الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حُجَّتِهِ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ . يَقُولُ لَهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَنْدَادَ ، وَالْآمِرِينَ لَكَ بِاتِّبَاعِ دِينِهِمْ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ مَعَهُمْ : أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ حَجَرًا أَوْ خَشَبًا لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِنَا أَوْ ضُرِّنَا ، فَنَخُصُّهُ بِالْعِبَادَةِ دُونَ اللَّهِ ، وَنَدَعُ عِبَادَةَ الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ وَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَتُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ؟ فَلَا شَكَّ أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خِدْمَةَ مَا يُرْتَجَى نَفْعُهُ وَيُرْهَبُ ضُرُّهُ ، أَحَقُّ وَأُولَى مِنْ خِدْمَةِ مَنْ لَا يُرْجَى نَفْعُهُ وَلَا يُخْشَى ضُرُّهُ ! وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا يَقُولُ : وَنُرَدُّ إِلَى أَدْبَارِنَا ، فَنَرْجِعُ الْقَهْقَرَي خَلْفَنَا ، لَمْ نَظْفَرْ بِحَاجَتِنَا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى : الرَّدُّ عَلَى الْعَقِبِ وَأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ لِكُلٍّ طَالِبِ حَاجَةٍ لَمْ يَظْفَرْ بِهَا : رَدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : وَنُرَدُّ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ ، فَوَفَّقَنَا لَهُ ، فَيَكُونُ مَثَلُنَا فِي ذَلِكَ مَثَلُ الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ، يَهْوِي فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ . وَقَوْلُهُ : اسْتَهْوَتْهُ اسْتَفْعَلَتْهُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : هَوَى فَلَانٌ إِلَى كَذَا يَهْوِي إِلَيْهِ وَمِنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 37 ] ، بِمَعْنَى : تَنْزِعُ إِلَيْهِمْ وَتُرِيدُهُمْ . وَأَمَّا حَيْرَانَ فَإِنَّهُ فَعْلَانَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَدْ حَارَ فُلَانٌ فِي الطَّرِيقِ ، فَهُوَ يَحَارُ فِيهِ حَيْرَةً وَحَيَرَانًا وَحَيْرُورَةً وَذَلِكَ إِذْ ضَلَّ فَلَمْ يَهْتَدِ لِلْمَحَجَّةِ .
لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى يَقُولُ : لِهَذَا الْحَيْرَانِ الَّذِي قَدِ اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ ، أَصْحَابٌ عَلَى الْمَحَجَّةِ وَاسْتِقَامَةِ السَّبِيلِ ، يَدْعُونَهُ إِلَى الْمَحَجَّةِ لِطَرِيقِ الْهُدَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ ، يَقُولُونَ لَهُ : ائْتِنَا . وَتَركَ إِجْرَاءَ حَيْرَانَ لِأَنَّهُ فَعْلَانَ وَكُلُّ اسْمٍ كَانَ عَلَى فَعْلَانَ مِمَّا أُنْثَاهُ فَعْلَى فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ بَعْدَ إِيمَانِهِ ، فَاتَّبَعَ الشَّيَاطِينَ ، مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ - وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَهُ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ ، الْمُقِيمُونَ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ ، يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ ، وَالصَّوَابِ الَّذِي هُمْ بِهِ مُتَمَسِّكُونَ ، وَهُوَ لَهُ مُفَارِقٌ وَعَنْهُ زَائِلٌ ، يَقُولُونَ لَهُ : ائْتِنَا فَكُنْ مَعَنَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَهُدًى ! وَهُوَ يَأْبَى ذَلِكَ ، وَيَتَّبِعُ دَوَاعِيَ الشَّيْطَانِ ، وَيَعْبُدُ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ .
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِثْلَ مَا قُلْنَا : 13422 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ، قَالَ : قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ : اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ، وَاتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا هَذِهِ الْآلِهَةَ وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ فَيَكُونُ مَثَلُنَا كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ ، يَقُولُ : مَثَلُكُمْ إِنْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ مَعَ قَوْمٍ عَلَى الطَّرِيقِ ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ ، فَحَيَّرَتْهُ الشَّيَاطِينُ ، وَاسْتَهْوَتْهُ فِي الْأَرْضِ ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى الطَّرِيقِ ، فَجَعَلُوا يَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ ، يَقُولُونَ : ائْتِنَا ، فَإِنَّا عَلَى الطَّرِيقِ فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ .
فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ يَتَّبِعُكُمْ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِمُحَمَّدٍ ، وَمُحَمَّدٌ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الطَّرِيقِ ، وَالطَّرِيقُ هُوَ الْإِسْلَامُ . 13423 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا قَالَ : هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْآلِهَةِ وَمَنْ يَدْعُو إِلَيْهَا ، وَلِلدُّعَاةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ ، كَمَثَلِ رَجُلٍ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ تَائِهًا ضَالًّا إِذْ نَادَاهُ مُنَادٍ : يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ وَلَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ : يَا فُلَانُ ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ ! فَإِنِ اتَّبَعَ الدَّاعِي الْأَوَّلَ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى يُلْقِيَهُ فِي الْهَلَكَةِ ، وَإِنْ أَجَابَ مَنْ يَدْعُوهُ إِلَى الْهُدَى اهْتَدَى إِلَى الطَّرِيقِ . وَهَذِهِ الدَّاعِيَةُ الَّتِي تَدْعُو فِي الْبَرِّيَّةِ مِنَ الْغِيلَانِ .
