الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ وَعَرَفَهُ ، شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ ، وَأَظْهَرَ خِلَافَ قَوْمِهِ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، وَلَمْ يَسْتَوْحِشْ مِنْ قِيلِ الْحَقِّ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ ، مَعَ خِلَافِ جَمِيعِ قَوْمِهِ لِقَوْلِهِ ، وَإِنْكَارِهِمْ إِيَّاهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُمْ : يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكُمْ فِي عِبَادَتِهِ مِنْ آلِهَتِكُمْ وَأَصْنَامِكُمْ ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي فِي عِبَادَتِي إِلَى الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، الدَّائِمِ الَّذِي يَبْقَى وَلَا يَفْنَى ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ لَا إِلَى الَّذِي يَفْنَى وَلَا يَبْقَى ، وَيَزُولُ وَلَا يَدُومُ ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَنَّ تَوْجِيهَهُ وَجَّهَهُ لِعِبَادَتِهِ ، بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ ، وَالِاسْتِقَامَةِ فِي ذَلِكَ لِرَبِّهِ عَلَى مَا يُحِبُّ مِنَ التَّوْحِيدِ ، لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُوَجِّهُ لَهُ وَجْهَهُ مَنْ لَيْسَ بِحَنِيفٍ ، وَلَكِنَّهُ بِهِ مُشْرِكٌ ، إِذْ كَانَ تَوْجِيهُ الْوَجْهِ عَلَى غَيْرِ التَّحَنُّفِ غَيْرَ نَافِعِ مُوَجِّهِهِ ، بَلْ ضَارُّهُ وَمُهْلِكُهُ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَسْتُ مِنْكُمْ ، أَيْ : لَسْتُ مِمَّنْ يَدِينُ دِينَكُمْ ، وَيَتَّبِعُ مِلَّتَكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ : 13465 م - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ لِإِبْرَاهِيمَ : تَرَكْتَ عِبَادَةَ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فَقَالُوا : مَا جِئْتَ بِشَيْءٍ ! وَنَحْنُ نَعْبُدُهُ وَنَتَوَجَّهُهُ ! فَقَالَ : لَا ، حَنِيفًا! ! قَالَ : مُخْلِصًا ، لَا أُشْرِكُهُ كَمَا تُشْرِكُونَ .