الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ مَا فَتَنَ بِهِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ حَسِبُوا أَنْ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَكَانَ مِمَّا ابْتَلَيْتُهُمْ وَاخْتَبَرْتُهُمْ بِهِ ، فَنَقَضُوا فِيهِ مِيثَاقِي ، وَغَيَّرُوا عَهْدِي الَّذِي كُنْتُ أَخَذْتُهُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ لَا يَعْبُدُوا سِوَايَ ، وَلَا يَتَّخِذُوا رَبًّا غَيْرِي ، وَأَنْ يُوَحِّدُونِي ، وَيَنْتَهُوا إِلَى طَاعَتِي ، عَبْدِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، فَإِنِّي خَلَقْتُهُ ، وَأَجْرَيْتُ عَلَى يَدِهِ نَحْوَ الَّذِي أَجْرَيْتُ عَلَى يَدِ كَثِيرٍ مِنْ رُسُلِي ، فَقَالُوا كُفْرًا مِنْهُمْ : هُوَ اللَّهُ . وَهَذَا قَوْلُ الْيَعْقُوبِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَلَمَّا اخْتَبَرْتُهُمْ وَابْتَلَيْتُهُمْ بِمَا ابْتَلَيْتُهُمْ بِهِ ، أَشْرَكُوا بِي ، وَقَالُوا لِخَلْقٍ مِنْ خَلْقِي ، وَعَبْدٍ مِثْلِهِمْ مِنْ عَبِيدِي ، وَبَشَرٍ نَحْوَهُمْ مَعْرُوفٍ نَسَبُهُ وَأَصْلُهُ ، مَوْلُودٍ مِنَ الْبَشَرِ ، يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِي ، وَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَتِي وَطَاعَتِي ، وَيُقِرُّ لَهُمْ بِأَنِّي رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا : هُوَ إِلَهُهُمْ ، جَهْلًا مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَكُفْرًا بِهِ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ وَالِدًا وَلَا مَوْلُودًا . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ، يَقُولُ : اجْعَلُوا الْعِبَادَةَ وَالتَّذَلُّلَ لِلَّذِي لَهُ يُذَلُّ كُلُّ شَيْءٍ ، وَلَهُ يَخْضَعُ كُلُّ مَوْجُودٍ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ، يَقُولُ : مَالِكِي وَمَالِكُكُمْ ، وَسَيِّدِي وَسَيِّدُكُمْ ، الَّذِي خَلَقَنِي وَإِيَّاكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، أَنْ يَسْكُنَهَا فِي الْآخِرَةِ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ، يَقُولُ : وَمَرْجِعُهُ وَمَكَانُهُ - الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ وَيَصِيرُ فِي مَعَادِهِ ، مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِ - نَارُ جَهَنَّمَ وَمَا لِلظَّالِمِينَ ، يَقُولُ : وَلَيْسَ لِمَنْ فَعَلَ غَيْرَ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ ، وَعَبَدَ غَيْرَ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ الْخَلْقِ مِنْ أَنْصَارٍ ، يَنْصُرُونَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ اللَّهِ ، فَيُنْقِذُونَهُ مِنْهُ إِذَا أَوْرَدَهُ جَهَنَّمَ .