يَقُولُ : مَثَلُ مَنْ يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ الْآلِهَةَ مَنْ دُونِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ ، فَيَسْتَقْبِلُ الْهَلَكَةَ وَالنَّدَامَةَ . وَقَوْلُهُ : كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ وَهُمْ الْغِيلَانُ يَدْعُونَهُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ جَدِّهِ ، فَيَتْبَعُهَا ، فَيَرَى أَنَّهُ فِي شَيْءٍ ، فَيُصْبِحُ وَقَدْ أَلْقَتْهُ فِي الْهَلَكَةِ ، وَرُبَّمَا أَكَلَتْهُ أَوْ تُلْقِيهِ فِي مُضِلَّةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَهْلَكُ فِيهَا عَطَشًا . فَهَذَا مَثَلُ مَنْ أَجَابَ الْآلِهَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
13424 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ قَالَ : أَضَلَّتْهُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ . 13425 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا قَالَ : الْأَوْثَانُ . 13426 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ قَالَ : رَجُلٌ حَيْرَانُ يَدْعُوهُ أَصْحَابُهُ إِلَى الطَّرِيقِ ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ يَضِلُّ بَعْدَ إِذْ هُدِيَ .
13427 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَجُلٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ ، حَيْرَانَ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ ، يَقُولُ : الْكَافِرُ حَيْرَانُ ، يَدْعُوهُ الْمُسْلِمُ إِلَى الْهُدَى فَلَا يُجِيبُ . 13428 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا حَتَّى بَلَغَ لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَّمَهَا اللَّهُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ ، يُخَاصِمُونَ بِهَا أَهْلَ الضَّلَالَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، بِمَا : - 13429 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَسْتَجِيبُ لِهُدَى اللَّهِ ، وَهُوَ رَجُلٌ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ ، وَعَمِلَ فِي الْأَرْضِ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَحَارَ عَنِ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُ ، وَلَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِي يَأْمُرُونَهُ هُدًى .
يَقُولُ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ : إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ، وَالضَّلَالَةَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْجِنُّ . فَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَرَى أَنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْحَيْرَانِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ إِنَّمَا يَدْعُونَهُ إِلَى الضَّلَالِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ هُدًى ، وَأَنَّ اللَّهَ أَكْذَبَهُمْ بِقَوْلِهِ : قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى لَا مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ . وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَهُ وَجْهٌ ، لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ سَمَّى الَّذِي دَعَا الْحَيْرَانَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ هُدًى وَكَانَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الدُّعَاةِ لَهُ إِلَى مَا دَعَوْهُ إِلَيْهِ : أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ سَمَّوْهُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ هُدًى وَأَخْبَرَ عَنْ أَصْحَابِ الْحَيْرَانِ أَنَّهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَيْهِ .
وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهُ الضَّلَالَ هُدًى ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ وَصْفُ اللَّهِ بِالْكَذِبِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ . وَإِنَّمَا كَانَ يَجُوزُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ ، لَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَنِ الدَّاعِي الْحَيْرَانِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ : تَعَالَ إِلَى الْهُدَى فَأَمَّا وَهُوَ قَائِلٌ : يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ، وَهُمْ كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى الضَّلَالِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ائْتِنَا فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَقُولُونَ : ائْتِنَا ، هَلُمَّ إِلَيْنَا فَحَذَفَ الْقَوْلَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ .
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : ( يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا ) . 13430 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا ) . 13431 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ : فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا ) ، قَالَ : الْهُدَى الطَّرِيقُ ، أَنَّهُ بَيِّنٌ .
وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ الْبَيِّنُ مِنْ صِفَةِ الْهُدَى وَيَكُونُ نَصْبُ الْبَيِّنِ عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهُدَى كَأَنَّهُ قِيلَ : يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى الْبَيِّنِ ، ثُمَّ نَصَبَ الْبَيِّنَ لَمَّا حُذِفَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَصَارَ نَكِرَةً مِنْ صِفَةِ الْمَعْرِفَةِ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : الْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، هُوَ الْهُدَى عَلَى الْحَقِيقَةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 71 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ ، الْقَائِلِينَ لِأَصْحَابِكَ : اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ فَإِنَّا عَلَى هُدًى : لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى يَقُولُ : إِنَّ طَرِيقَ اللَّهِ الَّذِي بَيَّنَهُ لَنَا وَأَوْضَحَهُ ، وَسَبِيلَنَا الَّذِي أَمَرَنَا بِلُزُومِهِ ، وَدِينَهُ الَّذِي شَرَعَهُ لَنَا فَبَيَّنَهُ ، هُوَ الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَةُ الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا ، لَا عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، فَلَا نَتْرُكُ الْحَقَّ وَنَتَّبِعُ الْبَاطِلَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ : وَأَمَرَنَا رَبُّنَا وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ تَعَالَى وَجْهُهُ ، لِنُسْلِمَ لَهُ ، لِنَخْضَعَ لَهُ بِالذِّلَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ ، فَنُخْلِصَ ذَلِكَ لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِسْلَامِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَقِيلَ : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ بِمَعْنَى : وَأُمِرْنَا كَيْ نُسْلِمَ ، وَأَنْ نُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ كَيْ وَ اللَّامَ الَّتِي بِمَعْنَى كَيْ مَكَانَ أَنْ وَ أَنْ مَكَانَهَا .