الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَجَادَلَ إِبْرَاهِيمُ قَوْمَهُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَبَرَاءَتِهِ مِنَ الْأَصْنَامِ ، وَكَانَ جِدَالُهُمْ إِيَّاهُ قَوْلُهُمْ : أَنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا خَيْرٌ مِنْ إِلَهِهِ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ : أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ يَقُولُ : أَتُجَادِلُونَنِي فِي تَوْحِيدِي اللَّهَ وَإِخْلَاصِي الْعَمَلَ لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ آلِهَةٍ وَقَدْ هَدَانِ يَقُولُ : وَقَدْ وَفَّقَنِي رَبِّي لِمَعْرِفَةِ وَحْدَانِيَّتِهِ ، وَبَصَّرَنِي طَرِيقَ الْحَقِّ حَتَّى أَيْقَنْتُ أَنْ لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ سِوَاهُ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ يَقُولُ : وَلَا أَرْهَبُ مِنْ آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَدْعُونَهَا مِنْ دُونِهِ شَيْئًا يَنَالُنِي بِهِ فِي نَفْسِي مِنْ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ : إِنَّا نَخَافُ أَنْ تَمَسَّكَ آلِهَتُنَا بِسُوءٍ مِنْ بَرَصٍ أَوْ خَبَلٍ ، لِذِكْرِكَ إِيَّاهَا بِسُوءٍ ! فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ : لَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْآلِهَةِ أَنْ تَنَالَنِي بِضُرٍّ وَلَا مَكْرُوهٍ ، لِأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا يَقُولُ : وَلَكِنَّ خَوْفِي مِنَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَإِنَّهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَنَالَنِي فِي نَفْسِي أَوْ مَالِي بِمَا شَاءَ مِنْ فَنَاءٍ أَوْ بَقَاءٍ ، أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، نَالَنِي بِهِ ، لِأَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ : 13466 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ قَالَ : دَعَا قَوْمُهُ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً ، وَخَوَّفُوهُ بِآلِهَتِهِمْ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْهَا خَبَلٌ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ قَالَ : قَدْ عَرَفْتُ رَبِّي ، لَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ . وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا يَقُولُ : وَعَلِمَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَيْسَ كَالْآلِهَةِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَفْهَمُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا هِيَ خَشَبَةٌ مَنْحُوتَةٌ ، وَصُورَةٌ مُمَثَّلَةٌ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يَقُولُ : أَفَلَا تَعْتَبِرُونَ ، أَيُّهَا الْجَهَلَةُ ، فَتَعْقِلُوا خَطَأً مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ ، مِنْ عِبَادَتِكُمْ صُورَةً مُصَوَّرَةً وَخَشَبَةً مَنْحُوتَةً ، لَا تَقْدِرُ عَلَى ضُرٍّ وَلَا عَلَى نَفْعٍ ، وَلَا تَفْقَهُ شَيْئًا وَلَا تَعْقِلُهُ ، وَتَرْكِكُمْ عِبَادَةَ مَنْ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَبِيَدِهِ الْخَيْرُ ، وَلَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ .