الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ . فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ ، بِنَصْبِ يَوْمٍ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَعَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ ، بِرَفْعِ يَوْمٍ .
فَمِنْ رَفَعَهُ رَفَعَهُ بِ هَذَا وَجَعَلَ يَوْمَ اسْمًا ، وَإِنْ كَانَتْ إِضَافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ كَالْمَنْعُوتِ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَرَبَ يَعْمَلُونَ فِي إِعْرَابِ الْأَوْقَاتِ مِثْلَ الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ عَمَلَهُمْ فِيمَا بَعْدَهَا . إِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا رَفْعًا رَفَعُوهَا ، كَقَوْلِهِمْ : هَذَا يَوْمُ يَرْكَبُ الْأَمِيرَ وَ لَيْلَةُ يَصْدُرُ الْحَاجُّ وَ يَوْمُ أَخُوكَ مُنْطَلِقٌ .
وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا نَصْبًا نَصَبُوهَا ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : هَذَا يَوْمَ خَرَجَ الْجَيْشُ ، وَسَارَ النَّاسُ وَ لَيْلَةَ قُتِلَ زَيْدٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا فِي الْحَالَيْنِ إِذْ وَ إِذَا . وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ هَذَا هَكَذَا رَفْعًا ، وَجَّهَ الْكَلَامَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ قِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَكَذَلِكَ كَانَ السُّدِّيُّ يَقُولُ فِي ذَلِكَ .
13039 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ اللَّهُ : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ هَذَا فَصْلٌ مِنْ كَلَامِ عِيسَى ، وَهَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ . يَعْنِي السُّدِّيُّ بِقَوْلِهِ : هَذَا فَصْلٌ مِنْ كَلَامِ عِيسَى : أَنَّ قَوْلَهُ : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِلَى قَوْلِهِ : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ أَنْ رَفَعَهُ إِلَيْهِ ، وَأَنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَأَمَّا النَّصْبُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَتَوَجَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ إِضَافَةِ يَوْمٍ مَا لَمْ تَكُنْ إِلَى اسْمٍ ، تَجْعَلُهُ نَصْبًا ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ غَيْرُ مَحْضَةٍ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْإِضَافَةُ مَحْضَةً ، إِذَا أُضِيفَ إِلَى اسْمٍ صَحِيحٍ .
وَنَظِيرُ الْيَوْمِ فِي ذَلِكَ : الْحِينُ وَ الزَّمَانُ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْأَزْمِنَةِ ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ : عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا وَقُلْتُ أَلَمَّا تَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ؟ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْكَلَامِ : هَذَا الْأَمْرُ وَهَذَا الشَّأْنُ ، يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ فَيَكُونُ الْيَوْمَ حِينَئِذٍ مَنْصُوبًا عَلَى الْوَقْتِ وَالصِّفَةِ ، بِمَعْنَى : هَذَا الْأَمْرُ فِي يَوْمِ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ ، بِنَصْبِ الْيَوْمِ عَلَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْوَقْتِ وَالصِّفَةِ . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَجَابَ عِيسَى حِينَ قَالَ : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ إِلَى قَوْلِهِ : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَقَالَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَذَا الْقَوْلُ النَّافِعُ أَوْ هَذَا الصِّدْقُ النَّافِعُ يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ .
فَ الْيَوْمُ وَقْتُ الْقَوْلِ وَالصِّدْقِ النَّافِعِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا مَوْضِعُ هَذَا ؟ قِيلَ : رَفْعٌ . فَإِنْ قَالَ : فَأَيْنَ رَافِعُهُ؟ قِيلَ : مُضْمَرٌ .
وَكَأَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَذَا ، هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَمَا تَرَى السَّحَابَ كَيْفَ يَجْرِي ؟ هَذَا ، وَلَا خَيْلُكَ يَا ابْنِ بِشْرِ يُرِيدُ : هَذَا هَذَا ، وَلَا خَيْلُكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا لِمَا بَيَّنَّا : قَالَ اللَّهُ لِعِيسَى : هَذَا الْقَوْلُ النَّافِعُ فِي يَوْمِ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا صِدْقُهُمْ ذَلِكَ ، فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَقُولُ : لِلصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا ، جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فِي الْآخِرَةِ ، ثَوَابًا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا كَانَ مِنْ صِدْقِهِمُ الَّذِي صَدَقُوا اللَّهَ فِيمَا وَعَدُوهُ ، فَوَفَوْا بِهِ لِلَّهِ ، فَوَفَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ ثَوَابِهِ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا يَقُولُ : بَاقِينَ فِي الْجَنَّاتِ الَّتِي أَعْطَاهُمُوهَا أَبَدًا دَائِمًا ، لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُمْ وَلَا يَزُولُ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى الْخُلُودِ الدَّوَامُ وَالْبَقَاءُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 119 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : رَضِيَ اللَّهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي الْوَفَاءِ لَهُ بِمَا وَعَدُوهُ ، مِنَ الْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَرَضُوا عَنْهُ يَقُولُ : وَرَضُوا هُمْ عَنِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي وَفَائِهِ لَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ ، مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَقُولُ : هَذَا الَّذِي أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّاتِ الَّتِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، خَالِدِينَ فِيهَا ، مَرْضِيًّا عَنْهُمْ وَرَاضِينَ عَنْ رَبِّهِمْ ، هُوَ الظَّفَرُ الْعَظِيمُ بِالطَّلِبَةِ ، وَإِدْرَاكُ الْحَاجَةِ الَّتِي كَانُوا يَطْلُبُونَهَا فِي الدُّنْيَا ، وَلَهَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِيهَا ، فَنَالُوا مَا طَلَبُوا ، وَأَدْرَكُوا مَا أَمَّلُوا .