الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِي ، الْجَاحِدُونَ نُبُوَّتَكَ ، كَثْرَةَ مَنْ أَهْلَكْتُ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ وَهُمُ الْأُمَمُ الَّذِينَ وَطَّأْتُ لَهُمُ الْبِلَادَ وَالْأَرْضَ تَوْطِئَةً لَمْ أُوَطِّئْهَا لَهُمْ ، وَأَعْطَيْتُهُمْ فِيهَا مَا لَمْ أُعْطِهِمْ؟ كَمَا : - 13072 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يَقُولُ : أَعْطَيْنَاهُمْ مَا لَمْ نُعْطِكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أُمْطِرَتْ فَأَخْرَجَتْ لَهُمُ الْأَشْجَارُ ثِمَارَهَا ، وَأَعْطَتْهُمُ الْأَرْضُ رَيْعَ نَبَاتِهَا ، وَجَابُوا صُخُورَ جِبَالِهَا ، وَدَرَّتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ بِأَمْطَارِهَا ، وَتَفَجَّرَتْ مِنْ تَحْتِهِمْ عُيُونُ الْمِيَاهِ بِيَنَابِيعِهَا بِإِذْنِي ، فَغَمَطُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ ، وَعَصَوْا رَسُولَ خَالِقِهِمْ ، وَخَالَفُوا أَمْرَ بَارِئِهِمْ ، وَبَغَوْا حَتَّى حَقَّ عَلَيْهِمْ قَوْلِي ، فَأَخَذْتُهُمْ بِمَا اجْتَرَحُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَعَاقَبْتُهُمْ بِمَا اكْتَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ ، وَأَهْلَكْتُ بَعْضَهُمْ بِالرَّجْفَةِ ، وَبَعْضَهُمْ بِالصَّيْحَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا الْمَطَرَ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : مِدْرَارًا غَزِيرَةً دَائِمَةً وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ يَقُولُ : وَأَحْدَثْنَا مِنْ بَعْدِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ قَرْنًا آخَرِينَ ، فَابْتَدَأْنَا سِوَاهُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ : مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ؟ وَمَنِ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ؟ فَقَدِ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ عَنْ قَوْمٍ غَيَبٍ بِقَوْلِهِ : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ؟ قِيلَ : إِنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ : مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ، هُوَ الْمُخْبِرُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ وَلَكِنْ فِي الْخَبَرِ مَعْنَى الْقَوْلِ وَمَعْنَاهُ : قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ . وَالْعَرَبُ إِذَا أَخْبَرَتْ خَبَرًا عَنْ غَائِبٍ ، وَأَدْخَلَتْ فِيهِ قَوْلًا فَعَلَتْ ذَلِكَ ، فَوَجَّهَتِ الْخَبَرَ أَحْيَانًا إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَأَحْيَانًا إِلَى الْخِطَابِ ، فَتَقُولُ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ : مَا أَكْرَمَهُ وَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ : مَا أَكْرَمَكَ وَتُخْبِرُ عَنْهُ أَحْيَانًا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْخِطَابِ .
وَتُخْبِرُ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لَهُ ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ . وَذَلِكَ فِي كَلَامِهَا وَأَشْعَارِهَا كَثِيرٌ فَاشٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ : كَأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ خَاطَبَهُ مَعَهُمْ . وَقَالَ : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ سُورَةُ يُونُسَ : 22 ] ، فَجَاءَ بِلَفْظِ الْغَائِبِ ، وَهُوَ يُخَاطِبُ ، لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ .