الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : أَرَأَيْتَكُمْ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ : الْكَافُ الَّتِي بَعْدَ التَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ : أَرَأَيْتَكُمْ إِنَّمَا جَاءَتْ لِلْمُخَاطَبَةِ ، وَتُرِكَتِ التَّاءُ مَفْتُوحَةً كَمَا كَانَتْ لِلْوَاحِدِ . قَالَ : وَهِيَ مِثْلُ كَافِ رُوَيْدَكَ زَيْدًا إِذَا قُلْتَ : أَرُودُ زَيْدًا .
هَذِهِ الْكَافُ لَيْسَ لَهَا مَوْضِعٌ مُسَمًّى بِحَرْفٍ ، لَا رَفْعَ وَلَا نَصْبَ ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْمُخَاطَبَةِ مِثْلُ كَافِ ذَاكَ . وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ : أُبْصِرُكَ زَيْدًا يُدْخِلُونَ الْكَافَ لِلْمُخَاطَبَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : مَعْنَى : أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ أَرَأَيْتُمْ .
قَالَ : وَهَذِهِ الْكَافُ تَدْخُلُ لِلْمُخَاطَبَةِ مَعَ التَّوْكِيدِ ، وَ التَّاءُ وَحْدَهَا هِيَ الِاسْمُ ، كَمَا أُدْخِلَتِ الْكَافُ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ فِي الْمُخَاطَبَةِ ، كَقَوْلِهِمْ : هَذَا ، وَذَاكَ ، وَتِلْكَ ، وَأُولَئِكَ فَتَدْخُلُ الْكَافُ لِلْمُخَاطَبَةِ ، وَلَيْسَتْ بِاسْمٍ ، وَ التَّاءُ هُوَ الِاسْمُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ ، تُرِكَتْ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ : لَيْسَكَ ثَمَّ إِلَّا زَيْدٌ يُرَادُ : لَيْسَ وَ لَا سِيَّكَ زَيْدٌ فَيُرَادُ : وَلَا سِيَّمَا زَيْدٌ وَ بَلَاكَ فَيُرَادُ ، بَلَى فِي مَعْنَى : نَعَمْ وَ لَبِئْسَكَ رَجُلًا وَلَنِعْمَكَ رَجُلًا . وَقَالُوا : انْظُرْكَ زَيْدًا مَا أَصْنَعُ بِهِ وَ أُبْصِرُكَ مَا أَصْنَعُ بِهِ بِمَعْنَى : أُبْصِرُهُ . وَحَكَى بَعْضُهُمْ : أُبْصِرُكُمْ مَا أَصْنَعُ بِهِ يُرَادُ : أَبْصِرُوا ، وَ انْظُرْكُمْ زَيْدًا أَيِ انْظُرُوا .
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ بَنِي كِلَابٍ : أَتَعْلَمُكَ كَانَ أَحَدًا أَشْعَرَ مِنْ ذِي الرُّمَّةِ ؟ فَأَدْخَلَ الْكَافَ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ : أَرَأَيْتُكَ عَمْرًا أَكْثَرُ الْكَلَامِ فِيهِ تَرْكُ الْهَمْزِ . قَالَ : وَ الْكَافُ مِنْ أَرَأَيْتُكَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، كَأَنَّ الْأَصْلَ : أَرَأَيْتَ نَفْسَكَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ ؟ قَالَ : فَهَذَا يُثَنَّى وَيُجْمَعُ وَيُؤَنَّثُ ، فَيُقَالُ : أَرَأَيْتُمَا كَمَا وَ أَرَأَيْتُمُوكُمْ .
وَ وَأَرَأَيْتُنَّكُنَّ أَوْقَعَ فِعْلَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَسَأَلَهُ عَنْهَا ، ثُمَّ كَثُرَ بِهِ الْكَلَامُ حَتَّى تَرَكُوا التَّاءَ مُوَحَّدَةً لِلتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ ، فَقَالُوا : أَرَأَيْتُكُمْ زَيْدًا مَا صَنَعَ وَ أَرَأَيْتُكُنَّ مَا صَنَعَ فَوَحَّدُوا التَّاءَ وَثَنَّوُا الْكَافَ وَجَمَعُوهَا ، فَجَعَلُوهَا بَدَلًا مِنَ التَّاءِ كَمَا قَالَ : هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [ سُورَةُ الْحَاقَّةِ : 19 ] ، وَ هَاءُ يَا رَجُلُ وَ هَاؤُمَا ثُمَّ قَالُوا : هَاكُمُ اكْتَفَى بِالْكَافِ وَالْمِيمِ مِمَّا كَانَ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ . فَكَأَنَّ الْكَافَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، إِذْ كَانَتْ بَدَلًا مِنَ التَّاءِ . وَرُبَّمَا وُحِّدَتْ لِلتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ ، وَهِيَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : عَلَيْكَ زَيْدًا الْكَافُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ ، وَالتَّأْوِيلُ رَفْعٌ .
فَأَمَّا مَا يُجْلَبُ فَأَكْثَرَ مَا يَقَعُ عَلَى الْأَسْمَاءِ ، ثُمَّ تَأْتِي بِالِاسْتِفْهَامِ فَيُقَالُ : أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا هَلْ قَامَ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِمَعْنَى : أَخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ، ثُمَّ بَيَّنَ عَمَّا يَسْتَخْبِرُ . فَهَذَا أَكْثَرُ الْكَلَامِ . وَلَمْ يَأْتِ الِاسْتِفْهَامُ يَلِيهَا .
لَمْ يَقُلْ : أَرَأَيْتُكَ هَلْ قُمْتَ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُبَيِّنُوا عَمَّنْ يَسْأَلُ ، ثُمَّ تُبَيَّنُ الْحَالَةُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا . وَرُبَّمَا جَاءَ بِالْجَزَاءِ وَلَمْ يَأْتِ بِالِاسْمِ ، فَقَالُوا : أَرَأَيْتَ إِنْ أَتَيْتَ زَيْدًا هَلْ يَأْتِينَا وَ أَرَأَيْتُكَ أَيْضًا وَ أَرَأَيْتَ زَيْدًا إِنْ أَتَيْتَهُ هَلْ يَأْتِينَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى : أَخْبِرْنِي فَيُقَالُ بِاللُّغَاتِ الثَّلَاثِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ ، لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِاللَّهِ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ : أَخْبِرُونِي ، إِنْ جَاءَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ عَذَابُ اللَّهِ ، كَالَّذِي جَاءَ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ هَلَكَ بَعْضُهُمْ بِالرَّجْفَةِ ، وَبَعْضُهُمْ بِالصَّاعِقَةِ أَوْ جَاءَتْكُمُ السَّاعَةُ الَّتِي تُنْشَرُونَ فِيهَا مِنْ قُبُورِكُمْ ، وَتُبْعَثُونَ لِمَوْقِفِ الْقِيَامَةِ ، أَغَيْرَ اللَّهِ هُنَاكَ تَدْعُونَ لِكَشْفِ مَا نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْبَلَاءِ ، أَوْ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ آلِهَتِكُمْ تَفْزَعُونَ لِيُنْجِيَكُمْ مِمَّا نَزَلَ بِكُمْ مِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ ؟ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ يَقُولُ : إِنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فِي دَعْوَاكُمْ وَزَعْمِكُمْ أَنَّ آلِهَتَكُمُ الَّتِي تَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَنْفَعُ أَوْ تَضُرُّ .