الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ مَتْرُوكٌ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَنْ ذِكْرِ مَا تُرِكَ . وَذَلِكَ أَنَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ عَنِ الْأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا أَنَّهُ أَخَذَهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لِيَتَضَرَّعُوا لَهُ ، ثُمَّ قَالَ : فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَمْ يُخْبِرْ عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الْفِعْلِ عِنْدَ أَخْذِهِ إِيَّاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا ، فَلَوْلَا إِذَا جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضْرَعُوا .
وَمَعْنَى : فَلَوْلَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَهَلَّا . وَالْعَرَبُ إِذْ أَوْلَتْ لَوْلَا اسْمًا مَرْفُوعًا ، جَعَلَتْ مَا بَعْدَهَا خَبَرًا ، وَتَلَقَّتْهَا بِالْأَمْرِ ، فَقَالَتْ : فَلَوْلَا أَخُوكَ لَزُرْتُكَ وَ لَوْلَا أَبُوكَ لِضَرَبْتُكَ وَإِذَا أَوْلَتْهَا فِعْلًا أَوْ لَمْ تُولِهَا اسْمًا ، جَعَلُوهَا اسْتِفْهَامًا فَقَالُوا : لَوْلَا جِئْتَنَا فَنُكْرِمَكَ وَ لَوْلَا زُرْتَ أَخَاكَ فَنَزُورَكَ بِمَعْنَى : هَلَّا كَمَا قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [ سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ : 10 ] . وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ بِ لَوْمَا مِثْلَ فِعْلِهَا بِ لَوْلَا .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إذًا : فَهَلَّا إِذْ جَاءَ بَأْسُنَا هَؤُلَاءِ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ رُسُلَهَا ، الَّذِينَ لَمْ يَتَضَرَّعُوا عِنْدَ أَخْذِنَا إِيَّاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ تَضْرَعُوا فَاسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ ، وَخَضَعُوا لِطَاعَتِهِ ، فَيَصْرِفَ رَبَّهُمْ عَنْهُمْ بَأْسَهُ ، وَهُوَ عَذَابُهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْبَأْسِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ يَقُولُ : وَلَكِنْ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ ، وَأَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ ، وَاسْتَكْبَرُوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ، اسْتِهَانَةً بِعِقَابِ اللَّهِ ، وَاسْتِخْفَافًا بِعَذَابِهِ ، وَقَسَاوَةَ قَلْبٍ مِنْهُمْ .
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَقُولُ : وَحَسَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَكْرَهُهَا اللَّهُ وَيَسْخُطُهَا مِنْهُمْ .