفَلَتَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ .

ثُمَّ دَعَتْ إِلَى اللَّهِ حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهَا رِجَالٌ وَاسْتَجَابُوا لَهَا ، أَمَرَتْهُمْ بِالْخُرُوجِ ، فَخَرَجُوا وَخَرَجَتْ ، فَأُصِيبُوا جَمِيعًا ، وَانْفَلَتَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ ، فَرَجَعَتْ وَقَدْ أَيِسَتْ ، وَهِيَ تَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، لَوْ كَانَ لِهَذَا الدِّينِ وَلِيٌّ وَنَاصِرٌ ، لَقَدْ أَظْهَرَهُ بَعْدُ! قَالَ : فَبَاتَتْ مَحْزُونَةً ، وَأَصْبَحَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ يَسْعَوْنَ فِي نَوَاحِيهَا خَنَازِيرَ ، قَدْ مَسَخَهُمُ اللَّهُ فِي لَيْلَتِهِمْ تِلْكَ ، فَقَالَتْ حِينَ أَصْبَحَتْ وَرَأَتْ مَا رَأَتْ : الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ دِينَهُ وَأَمْرَ دِينِهِ! قَالَ : فَمَا كَانَ مَسْخُ الْخَنَازِيرِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا عَلَى يَدَيْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ . 12224 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ، قَالَ : مُسِخَتْ مِنْ يَهُودَ . 12225 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .

وَلِلْمَسْخِ سَبَبٌ فِيمَا ذُكِرَ غَيْرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ( 60 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ قَرَأَةُ الْحِجَازِ وَالشَّأْمِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بِمَعْنَى : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ ، بِمَعْنَى : عَابِدٍ ، فَجَعَلَ عَبَدَ ، فِعْلًا مَاضِيًا مِنْ صِلَةِ الْمُضْمَرِ ، وَنَصْبَ الطَّاغُوتَ ، بِوُقُوعِ عَبَدَ عَلَيْهِ .

وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ عَبُدَ وَضَمِّ بَائِهَا ، وَخَفْضِ الطَّاغُوتِ بِإِضَافَةِ عَبُدَ إِلَيْهِ . وَعَنَوْا بِذَلِكَ : وَخَدَمَ الطَّاغُوتَ . 12226 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ أَنَّهُ قَرَأَ : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ يَقُولُ : خَدَمَ ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : وَكَانَ حَمْزَةُ كَذَلِكَ يَقْرَؤُهَا .

12227 - حَدَّثَنِي ابْنُ وَكِيعٍ وَابْنُ حُمَيْدٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ . وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ : إِنْ تَكُنْ فِيهِ لُغَةٌ مِثْلَ حَذِرَ وَ حَذُرَ ، وَ عَجِلَ ، وَ عَجُلَ ، فَهُوَ وَجْهٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِلَّا فَإِنْ أَرَادَ قَوْلَ الشَّاعِرِ : أَبْنَيْ لُبَيْنَى إِنَّ أُمَّكُمُ أَمَةٌ وَإِنَّ أَبَاكُمُ عَبُدُ فَإِنَّ هَذَا مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، وَهَذَا يَجُوزُ فِي الشِّعْرِ لِضَرُورَةِ الْقَوَافِي ، وَأَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ فَلَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ الْأَعْمَشِ .

وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، أَرَادَ جَمْعَ الْجَمْعِ مِنَ الْعَبْدِ ، كَأَنَّهُ جَمَعَ الْعَبْدِ عَبِيدًا ، ثُمَّ جَمَعَ الْعَبِيدَ عُبُدًا ، مِثْلُ : ثِمَارٍ وُثُمُرٍ . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ) . 12228 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ يَقْرَؤُهَا : ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ) ، كَمَا يَقُولُ : ضُرِبَ عَبْدُ اللَّهِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، إِنَّمَا ابْتَدَأَ الْخَبَرَ بِذَمِّ أَقْوَامٍ ، فَكَانَ فِيمَا ذَمَّهُمْ بِهِ عِبَادَتُهُمُ الطَّاغُوتَ . وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ أَنَّ الطَّاغُوتَ قَدْ عُبِدَ ، فَلَيْسَ مِنْ نَوْعِ الْخَبَرِ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ الْآيَةَ ، وَلَا مِنْ جِنْسِ مَا خَتَمَهَا بِهِ ، فَيَكُونُ لَهُ وَجْهٌ يُوَجَّهُ إِلَيْهِ فِي الصِّحَّةِ . وَذُكِرَ أَنَّ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ كَانَ يَقْرَؤُهُ : ( وَعَابِدَ الطَّاغُوتِ ) .

12229 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَيْخٌ بَصْرِيٌّ : أَنْ بُرَيْدَةَ كَانَ يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ . وَلَوْ قُرِئَ ذَلِكَ : ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ ) ، بِالْكَسْرِ ، كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ صَحِيحٌ ، وَإِنْ لَمْ أَسْتَجِزِ الْيَوْمَ الْقِرَاءَةَ بِهَا ، إِذْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ بِخِلَافِهَا . وَوَجْهُ جَوَازِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ ، أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهَا وَعَبَدَةَ الطَّاغُوتِ ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَاءُ لِلْإِضَافَةِ ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : قَامَ وُلَاهَا فَسَقَوْهُ صَرْخَدَا يُرِيدُ : قَامَ وُلَاتُهَا ، فَحَذَفَ التَّاءَ مِنْ وُلَاتِهَا لِلْإِضَافَةِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقَرَأَةِ ، فَبِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ بَدَأْتُ بِذِكْرِهِمَا ، وَهُوَ : ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بِنَصْبِ الطَّاغُوتَ وَإِعْمَالِ عَبَدَ فِيهِ ، وَتَوْجِيهِ عَبَدَ إِلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْعِبَادَةِ . وَالْآخَرُ : ( وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ ) ، عَلَى مِثَالِ فَعُلَ ، وَخَفْضُ الطَّاغُوتِ بِإِضَافَةِ عَبُدَ إِلَيْهِ . فَإِذْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْقَرَأَةِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَوْجُهِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ مَخْرَجًا فِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْهُمَا ، فَأَوْلَاهُمَا بِالصَّوَابِ مِنَ الْقِرَاءَةِ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بِمَعْنَى : وَجُعِلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ، بِمَعْنَى : وَالَّذِينَ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ : وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ ، وَأَنَّ النَّصْبَ بِ الطَّاغُوتِ أَوْلَى ، عَلَى مَا وَصَفْتُ فِي الْقِرَاءَةِ ، لِإِعْمَالِ عَبَدَ فِيهِ ، إِذْ كَانَ الْوَجْهُ الْآخَرُ غَيْرَ مُسْتَفِيضٍ فِي الْعَرَبِ وَلَا مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِهَا .

عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ يَسْتَنْكِرُونَ إِعْمَالَ شَيْءٍ فِي مَنْ وَ الَّذِي الْمُضْمَرَيْنِ مَعَ مَنْ وَ فِي إِذَا كَفَتْ مَنْ أَوْ فِي مِنْهُمَا وَيَسْتَقْبِحُونَهُ ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يُحِيلُ ذَلِكَ وَلَا يُجِيزُهُ . وَكَانَ الَّذِي يُحِيلُ ذَلِكَ يَقْرَؤُهُ : ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ خَطَأٌ وَلَحْنٌ غَيْرُ جَائِزٍ . وَكَانَ آخَرُونَ مِنْهُمْ يَسْتَجِيزُونَهُ عَلَى قُبْحٍ .

فَالْوَاجِبُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ بِذَلِكَ قَبِيحَةً . وَهُمْ مَعَ اسْتِقْبَاحِهِمْ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ ، قَدِ اخْتَارُوا الْقِرَاءَةَ بِهَا ، وَإِعْمَالَ وَ جَعَلَ فِي مَنْ ، وَهِيَ مَحْذُوفَةٌ مَعَ مَنْ . وَلَوْ كُنَّا نَسْتَجِيزُ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ مُجْمِعَةً عَلَيْهِ ، لَاخْتَرْنَا الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ ، غَيْرَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ لَا يَتَنَاكَرُونَهُ ، فَلَا نَسْتَجِيزُ الْخُرُوجَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ .

فَلِذَلِكَ لَمْ نَسْتَجِزِ الْقِرَاءَةَ بِخِلَافِ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْدُوهُمَا . وَإِذْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : قُلْ هَلْ أُنَبِئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ، وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطَّاغُوتِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَغَيْرِهَا ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَهُنَا .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : أُولَئِكَ ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَهُمُ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فَقَالَ : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ شَرٌّ مَكَانًا ، فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ نَقَمْتُمْ عَلَيْهِمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ إِيمَانَهُمْ بِاللَّهِ ، وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْكِتَابِ ، وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ ، أَيُّهَا الْيَهُودُ ، أَشَدُّ أَخْذًا عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ ، وَأَجْوَرُ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ وَالْقَصْدِ مِنْهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا مِنْ لَحْنِ الْكَلَامِ .

وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا الْخَبَرِ إِخْبَارَ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ ، بِقَبِيحِ فِعَالِهِمْ وَذَمِيمِ أَخْلَاقِهِمْ ، وَاسْتِيجَابِهِمْ سُخْطَهُ بِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ ، حَتَّى مَسَخَ بَعْضَهُمْ قِرَدَةً وَبَعْضَهُمْ خَنَازِيرَ ، خِطَابًا مِنْهُ لَهُمْ بِذَلِكَ ، تَعْرِيضًا بِالْجَمِيلِ مِنَ الْخِطَابِ ، وَلَحَنَ لَهُمْ بِمَا عَرَفُوا مَعْنَاهُ مِنَ الْكَلَامِ بِأَحْسَنِ اللَّحْنِ ، وَعَلَّمَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَدَبِ أَحْسَنَهُ فَقَالَ لَهُ : قُلْ لَهُمْ ، يَا مُحَمَّدُ ، أَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَبِكُتُبِهِ الَّذِينَ تَسْتَهْزِئُونَ مِنْهُمْ شَرٌّ ، أَمْ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ؟ وَهُوَ يَعْنِي الْمَقُولَ ذَلِكَ لَهُمْ .

القراءات1 آية
سورة المائدة آية 601 قراءة

﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    فِيهِمْ ضم الهاء يعقوب . وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ الكوفيون بإثبات الواو قبل الياء مع رفع اللام . وقرأ المدنيان والمكي والشامي بحذف الواو ورفع اللام . وقرأ البصريان بإثبات الواو ونصب اللام . يَرْتَدَّ قرأ المدنيان والشامي بدالين الأولى مكسورة والثانية مجزومة بفك الإدغام ، والباقون بدال واحدة مشددة مفتوحة بالإدغام . هُزُوًا سبق الكلام عليه وصلا ووقفا لجميع القراء في سورة البقرة . وَالْكُفَّارَ قرأ البصريان والكسائي بخفض الراء والباقون بنصبها . مُؤْمِنِينَ ، الصَّلاةِ ، الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ . كله واضح . قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ لخلف عن حمزة عند الوقف عليه ستة أوجه : النقل والتحقيق مع السكت وتركه ، وعلى كل تسهيل الهمزة الثانية وإبدالها ياء ، ولخلاد أربعة : النقل والتحقيق من غير سكت ، وعلى كل الوجهان في الثانية . وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ قرأ حمزة بضم الباء وجر الطاغوت ، والباقون بفتح الباء ونصب الطاغوت . قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ تقدمت مذاهب القراء في الهاء والميم ، وسبق بيان حكم السحت قريبا . لَبِئْسَ أبدل الهمز ورش والسوسي وأبو جعفر مطلقا ، وحمزة وقفا . مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أخفى التنوين في الغين أبو جعفر . أَيْدِيهِمْ ضم الهاء يعقوب . كَثِيرًا رقق الراء ورش . وَالْبَغْضَاءَ إِلَى سهل الثانية بين بين المدنيان والمكي والبصري ورويس ، وحققها الباقون ولا خلاف في تحقيق الأولى . أَطْفَأَهَا سهل حمزة وقفا الهمزة الثانية بين بين . سَيِّئَاتِهِمْ أبدل حمزة الهمزة ياء خالصة وقفا . وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ الآية اجتمع فيها لقالون ميم الجمع ولفظ التوراة والمنفصل ، وفيها لقالون خمسة أوجه وقد سبق مثلها : الأول : سكون الميم مع فتح التوراة ومد المنفصل . الثاني : سكون الميم وتقليل التوراة وقصر المنفصل ، الثالث : مثله ولكن مع مد المنفصل ، الرابع : صلة الميم مع قصر المنفصل وفتح التوراة ، الخامس : صلة الميم مع مد المنفصل وتقليل التوراة . يَعْمَلُونَ آخر الربع . الممال الناس لدوري البصري . النصارى ، <قراءة ربط="85002066

موقع حَـدِيث