الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلُ : أَنَّهُ لَمَّا ابْتَلَاهُمْ بَعْدَ حُسْبَانِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُبْتَلُونَ وَلَا يُفْتَنُونَ ، قَالُوا كُفْرًا بِرَبِّهِمْ وَشِرْكًا : اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . وَهَذَا قَوْلٌ كَانَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ النَّصَارَى قَبْلَ افْتِرَاقِ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ . كَانُوا فِيمَا بَلَغَنَا يَقُولُونَ : الْإِلَهُ الْقَدِيمُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ يَعُمُّ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ : أَبًا وَالِدًا غَيْرَ مَوْلُودٍ ، وَابْنًا مَوْلُودًا غَيْرَ وَالِدٍ ، وَزَوْجًا مُتَتَبَّعَةً بَيْنَهُمَا .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، مُكَذِّبًا لَهُمْ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ : وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ، يَقُولُ : مَا لَكُمْ مَعْبُودٌ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، إِلَّا مَعْبُودٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِوَالِدٍ لِشَيْءٍ وَلَا مَوْلُودٍ ، بَلْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ وَالِدٍ وَمَوْلُودٍ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ، يَقُولُ : إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَمَّا يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ : اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، يَقُولُ : لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الْمَقَالَةَ الْأُخْرَى : هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا كَفَرَةٌ مُشْرِكُونَ ، فَلِذَلِكَ رَجَعَ فِي الْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ إِلَى الْعُمُومِ ، وَلَمْ يَقُلْ : لَيَمَسَّنَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ كَذَلِكَ ، صَارَ الْوَعِيدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَاصًّا لِقَائِلِ الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ : اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِمُ الْقَائِلُونَ : الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ . فَعَمَّ بِالْوَعِيدِ تَعَالَى ذِكْرُهُ كُلَّ كَافِرٍ ، لِيَعْلَمَ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ وَعِيدَ اللَّهِ قَدْ شَمِلَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَمَنْ كَانَ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى مَثَلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ ، فَعَلَى مَنْ عَادَتْ الْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ : مِنْهُمْ ؟ قِيلَ : عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا : وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلَاءِ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ عَمَّا يَقُولُونَ فِي اللَّهِ مِنْ عَظِيمِ الْقَوْلِ ، لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِنْهُمْ : إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، وَكُلُّ كَافِرٍ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِنَحْوِ قَوْلِنَا ، فِي أَنَّهُ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَاتِ النَّصَارَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12294 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ، قَالَ : قَالَتِ النَّصَارَى : هُوَ وَالْمَسِيحُ وَأُمُّهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 116 ] .
12295 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ، نَحْوَهُ .