الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مُتَوَعِّدًا لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَصْنَامَ وَمُحَذِّرَهُمْ أَنْ يَسْلُكَ بِهِمْ إِنْ هُمْ تَمَادَوْا فِي ضَلَالِهِمْ سَبِيلَ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ ، فِي تَعْجِيلِ اللَّهِ عُقُوبَتَهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَمُخْبِرًا نَبِيَّهُ عَنْ سُنَّتِهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ فِي تَكْذِيبِ الرُّسُلِ : لَقَدْ أَرْسَلْنَا يَا مُحَمَّدُ ، إِلَى أُمَمٍ يَعْنِي : إِلَى جَمَاعَاتٍ وَقُرُونٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ يَقُولُ : فَأَمَرْنَاهُمْ وَنَهَيْنَاهُمْ ، فَكَذَّبُوا رُسُلنَا ، وَخَالَفُوا أَمْرَنَا وَنَهْيَنَا ، فَامْتَحَنَّاهُمْ بِالِابْتِلَاءِ بِالْبَأْسَاءِ وَهِيَ شِدَّةُ الْفَقْرِ وَالضِّيقِ فِي الْمَعِيشَةِ وَالضَّرَّاءِ وَهِيَ الْأَسْقَامُ وَالْعِلَلُ الْعَارِضَةُ فِي الْأَجْسَامِ . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَوُجُوهِ إِعْرَابِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَوْلُهُ : لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يَقُولُ : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ لِيَتَضَرَّعُوا إِلَيَّ ، وَيُخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ ، وَيُفْرِدُوا رَغْبَتَهُمْ إِلَيَّ دُونَ غَيْرِي ، بِالتَّذَلُّلِ مِنْهُمْ لِي بِالطَّاعَةِ ، وَالِاسْتِكَانَةِ مِنْهُمْ إِلَيَّ بِالْإِنَابَةِ .
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ قَدِ اسْتُغْنِيَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الظاهرُ مِنْ إِظْهَارِهِ دُونَ قَوْلِهِ : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ إِيَّاهُمْ ، تَكْذِيبَهُمُ الرُّسُلَ وَخِلَافَهُمْ أَمْرَهُ لَا إِرْسَالَ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا فَكَذَّبُوهُمْ ، فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ . وَ التَّضَرُّعُ : هُوَ التَّفَعُّلُ مِنْ الضَّرَاعَةِ وَهِيَ الذِّلَّةُ وَالِاسْتِكَانَةُ .